سورة الزمر — الآية ٣

عن شِمْر [بن عطية] -من طريق حفص- قال: يُؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب، وفي صحيفته أمثالُ الجبال من الحسنات، فيقول ربُّ العِزَّة -جلَّ وعزَّ-: صلَّيتَ يوم كذا وكذا لِيُقال: صلّى فلان، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، صُمتَ يوم كذا وكذا ليقال: صام فلان، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، تصدّقتَ يوم كذا وكذا ليقال: تصدّق فلان، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص. فما يزال يمحو شيئًا بعد شيء، حتى تبقى صحيفتُه ما فيها شيء، فيقول مَلكاه: يا فلان، ألغير الله كنت تعمل؟!

سورة الحجرات — الآية ١٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في قتال أهل اليمامة حيث قال: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح:١٦] يعني: قتال مسيلمة الكذاب وقومه بني حنيفة، ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إذا دُعيتم إلى قتالهم ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ يعني: لا يَنقُصُكم ﴿مِن أعْمالِكُمْ شَيْئًا﴾ الحسنة. يعني: جهاد أهل اليمامة، حين دعاهم أبو بكر، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يعني: ذُو تجاوُزٍ لِما كان قبل ذلك يوم الحُدَيبية، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم إذا فعلوا ذلك

قال ابنُ تيمية (٢‏/‏٢١٦) مُبَيِّنًا قولَ الحسن: «ومما يبين ذلك قولُه تعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماء﴾ [فاطر:٢٨]، وكُلُّ مَن خشِيَه وأطاعه وترك معصيته فهو عالِمٌ، كما قال تعالى: ﴿أمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناء اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. وقال رجل للشعبىِّ: أيها العالم. فقال: إنّما العالِم مَن يخشى الله. وقوله تعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماء﴾ يقتضي أنّ كل مَن خشي الله فهو عالم؛ فإنه لا يخشاه إلا عالم»

سورة الزمر — الآية ٦١

عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إذا بعث اللهُ الخلْقَ يومَ القيامة بعث مع كل امرئ عملَه، بعث مع المؤمن عملَه في أحسن صورة رآها قط، أحسنه حُسنًا، وأجمله جمالًا، وأطيبه ريحًا، لا يرى شيئًا يخافه ولا شيئًا يروّعه إلا قال: لا تخف، وأبشِر بالذي يسرّك، لا، واللهِ، ما أنت الذي تُراد، ولا أنت الذي تُعنى. فإذا قال له ذلك مرارًا قال له: مَن أنت، أصلحك الله؟ واللهِ، ما رأيت أحدًا أحسن منك وجهًا، ولا أطيب منك ريحًا، ولا أحسن منك لفظًا. فيقول له: أتعجب مِن حُسني؟ فيقول: نعم. فيقول: أنا -واللهِ- عملُك، إن عملك -والله- كان حسنًا، إنك كنت تحملني في الدنيا على ثِقَل، وإني -والله- لأحملنك اليوم. فيحمله، وهو قوله عز وجل: ﴿وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون﴾...» الحديث

انتَقَدَ ابنُ جرير (١١‏/‏٤٦٢-٤٦٣بتصرّف) قول عكرمة، والحسن؛ لعدم الدليل الدالّ على النسخ، فقال: «لا خبرَ بالذي قال عكرمة والحسن مِن نسخ حُكْم هذه الآية التي ذكَرا يجب التسليم له، ولا حجةَ باتٌّ بصحة ذلك، وقد رأى ثبوتَ الحكم بذلك عددٌ من الصحابة والتابعين، وجائزٌ أن يكون قولُه: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا﴾ لخاصٍّ مِن الناس، ويكون المراد به مَن استنفرَه رسولُ الله ﷺ فلم ينفِر، على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس. وإذا كان ذلك كذلك كان قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ نهيًا مِن الله المؤمنين عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمنٍ مقيم فيها، وإعلامًا مِنه لهم أنّ الواجب النَّفرُ على بعضهم دون بعض، وذلك على مَن استُنفِرَ منهم دون مَن لم يُسْتَنفَر. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في إحدى الآيتين نسْخٌ للأخرى، وكان حُكْم كل واحدة منهما ماضيًا فيما عُنِيَتْ به». وعلَّقَ ابنُ كثير (٧‏/‏٢٠٥) على قول ابن جرير بقوله: «هذا له اتِّجاهٌ»

اختُلف في معنى التسبيح الذي أمر الله نبيّه أن يسبّحه أدبار السجود على أقوال: الأول: أنه التسبيح في أدبار الصلوات. الثاني: أنها النوافل بعد المفروضات. الثالث: أنها ركعتان بعد المغرب. ورجَّح ابن جرير (٢١‏/‏٤٧٤) -مستندًا إلى الإجماع- القول الأخير الذي قاله علي، وابن عباس، والشعبي، ومجاهد، والحسن بن علي، والحسن البصري، وغيرهم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قولُ مَن قال: هما الركعتان بعد المغرب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك». ثم قال: «ولولا ما ذكرتُ من إجماعها عليه لرأيتُ أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد [يعني: القول الثاني]؛ لأنّ الله -جل ثناؤه- لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة، بل عمّ أدبار الصلوات كلها، فقال: ﴿وأدبار السجود﴾، ولم تقم بأنه معني به: دُبر صلاة دون صلاة، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل». وعلَّق ابنُ عطية (٨‏/‏٥٧) على القول الأول بقوله: «كأنه رُوعي إدبار صلاة النهار كما روعي أدبار النجوم في صلاة الليل، فقيل: هي الركعتان مع الفجر»

