محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠٦ من سورة البقرة في ١٢٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٧٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة البقرة

١٢٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
يعني جل ثناؤه بقوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ إلى غيره، فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الحلال حراما والحرام حلالاً، والمباح محظورا والمحظور مباحا ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من «نَسْخَ الكتاب » وهو نَقْلُه من نُسخة إلى أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيره. فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية فسواء إذا نسخ حكمها فغُير وبُدّل فرضها ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها أوفر حَظها فتُرك، أو مُحي أثرها، فُعفّي ونُسي، إذ هي حينئذٍ في كلتا حالتيها منسوخة. والحكم الحادث المبدل به الحكم الأوّل والمنقول إليه فرض العباد هو الناسخ، يقال منه : نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا، والنسخة الاسم. وبمثل الذي قلنا في ذلك كان الحسن البصري يقول.
حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال : حدثنا خالد بن الحارث، قال : حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾قال : إن نبيّكم ﷺ أقرىء قرآنا ثم نسيه فلم يكن شيئا، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿ما نَنْسَخْ﴾ فقال بعضهم بما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن عمار، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ﴾ أما نسخُها فقَبْضُها. وقال آخرون بما :
حدثني به المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ بقول : ما نبدّل من آية. وقال آخرون بما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنهم قالوا :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾نثبت خطها ونبدل حكمها.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿ما نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ﴾نثبت خطها، ونبدل حكمها، حُدثت به عن أصحاب ابن مسعود.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثني بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾نثبت خطها.

القول في تأويل قوله تعالى : أوْ نُنْسِها.


اختلفت القراءة في قوله ذلك، فقرأها قرّاء أهل المدينة والكوفة : أوْ نُنْسِها ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويل، أحدهما : أن يكون تأويله : ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله :«ما نُنْسِكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها »، فذلك تأويل النسيان. وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها﴾كان ينسخ الآية بالآية بعدها، ويقرأ نبيّ الله ﷺ الآية أو أكثر من ذلك ثم تُنسى وتُرفع.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾قال : كان الله تعالى ذكره ينسي نبيه ﷺ ما شاء وينسخ ما شاء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : كان عبيد بن عمير يقول :
﴿نُنْسِها﴾نرفعها من عندكم.
حدثنا سوار بن عبد الله، قال : حدثنا خالد بن الحارث، قال : حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله :﴿أوْ نُنْسِها﴾قال : إن نبيكم ﷺ أقرىء قرآنا، ثم نسيه.
وكذلك كان سعد بن أبي وقاص يتأوّل الآية إلا أنه كان يقروها :﴿أو تَنْسَها﴾ بمعنى الخطاب لرسول الله ﷺ، كأنه عني أو تَنْسَها أنت يا محمد. ذكر الأخبار بذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا يعلى بن عطاء، عن القاسم، قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقول : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ تَنْسَها، قلت له : فإن سعيد بن المسيب يقرؤها :«أَو تُنْسَها » قال : فقال سعد : إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله :﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى﴾، ﴿وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا هشيم، قال : حدثنا يعلى بن عطاء، قال : حدثنا القاسم بن ربيعة بن قائف الثقفي، قال : سمعت ابن أبي وقاص يذكر نحوه.
حدثنا محمد بن المثنى وآدم العسقلاني قالا جميعا، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال : سمعت القاسم بن ربيعة الثقفي يقول : قلت لسعد بن أبي وقاص : إني سمعت ابن المسيب يقرأ :«ما نَنَسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ تُنْسَها » فقال سعد : إن الله لم ينزل القرآن على المسيب ولا على ابنه، إنما هي :«ما ننسخ من آية أو تَنْسَها » يا محمد. ثم قرأ :﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾، ﴿وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾يقول : نُنسها : نرفعها وكان الله تبارك وتعالى أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها.
والوجه الآخر منهما أن يكون بمعنى الترك، من قول الله جل ثناؤه :﴿نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ يعني به تركوا الله فتركهم. فيكون تأويل الآية حينئذٍ على هذا التأويل : ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدّل فرضها نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها. وعلى هذا التأويل تأوّل جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله :﴿أوْ نُنْسِها﴾ يقول : أو نتركها لا نبدّلها.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله :﴿أوْ نُنْسِها﴾ نتركها لا ننسخها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ قال : الناسخ والمنسوخ.
قال : وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك ما :
حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿نُنْسِها﴾ نمحها.
وقرأ ذلك آخرون :«أو ننسأها » بفتح النون وهمزة بعد السين بمعنى نؤخرها، من قولك : نسأت هذا الأمر أنسؤه نسأً ونساءً إذا أخرته، وهو من قولهم : بعته بنسَاءٍ، يعني بتأخير. ومن ذلك قول طَرَفَة بن العبد :
لعَمْرُكَ إِنّ المَوْتَ ما أنْسأ الفَتىلكالطّوَلِ المرخي وثِنْياهُ باليَدِ
يعني بقوله أنسأ : أخّر.
وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وقرأه جماعة من قرّاء الكوفيين والبصريين، وتأوّله كذلك جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، ويعقوب بن إبراهيم، قالا : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله :«ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نَنْسأها » قال نؤخرها.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، قال : سمعت ابن أبي نجيح، يقول في قول الله :«أوْ نَنْسأها » قال : نُرْجئها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :«أوْ نَنْسأها » نرجئها ونؤخرها.
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا فضيل، عن عطية :«أوْ نَنْسأها » قال : نؤخرها فلا ننسخها.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني عبد الله بن كثير عن عبيد الأزدي، عن عبيد بن عمير «أوْ نَنْسأها » إرجاؤها وتأخيرها. هكذا حدثنا القاسم عن عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي. وإنما هو عن عليّ الأزدي.
حدثني أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم بن سلام، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن عليّ الأزدي، عن عبيد بن عمير أنه قرأها :«نَنْسأها ».
قال : فتأويل من قرأ ذلك كذلك : ما نبدّل من آية أنزلناها إليك يا محمد، فنبطل حكمها ونثبت خطها، أو نؤخرها فنرجئها ونقرّها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها نأت بخير منها أو مثلها.
وقد قرأ بعضهم ذلك :«ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو تُنْسَها » وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ أوْ نُنْسِها إلا أن معنى «أو تُنْسَها » أنت يا محمد.
وقد قرأ بعضهم :«ما نُنْسِخْ مِنْ آيَةٍ » بضم النون وكسر السين، بمعنى : ما نُنسخك يا محمد نحن من آية، من أنسختك فأنا أُنسخك. وذلك خطأ من القراءة عندنا لخروجه عما جاءت به الحجة من القراءة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ «تُنسَها » أو «تَنْسَها » لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قرّاء الأمة. وأولى القراءات في قوله :( أوْ نُنْسِها ) بالصواب من قرأ : أو نُنْسِها، بمعنى نتركها لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه ﷺ أنه مهما بدّل حكما أو غيره أو لم يبدّله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية إذ كان ذلك معناها، أن يكون إذ قدّم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدّل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدّل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ قوله : أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرىء كذلك بالمعنى الذي وصفت، فهو يشتمل على معنى الإنساء الذي هو بمعنى الترك، ومعنى النّساء الذي هو بمعنى التأخير، إذْ كان كل متروك فمؤخر على حال مّا هو متروك. وقد أنكر قوم قراءة من قرأ :«أوْ تُنْسَها » إذا عني به النسيان، وقالوا : غير جائز أن يكون رسول الله ﷺ نسي من القرآن شيئا مما لم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره. قالوا : وبعد، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرأوه وحفظوه من أصحابه بجائز على جميعهم أن ينسوه.
قالوا : وفي قول الله جل ثناؤه :﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبنّ بِالّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم يُنْسِ نبيه شيئا مما آتاه من العلم.
قال أبو جعفر : وهذا قول يشهد على بطوله وفساده الأخبار المتظاهرة عن رسول الله ﷺ وأصحابه بنحو الذي قلنا.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : حدثنا أنس بن مالك : إن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفيهم كتابا :«بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ». ثم إن ذلك رفع.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ما ننسخ من آية) : ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره. (١) وذلك أن يحول الحلال حراما، والحرام
(١) كان في المطبوعة: "ما نسخ من آية إلى غيره فنبد له"، والزيادة من تفسير ابن كثير ١: ٢٧٣.
حلالا والمباح محظورا، والمحظور مباحا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.
* * *
وأصل"النسخ" من"نسخ الكتاب"، وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها. فكذلك معنى"نسخ" الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيرها. (١) فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية، فسواء - إذا نسخ حكمها فغير وبدل فرضها، ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها - أَأُقر خطها فترك، أو محي أثرها، فعفِّي ونسي، (٢) إذ هي حينئذ في كلتا حالتيها منسوخة، والحكم الحادث المبدل به الحكم الأول، والمنقول إليه فرض العباد، هو الناسخ. يقال منه:"نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا، و "النُّسخة" الاسم. وبمثل الذي قلنا في ذلك كان الحسن البصري يقول:
١٧٤٥ - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها)، قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا، ثم نسيه فلم يكن شيئا، (٣) ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه.
* * *
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (ما ننسخ) فقال بعضهم بما:-
(١) في المطبوعة: "عنه إلى غيره"، وفي تفسير ابن كثير: "ونقل عبارة إلى غيرها". والصواب ما أثبت.
