اختُلِف هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ ورجَّح ابنُ جرير (٣/٢٩١) القولَ بعدم النسخ الذي قاله ابن عباس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز -كما سيأتي في تفسير الآية- مُستندًا لعدم الدليل عليه، فقال: «لأنّ دَعْوى المُدَّعِي نسخَ آية -يحتمل أن تكون غير منسوخة- بغير دلالة على صِحَّة دعواه تَحَكُّمٌ، والتَّحَكُّم لا يعجز عنه أحد»
رَجَّح ابنُ جرير (٤/٦١٥) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية بأنّ كل ما ذُكِر في هذه الأقوال يَصْدُق عليه كونه آيةً وحُجَّةً للناس. وعَلَّق ابنُ عطية (٢/٤٥) على قول الأعمش وغيره، فقال: «وفي إماتته هذه المدةَ ثُمَّ إحيائه أعظمُ آية، وأمرُه كله آيةٌ للناس غابرَ الدهر، لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض»
ذكر ابنُ عطية (٦/٣٢١) أن قوله: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ يحتمل ثلاثة معانٍ: الأول: الإخبار المؤكد بأن هذا الشيء يقع ويقول هذه الكلمة. الثاني: أن يكون المعنى: إنها كلمة لا تغني أكثر من أن يقولها ولا نفع له فيها ولا غوث. الثالث: أن تكون إشارةً إلى أنه لو رُدَّ لعاد فتكون آية ذمٍّ لهم
عن الحسن البصري -من طريق عوف- ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾: بلغني: أنّها كانت خيلًا أُخرِجَت مِن البحر لها أجنحة. قالوا: فصلّى سليمانُ الصلاة الأولى، وقعد على كرسيه وهي تُعرَض عليه، فعُرِضت عليه تسعمائة، فتنبَّه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غربت، وفاتته الصلاة، ولم يعلم بذلك، فاغتمَّ لذلك هَيبةً لله، فقال: ردوها عَلَيَّ. فردُّوها عليه، فأقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف تقرُّبًا إلى الله عز وجل، وطلبًا لمرضاته، حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك مباحًا له، وإن كان حرامًا علينا، كما أُبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام، وبقي منها مائة فرس، فما بقي في أيدي الناس اليوم مِن الخيل يُقال مِن نسل تلك المائة
عن قتادة -من طريق سعيد- ﴿أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت﴾، قال: هذا مَثَل ضربه الله للمنافق لجُبْنِه، لا يسمع صوتًا إلا ظَنَّ أنه قد أُتِي، ولا يسمع صِياحًا إلا ظَنَّ أنه ميِّتٌ، أجْبَنُ قوم، وأَخْذَلُه للحق، وقال الله في آية أخرى: ﴿يحسبون كل صيحة عليهم﴾[المنافقون: ٤].
عن عبد الله بن عمر -من طريق سالم- قال: قرأ رجلان من الأنصار سورةً أقرأها رسول الله ﷺ، وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يُصَلِّيان، فلم يَقْدِرا منها على حرف، فأصبحا غادِيَيْن على رسول الله ﷺ، فقال: «إنها مما نُسِخ أو نُسِي، فالهُوا عنها». فكان الزهري يقرؤها: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ بضم النون خفيفة
عن كثير بن الصَّلْتِ، قال: كُنّا عند مروان وفينا زيد بن ثابت، فقال زيد: كنا نقرأ: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارجُمُوهُما ألْبَتَّةَ). قال مروان: ألا كتبتَها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب، فقال: أشْفِيكُم من ذلك؟ قلنا: فكيف؟ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله اكتُبني آية الرجم. قال: «لا أستطيع الآن»
عن طاووس: أنّ عمر بن الخطاب أمر حفصة أن تسأل النبي ﷺ عن الكلالة، فسألته، فأملاها عليها في كَتِف، وقال: «مَن أمركِ بهذا، أعمر؟ ما أراه يقيمها، أو ما تكفيه آية الصيف؟!». قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة﴾. فلما سألوا رسول الله ﷺ نزلت الآية التي في خاتمة النساء
عن معدان بن أبي طلحة اليَعْمَرِيِّ، قال: قال عمر بن الخطاب: ما أغلظ لي رسول الله ﷺ، أو: ما نازعتُ رسول الله ﷺ في شيء ما نازعته في آية الكلالة، حتى ضرب صدري، فقال: «يكفيك منها آيةُ الصَّيف: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾». وسأقضي فيها بقضاءٍ يعلمه مَن يقرأ ومَن لا يقرأ، هو ما خلا الأب
قال مقاتل بن سليمان: يقول الله عز وجل: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ واصْفَحْ﴾، ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ في أمر بني قريظة والنضير، فكان أمر الله فيهم القتل والسبي والجلاء ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾. ﴿حتى يأتي﴾ يعني: يجيء ذلك الأمر، فبلغوه، فسُبوا وأُجلوا، فصارت العفو والصفح منسوخة، نسختها آية السيف في براءة، فلمّا جاء ذلك الأمرُ قتلهم الله تعالى، وسباهم، وأجلاهم