ذَهَبَ ابنُ جرير إلى أنّ الأنصاب غير الأصنام، مُسْتَدِلًّا بآثار السلف، فقال مُبَيِّنًا قوله تعالى: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ (٨‏/‏٦٩-٧٠): «يعني: وحرَّم عليكم أيضًا الذي ذُبِح على النُّصُب. فـ(ما) في قوله: ﴿وما ذُبِحَ﴾ رُفِع عَطْفًا على (ما) التي في قوله: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾. والنُّصُب: الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تُجْمَع في الموضع من الأرض، فكان المشركون يُقَرِّبُون لها، ولَيْسَت بأصنام». وذَكَر ابنُ عطية (٣‏/‏١٠٠) أنّ الصنم يُقال له: «نصب» أيضًا، مستندًا إلى اللغة والقراءات، فقال: «ما ذُبِح على النصب جزء مما أُهِلَّ به لغير الله، لكن خُصَّ بالذِّكْر بعد جنسه؛ لشُهْرَة الأمر، وشَرَف الموضع، وتعظيم النفوس له. وقد يقال للصنم أيضًا: نُصُب؛ لأنّه يُنْصَب. وروي أنّ الحسن بن أبي الحسن قرأ: (وما ذبح على النَّصْب) بفتح النون وسكون الصاد، وقال: على الصنم»

وجَّه ابنُ عطية (٥‏/‏٤٨٦) قول الحسن بقوله: «يريد: أنّ الشجرة في زمان نموها واعتدالها كانت تسبح، فمذ صارت خوانًا مدهونًا ونحوه صارت جمادًا». ووجَّهه ابنُ كثير (٩‏/‏٢٠) بقوله: «الخوان: هو المائدة من الخشب. فكأن الحسن ذهب إلى أنه لما كان حيًّا فيه خضرة كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه، وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ مرَّ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يَسْتَتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، ثم قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». أخرجاه في الصحيحين. قال بعض مَن تكلم على هذا الحديث من العلماء: إنما قال: «ما لم ييبسا»؛ لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما»

انتقد ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٨٧) مستندًا إلى أحوال النزول، وعدم الدليل النقلي الثابت، بأن يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؛ فقال بعد أن ذكر رواية أبي الحسن، وعروة في نزول الآية، وحكى عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم قولهم: إنّ هذا استثناء مما تقدم: «ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟! في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها». ولكنه رجَّح عموم معنى الاستثناء في الآية لهم ولغيرهم، فقال: «ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه مَن كان مُتَلَبِّسًا مِن شعراء الجاهلية بذمِّ الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في مقابلة ما تقدم من الكلام السَّيئ، فإنّ الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه»

اختُلف في معنى: ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ على أقوال: الأول: صدَّق بالخَلَفِ من الله. الثاني: صدَّق بأنّ الله واحدٌ لا شريك له. الثالث: صدَّق بالجنة. الرابع: صدَّق بموعود الله. ووجَّه ابنُ القيم (٣‏/‏٣١٨-٣١٩) الأقوال الثلاثة الأولى بقوله: «والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء. فمن فسَّرها بلا إله إلا الله فقد فسَّرها بمفرد يأتي بكل جمع؛ فإنّ التصديق الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشُعَبها وفروعها كلّها، وجميع أصول الدين وفروعه مِن شُعَب هذه الكلمة، فلا يكون العبد مُصدِّقًا بها حقيقة التصديق حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، ولا يكون مؤمنًا بالله إله العالمين حتى يؤمن بصفات جلاله ونعوت كماله، ولا يكون مؤمنًا بأنّ الله لا إله إلا هو حتى يسلب خصائص الإلهية عن كلّ موجود سواه، ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفيّة في الحقيقة والخارج، ولا يكون مُصدّقًا بها من نفى الصفات العليا، ولا من نفى كلامه وتكليمه، ولا من نفى استوائه على عرشه، وأنه يُرفع إليه الكلم الطيّب والعمل الصالح، وأنه رَفع المسيح إليه وأسرى برسوله إليه، وأنه يُدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه، إلى سائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله. ولا يكون مؤمنًا بهذه الكلمة مُصدّقًا بها على الحقيقة مَن نفى عموم خَلْقه لكلّ شيء، وقدرته على كلّ شيء، وعلْمه بكلّ شيء، وبعْثة الأجساد من القبور ليوم النشور. ولا يكون مُصدّقًا بها مَن زعم أنه يترك خَلْقه سُدًى لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله. وكذلك التصديق بها يقتضي الإذعان، والإقرار بحقوقها، وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله، فالمُصدِّق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كلّه. وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها، وبالقيام بحقّها، وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقّها. فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تَرْكها أو تَرْك حقّها. ومَن فسّر الحُسنى بالجنة فسّرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله. ومَن فسّرها بالخَلف ذكر نوعًا من الجزاء، فهذا جزاء دنيوي، والجنة الجزاء في الآخرة، فرجع التصديق بالحُسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه، والتحقيق أنها تتناول الأمرين». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٤٦٥) القول الأول مستندًا إلى السنة، والسياق. وهو قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقول مجاهد من طريق أبي هاشم المكي، وقول عكرمة، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- ذكر قبلَه مُنفِقًا أنفق طالبًا بنفقته الخَلَفَ منها، فكان أولى المعاني به أن يكون الذي عَقِيبَه الخبرُ عن تصديقه بوعد الله إيّاه بالخَلَف، إذ كانت نفقته على الوجْه الذي يرضاه، مع أنّ الخبر عن رسول الله بنحو الذي قلنا في ذلك ورد». ثم ذكر حديث أبي الدّرداء الوارد في نزول الآيات. وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏٦٣٥) قولًا نقله عن كثير من المتأولين أنّ معنى: «الحُسنى: الأجر والثواب مجملًا»