(٢) في المطبوعة: "أوفر حظها فترك، أو محي أثرها فعفي أو نسي"، وهي جملة حشيت تصحيفا وخلطا. ومراد الطبري أن النسخ، وهو تغير الحكم، قد يكون مع إقرار الخط كما هو، والإتيان بحكم آخر في عبارة أخرى - أو رفع الخط، ونسيان الناس ما حفظوه عند التنزيل. وقوله"عفي"، من قولهم: عفا الأثر يعفو: درس وذهب. وعفاه يعفيه (بالتشديد) : طمسه وأذهبه.
هذا والجملة التالية: "إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة"، وحديث الحسن الآتي، يدل على صواب ما أثبته في قراءة نص الطبري.
(٣) في المطبوعة: "قال أقرئ قرآنا"، سقط منه ما أثبته، وسيأتي على الصواب في الأثر برقم: ١٧٥٤، ومنه زدت هذه الزيادة.
١٧٤٦ - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (ما ننسخ من آية)، أما نسخها، فقبضها.
* * *
وقال آخرون بما:-
١٧٤٧ - حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (ما ننسخ من آية)، يقول: ما نبدل من آية.
* * *
وقال آخرون بما:
١٧٤٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنهم قالوا: (ما ننسخ من آية)، نثبت خطها، [ونبدل حكمها].
١٧٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ما ننسخ من آية)، نثبت خطها، ونبدل حكمها. حدثت به عن أصحاب ابن مسعود.
١٧٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود: (ما ننسخ من آية) نثبت خطها، [ونبدل حكمها]. (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾


قال أبو جعفر: اختلفت الْقَرَأَة في قوله ذلك. فقرأها أهل المدينة والكوفة: (أو ننسها). ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويل.
(١) الأثر: ١٧٥٠ - الزيادة بين القوسين من تفسير ابن كثير ١: ٢٧٣ ثم ٢٧٤.
أحدهما: أن يكون تأويله: ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله: (ما نُنسكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها)، فذلك تأويل:"النسيان". وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٥١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)، كان ينسخ الآية بالآية بعدها، ويقرأ نبي الله ﷺ الآية أو أكثر من ذلك، ثم تنسى وترفع.
١٧٥٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها)، قال: كان الله تعالى ذكره ينسي نبيه ﷺ ما شاء، وينسخ ما شاء.
١٧٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان عبيد بن عمير يقول: (ننسها)، نرفعها من عندكم.
١٧٥٤ - حدثنا سوار بن عبد الله قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: (أو ننسها)، قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا، ثم نسيه. (١)
* * *
وكذلك كان سعد بن أبي وقاص يتأول الآية، إلا أنه كان يقرؤها: (أو تَنسها) بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه عنى أو تنسها أنت يا محمد * ذكر الأخبار بذلك:
١٧٥٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يعلى
(١) الأثر: ١٧٥٤ - انظر الأثر السالف: ١٧٤٥ والتعليق عليه.
بن عطاء، عن القاسم [بن ربيعة] قال، سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: (ما ننسخ من آية أو تنسها)، قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرؤها: (أو تُنْسها)، (١) قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب! قال الله: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى) [الأعلى: ٦] (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) (٢) [سورة الكهف: ٢٤].
١٧٥٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا هشيم قال، حدثنا يعلى بن عطاء قال، حدثنا القاسم بن ربيعة بن قانف الثقفي قال، سمعت ابن أبي وقاص يذكر نحوه. (٣)
١٧٥٧ - حدثنا محمد بن المثنى وآدم العسقلاني قالا جميعا، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء قال، سمعت القاسم بن ربيعة الثقفي يقول: قلت لسعد بن أبي وقاص: إني سمعت ابن المسيب يقرأ: (ما ننسخ من آية أو تُنسها) فقال سعد: إن الله لم ينزل القرآن على المسيب ولا على ابنه! إنما هي: (ما ننسخ من آية أو تنسها) يا محمد. ثم قرأ: (سنقرئك فلا تنسى) و (واذكر ربك إذا نسيت). (٤)
١٧٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن
(١) في المطبوعة: "أو ننسها". والصواب ما أثبت، وفي ابن كثير ١: ٢٧٥"أو ننساها، ولكن أبا حيان نص في البحر المحيط ١: ٣٣٤ على أن قراءة سعيد"أو تنساها" بغير همزة بضم التاء، وأما ابن خالويه فقد نص في شواذ القراآت: ٩ قال: "أو تنسها" كذلك، إلا أنه لم يسم فاعله. سعيد بن المسيب". فأثبت هذا، لأنها هي رسم ما في نص الطبري. وانظر الآثار الآتية: ١٧٥٦، ١٧٥٧، والمستدرك للحاكم ٢: ٢٤٢.
(٢) الأثر: ١٧٥٥ - الزيادة بين القوسين من تفسير ابن كثير ١: ٢٧٥. والقاسم بن ربيعة، هو القاسم بن عبد الله بن ربيعة بن قانف الثقفي، وربما نسب إلى جده. وهو ابن ابن أخي ليلى بنت قانف الصحابية. روى عن سعد بن أبي وقاص في قوله: "ما ننسخ من آية"، وعنه يعلى بن عطاء العامري. ذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر: قرأت بخط الذهبي: ما حدث عنه سوى يعلى (تهذيب التهذيب ٨: ٣٢٠). وانظر رقم: ١٧٥٦، ١٧٥٧.
(٣) الأثر: ١٧٥٦ - في المطبوعة: "بن قانف" وهو"قانف" بقاف ثم نون ثم فاء. هكذا نص عليه في الإصابة في ترجمة: "ليلى بنت قانف".
(٤) الأثر ١٧٥٧ - انظر الأثرين السالفين. وقال الحاكم في المستدرك ٢: ٢٤٢: "هذا حديث صحيح عى شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
أبيه، عن الربيع في قوله: (ما ننسخ من آية أو نُنسها)، يقول:"ننسها": نرفعها. وكان الله تبارك وتعالى أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها.
* * *
والوجه الآخر منهما، أن يكون بمعنى"الترك"، من قول الله جل ثناؤه: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة: ٦٧]، يعني به: تركوا الله فتركهم. فيكون تأويل الآية حينئذ على هذا التأويل: ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدل فرضها، نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها. وعلى هذا التأويل تأول جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (أو نَنسها)، يقول: أو نتركها لا نبدلها. (١)
١٧٦٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: (أو ننسها)، نتركها لا ننسخها.
١٧٦١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها)، قال: الناسخ والمنسوخ.
* * *
قال أبو جعفر: وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك ما:-
١٧٦٢ - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (نُنسها)، نمحها.
* * *
وقرأ ذلك آخرون: (أو ننسأها) بفتح النون وهمزة بعد السين، بمعنى نؤخرها، من قولك:"نسأت هذا الأمر أنسؤه نَسْأ ونَسَاء"، إذا أخرته، وهو من قولهم:"بعته
(١) الأثر: ١٧٥٩ - في تفسير ابن كثير: "أو ننساها". والصواب ما في الطبري، بفتح النون.
بنساء، يعني بتأخير، ومن ذلك قول طرفة بن العبد:
لعمرك إن الموت ما أَنْسَأ الفتىلكالطِّوَل المرخي وثِنْياه باليد (١)
يعني بقوله"أنسأ"، أخر.
وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وقرأه جماعة من قراء الكوفيين والبصريين، وتأوله كذلك جماع من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٦٣ - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله: (ما ننسخ من آية أو نَنْسأها)، قال: نؤخرها.
١٧٦٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله: (أو ننسأها)، قال: نُرْجئها.
١٧٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (أو ننسأها)، نرجئها ونؤخرها.
١٧٦٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا فضيل، عن عطية: (أو ننسأها)، قال: نؤخرها فلا ننسخها.
١٧٦٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي، عن عبيد بن عمير (أو ننسأها)، إرجاؤها وتأخيرها.
هكذا حدثنا القاسم، عن عبد الله بن كثير،"عن عبيد الأزدي"، وإنما هو عن"علي الأزدي".
١٧٦٨ - حدثني أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن علي الأزدي، عن عبيد
(١) ديوانه: ٣١٨ (من أشعار الستة الجاهليين) من معلقته المشهورة. وروايتهم: "ما أخطأ الفتى". والطول: حبل يطول للدابة لترعى وهي مشدودة فيه. وثنياه" طرفاء. أي إنه لا يفلت من حبال المنية، وإن أخر في أجله. وما أصدق ما قال! ولكننا ننسى!
بن عمير أنه قرأها: (ننسأها). (١)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل من قرأ ذلك كذلك: ما نبدل من آية أنزلناها إليك يا محمد، فنبطل حكمها ونثبت خطها، أو نؤخرها فنرجئها ونقرها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها، نأت بخير منها أو مثلها.
* * *
وقد قرأ بعضهم ذلك: (ما ننسخ من آية أو تُنسها). وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ: (أو نُنسها)، إلا أن معنى (أو تُنسها)، أنت يا محمد.
* * *
وقد قرأ بعضهم: (ما نُنسخ من آية)، بضم النون وكسر السين، بمعنى: ما ننسخك يا محمد نحن من آية - من"أنسختك فأنا أنسخك". وذلك خطأ من القراءة عندنا، لخروجه عما جاءت به الحجة من الْقَرَأَة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ (تُنسها) أو (تَنسها) لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قراء الأمة.
وأولى القراءات في قوله: (أو ننسها) بالصواب، من قرأ: (أو نُنْسها) بمعنى: نتركها. لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه ﷺ أنه مهما بدل حكما أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية، إذْ كان ذلك معناها، أن يكون - إذ قدم الخبر
(١) الخبران: ١٧٦٧، ١٧٦٨ - أبان الطبري في الإسناد الأول أن شيخه القاسم قال في الإسناد:"عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي"، وبين أن صوابه"عن علي الأزدي". ثم ساق الإسناد الثاني على الصواب. وهو كما قال عبد الله بن كثير الداري المكي: هو القارئ، أحد القراء السبعة. وهو ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢ /١٤٤.
علي الأزدي: هو علي بن عبد الله الأزدي البارقي، وهو تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ /١/١٩٣. عبيد بن عمير - بالتصغير فيهما -: هو الليثي الجندعي المكي، ثقة من كبار التابعين، بل ذكره بعضهم في الصحابة، وأثنى عليه الناس خيرا في مجلس ابن عمر، في المسند: ٥٣٥٩. مترجم في التهذيب، والإصابة ٥: ٧٩، وابن سعد ٥: ٣٤١ - ٣٤٢، وابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٩.
عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: (ما ننسخ من آية). قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت، فهو يشتمل على معنى"الإنساء" الذي هو بمعنى الترك، (١) ومعنى "النَّساء" الذي هو بمعنى التأخير. إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك.
* * *
وقد أنكر قوم قراءة من قرأ: (أو نَنْسها)، إذا عني به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله ﷺ نسي من القرآن شيئا مما لم ينسخ، إلا أن يكون نسي منه شيئا، ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرأوه وحفظوه من أصحابه، بجائز على جميعهم أن ينسوه. قالوا: وفي قول الله جل ثناؤه: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) [الإسراء: ٨٦]، ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم ينس نبيه شيئا مما آتاه من العلم.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد على بطوله وفساده، الأخبار المتظاهرة عن رسول الله ﷺ وأصحابه بنحو الذي قلنا.
١٧٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أنس بن مالك: أن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة، قرأنا بهم وفيهم كتابا:"بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا". ثم إن ذلك رفع. (٢)
(١) قد رد أهل اللغة أن يكون الإنساء بمعنى الترك، وقالوا: إنما يقال نسيت: إذا تركت، لا يقال: أنسيت، تركت. وانظر ما جاء في ذلك في اللسان (نسي)، وسائر كتب التفسير.
(٢) الحديث: ١٧٦٩ - يزيد بن زريع - بضم الزاي - العيشي: ثقة حافظ حجة، روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من الكبار. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣٣٥، وابن سعد ٧ / ٢ / ٤٤ وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٦٣ - ٢٦٥. وسعيد: هو ابن أبي عروبة.
وهذا الحديث مختصر من حديث لأنس، في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة. ورواه الأئمة عن أنس، من أوجه مختلفة.
فمن ذلك: أنه رواه البخاري ٧: ٢٩٧ (فتح الباري)، عن عبد الأعلى بن حماد، عن يزيد بن زريع، بهذا الإسناد. وفي آخره: "قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: بلغوا عنا قومنا، أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا".
وروى مسلم ١: ١٨٧ - ١٨٨، من رواية مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس. وانظر تفصيل ذلك في تاريخ ابن كثير٤: ٧١ - ٧٤.
١٧٧٠ - والذي ذكرنا عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون:"لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب". ثم رفع. (١)
وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بإحصائها الكتاب.
وغير مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح، ولا بحجة خبرٍ أن ينسي الله نبيه ﷺ بعض ما قد كان أنزله إليه. فإذْ كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول: ذلك غير جائز.
وأما قوله: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك)، فإنه جل ثناؤه لم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه. وقد قال الله تعالى ذكره: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ) [الأعلى: ٦-٧]، فأخبر أنه ينسي نبيه منه ما شاء. فالذي ذهب منه الذي استثناه الله.
فأما نحن، فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله. (٢)
* * *
(١) الحديث: ١٧٧٠ - ذكره الطبري تعليقا. وهو جزء من حديث طويل، رواه مسلم ١: ٢٨٦، من حديث أبي موسى الأشعري. وذكره السيوطي في الدر المنثور١: ١٠٥، ونسبه أيضًا لابن مردويه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي في الدلائل.
وقد أفاض السيوطي في الإتقان ٢: ٢٩ - ٣٢ (طبعة المطبعة الموسوية بمصر سنة ١٢٨٧) - في هذا البحث، ونقل روايات كثيرة فيه.
(٢) في المطبوعة: "قد كان آتى نبيه بعض ما ننسخ"، والصواب ما أثبت.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (نأت بخير منها أو مثلها). فقال بعضهم بما:-
١٧٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (نأت بخير منها أو مثلها)، يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
* * *
وقال آخرون بما:
١٧٧٢ - حدثني به الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (نأت بخير منها أو مثلها)، يقول: آية فيها تخفيف، فيها رحمة، (١) فيها أمر، فيها نهي.
* * *
وقال آخرون: نأت بخير من التي نسخناها، أو بخير من التي تركناها فلم ننسخها.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٧٣ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (نأت بخير منها)، يقول: نأت بخير من التي نسخناها، أو مثلها، أو مثل التي تركناها.
* * *
"فالهاء والألف" اللتان في قوله: (منها) - عائدتان على هذه المقالة - على الآية في قوله: (ما ننسخ من آية). و"الهاء والألف" اللتان في قوله: (أو مثلها)، عائدتان على"الهاء والألف" اللتين في قوله: (أو ننسها).
* * *
وقال آخرون بما:-
١٧٧٤ - حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن
(١) في تفسير ابن كثير: ١: ٢٧٥"فيها رخصة" مكان: "فيها رحمة".
ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان عبيد بن عمير يقول: (ننسها) : نرفعها من عندكم، نأت بمثلها أو خير منها. (١)
١٧٧٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: (أو نُنسها)، نرفعها، نأت بخير منها أو بمثلها. (٢)
١٧٧٦ - وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود مثله.
* * *
والصواب من القول في معنى ذلك عندنا: ما نبدل من حكم آية فنغيره، أو نترك تبديله فنقره بحاله، نأت بخير منها لكم - من حكم الآية التي نسخنا فغيرنا حكمها - إما في العاجل لخفته عليكم، من أجل أنه وضع فرض كان عليكم، فأسقط ثقله عنكم، وذلك كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم، فكان ذلك خيرا لهم في عاجلهم، لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم = وإما في الآجل لعظم ثوابه، من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان. كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة، فنسخ وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول، فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة، أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فالثواب عليه أجزل، والأجر عليه أكثر، لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات، فذلك وإن كان على الأبدان أشق، فهو خير من الأول في الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره، الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات. فذلك معنى قوله: (نأت بخير منها). لأنه إما بخير منها في العاجل لخفته على من كلفه، أو في الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره.
أو يكون مثلها في المشقة على البدن واستواء الأجر والثواب عليه، نظير نسخ الله تعالى ذكره فرض الصلاة شطر بيت المقدس، إلى فرضها شطر المسجد الحرام.
(١) الأثر: ١٧٧٤ - مضى شطره برقم: ١٧٥٣.
(٢) الأثر: ١٧٧٥ - مضى شطره برقم: ١٧٥٨.
فالتوجه شطر بيت المقدس، وإن خالف التوجه شطر المسجد، فكلفة التوجه - شطر أيهما توجه شطره - واحدة. لأن الذي على المتوجه شطر البيت المقدس من مؤونة توجهه شطره، نظير الذي على بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة، سواء. فذلك هو معنى"المثل" الذي قال جل ثناؤه: (أو مثلها).
* * *
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها) : ما ننسخ من حكم آية أو ننسه. غير أن المخاطبين بالآية لما كان مفهوما عندهم معناها، اكتفي بدلالة ذكر"الآية" من ذكر"حكمها". وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فيما مضى من كتابنا هذا، كقوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) [البقرة: ٩٣]، بمعنى حب العجل، ونحو ذلك. (١)
* * *
فتأويل الآية إذا: ما نغير من حكم آية فنبدله، أو نتركه فلا نبدله، نأت بخير لكم -أيها المؤمنون- حكما منها، أو مثل حكمها في الخفة والثقل والأجر والثواب.
* * *
فإن قال قائل: فإنا قد علمنا أن العجل لا يشرب في القلوب، وأنه لا يلتبس على من سمع قوله: (وأشربوا في قلوبهم العجلَ)، أن معناه: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، فما الذي يدل على أن قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) - لذلك نظير؟
قيل: الذي دل على أن ذلك كذلك قوله: (نأت بخير منها أو مثلها)، وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء، لأن جميعه كلام الله، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره أن يقال: بعضها أفضل من بعض، وبعضها خير من بعض. (٢)
* * *
(١) انظر ما سلف من هذا الجزء ٢: ٣٥٧ - ٣٦٠.
(٢) من شاء أن يرى كيف كان أبو جعفر رضي الله عنه يبصر معنى كل حرف، متحريا للحق والصواب حريصا على دلالة كل كلمة، فليقرأ أمثال هذا القول فيما مضى وفيما يستقبل.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير)، ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك، ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين معك، وأنفع لك ولهم، إما عاجلا في الدنيا، وإما آجلا في الآخرة - أو بأن أبدل لك ولهم مكانه مثله في النفع لهم = عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة = وشبيهه في الخفة عليك وعليهم؟ فاعلم يا محمد أني على ذلك وعلى كل شيء قدير.
* * *
ومعنى قوله: (قدير) في هذا الموضع: قوي. يقال منه:"قد قدرت على كذا وكذا"، إذا قويت عليه"أقدر عليه وأقدر عليه قدرة وقِدرانا ومقدرة"، وبنو مرة من غطفان تقول:"قدِرت عليه" بكسر الدال. (١)
فأما من"التقدير" من قول القائل:"قدرت الشيء"، فإنه يقال منه"قدرته أقدِره قدْرا وقدَرا".
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: أو لم يكن رسول الله ﷺ يعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه له ملك السموات والأرض، حتى قيل له ذلك؟
(١) انظر ما سلف ١: ٣٦١.
قيل: بلى! فقد كان بعضهم يقول: إنما ذلك من الله جل ثناؤه خبر عن أن محمدا قد علم ذلك، ولكنه قد أخرج الكلام مخرج التقرير، كما تفعل مثله العرب في خطاب بعضها بعضا، فيقول أحدهما لصاحبه:"ألم أكرمك؟ ألم أتفضل عليك؟ " بمعنى إخباره أنه قد أكرمه وتفضل عليه، يريد: أليس قد أكرمتك؟ أليس قد تفضلت عليك؟ بمعنى قد علمت ذلك.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا لا وجه له عندنا. وذلك أن قوله جل ثناؤه: (ألم تعلم)، إنما معناه: أما علمت. وهو حرف جحد أدخل عليه حرف استفهام، وحروف الاستفهام إنما تدخل في الكلام إما بمعنى الاستثبات، وإما بمعنى النفي، فأما بمعنى الإثبات، فذلك غير معروف في كلام العرب، ولا سيما إذا دخلت على حروف الجحد. ولكن ذلك عندي، وإن كان ظهر ظهور الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنما هو معني به أصحابه الذين قال الله جل ثناؤه: (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا). والذي يدل على أن ذلك كذلك قوله جل ثناؤه: (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير)، فعاد بالخطاب في آخر الآية إلى جميعهم، وقد ابتدأ أولها بخطاب النبي ﷺ بقوله: (ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض). لأن المراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه. وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح: أن يخرج المتكلم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره، وعلى وجه الخطاب لواحدٍ وهو يقصد به جماعةً غيره، أو جماعة والمخاطب به أحدهم - وعلى وجه الخطاب للجماعة، والمقصود به أحدهم. من ذلك قول الله جل ثناؤه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [الأحزاب: ١-٢]، فرجع إلى خطاب الجماعة، وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إلى السراج المنير أحمد، لا... يَعْدِلني رغبة ولا رهب (١) عنه إلى غيره ولو رفع الن... اس إليّ العيونُ وارتقبوا (٢) وقيل: أفرطتَ! بل قصدتُ ولو... عنفني القائلون أو ثَلَبُوا (٣) لج بتفضيلك اللسان، ولو... أكثر فيك الضِّجاج واللجَب (٤) أنت المصفي المحض المهذب في الن... سبة، إن نص قومَك النسب (٥)
فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قاصد بذلك أهل بيته، فكنى عن وصفهم ومدحهم، بذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وعن بني أمية، بالقائلين المعنفين. لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي ﷺ وتفضيله، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله. (٦)
(١) الهاشميات: ٣٤، والحيوان للجاحظ ٥: ١٧٠ - ١٧١.
(٢) "عنه إلى غيره" متعلق بقوله: لا يعدلني.. "، في البيت قبله.
(٣) أفرطت: أي جاوزت الحد. و"قصدت" من القصد: وهو العدل بين الإفراط والتقصير. والثلب: العيب والذم.
(٤) قوله"فيك" أي بسببك ومن أجلك. والضجاج مصدر: ضاجه يضاجه (بتشديد الجيم) مضاجة وضجاجا: وهو المشاغبة مع الصياح والضجيج. واللجب: ارتفاع الأصوات واختلاطها طلبا للغلبة.
(٥) هذب الشيء: نقاء وخلصه وطهره من كل ما يعيبه. وقوله"المهذب في النسبة"، أي المهذب النسبة، وأدخل"في" للتوكيد، بمعنى الزيادة. ونص الشيء: رفعه وأظهره وأبانه. يعني أبان فضلهم على غيرهم.
(٦) من شاء أن يعرف فضل ما بين عقلين من عقول أهل الذكاء والفطنة، فلينظر إلى ما بين قول أبي جعفر في حسن تأتيه، وبين قول الجاحظ في استطالته بذكائه حيث يقول في كتابه الحيوان ٥: ١٦٩ - ١٧١.
ومن المديح الخطأ، الذي لم أر قط أعجب منه قول الكميت بن زيد، وهو يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: فلو كان مديحه لبني أمية لجاز أن يعيبهم بذلك بعض بني هاشم، أو لو مدح به بعض بني هاشم، لجاز أن يعترض عليه بعض بني أمية، أو لو مدح أبا بلال الخارجي لجاز أن تعيبه العامة، أو لو مدح عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو مدح المهلب، لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف، فأما مديح النبي صلى الله عليه وسلم. فمن هذا الذي يسوءه ذلك؟ " ثم أنشد الأبيات السالفة، وقال:"ولو كان لم يقل فيه عليه السلام إلا مثل قوله:
وبورك قبر أنت فيه وبوركتبه وله أهل بذلك يثرب
لقد غيبوا برا وحزما ونائلاعشية واراك الصفيح المنصب
فلو كان لم يمدحه عليه السلام إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب، لما كان بالمحمود، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا؟ ".
والجاحظ تأخذ قلمه أحيانا مثل الحكة، لا تهدأ من ثوراتها عليه حتى يشتفى منها ببعض القول، وببعض الاستطالة، وبفرط العقل! ومع ذلك، فإن النقاد يتبعون الجاحظ ثقة بفضله وعقله، فربما هجروا من القول ما هو أولى، فتنة بما يقول.
وكما قال جميل بن معمر:
ألا إن جيراني العشية رائحدعتهم دواع من هوى ومنادح (١)
فقال:"ألا إن جيراني العشية" فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه، ثم قال:"رائح"، لأن قصده - في ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه - الخبر عن واحد منهم دون جماعتهم، وكما قال جميل أيضا في كلمته الأخرى:
خليلي فيما عشتما، هل رأيتماقتيلا بكى من حب قاتله قبلي (٢)
وهو يريد قاتلته، لأنه إنما يصف امرأة، فكنى باسم الرجل عنها، وهو يعنيها. فكذلك قوله: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض)، وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه مقصود به قصد أصحابه. وذلك بين بدلالة قوله: (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير * أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى
(١) لم أجد البيت فيما طبع من شعر جميل، ولا فيما جمعته منه. والمنادح: البلاد الواسعة البعيدة. كأنهما جمع مندوحة، حذفت ياؤه. وقال تميم بن أبي بن مقبل. وإني إذا ملت ركابي مناخها... ركبت، ولم تعجز على المنادح
وربما حسن أن يقال: إنه جمع لا واحد له من لفظه، كمحاسن مشابه، والواحد من ذلك ندح وجمعه أنداح: وهو ما اتسع من الأرض.
(٢) الأمالي ٢: ٧٤، والأغاني ١: ١١٧، ٧: ١٤٠، وهي قصيدة من جيد شعر جميل.
من قبل) الآيات الثلاث بعدها - على أن ذلك كذلك. (١)
* * *
أما قوله: (له ملك السموات والأرض) ولم يقل: ملك السموات، فإنه عنى بذلك "ملك" السلطان والمملكة دون "المِلك". والعرب إذا أرادت الخبر عن "المملكة" التي هي مملكة سلطان، قالت: "ملك الله الخلق مُلكا". وإذا أرادت الخبر عن "المِلك" قالت: "ملك فلان هذا الشيء فهو يملكه مِلكا ومَلَكة ومَلْكا.
* * *
فتأويل الآية إذًا: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما ما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر منها ما أشاء؟
* * *
وهذا الخبر وإن كان من الله عز وجل خطابا لنبيه محمد ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى، وأنكروا محمدا صلى الله عليه وسلم، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، فإن الخلق أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع له والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرَهم بما شاء ونهيَهم عما شاء، ونسخ ما شاء، وإقرار ما شاء، وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه. ثم قال لنبيه ﷺ وللمؤمنين معه: انقادوا لأمري، وانتهوا إلى طاعتي فيما أنسخ وفيما أترك فلا أنسخ، من أحكامي وحدودي وفرائضي، ولا يهولنكم خلاف مخالف لكم في أمري ونهيي وناسخي ومنسوخي، فإنه لا قيم بأمركم سواي، ولا ناصر لكم غيري، وأنا المنفرد بولايتكم، والدفاع عنكم، والمتوحد بنصرتكم بعزي وسلطاني وقوتي على من ناوأكم وحادكم، ونصب حرب العداوة بينه وبينكم، حتى أعلي حجتكم،
(١) انظر ما سيأتي بعد قليل: ٤٩٩ - ٥٠٠.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما نبدل من آية.
وقال ابن جُرَيج، عن مجاهد :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي : ما نمح من آية.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قال : نثبت خطها ونبدل حكمها. حَدَّث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود.
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي العالية، ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك.
وقال الضحاك :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما نُنْسِكَ. وقال عطاء : أما ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ فما نترك(١) من القرآن. وقال ابن أبي حاتم : يعني : تُرِكَ فلم ينزل على محمد ﷺ.
وقال السدي :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ نسخها : قبضها. وقال ابن أبي حاتم : يعني : قبضها : رفعها، مثل قوله : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. وقوله :" لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا ".
وقال ابن جرير :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يُحوَّل الحلالُ حرامًا والحرام حلالا والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله ونقل عبَادَة إلى غيرها. وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب ؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولخَّص(٢) بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر. فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعكسه، والنسخ لا إلى بدل. وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوط في فَنِّ أصول الفقه.
وقال الطبراني : حدثنا أبو شبيل(٣) عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال : قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله ﷺ فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ :" إنها مما نسخ وأنسي، فالهوا عنها ". فكان الزهري يقرؤها :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾(٤) بضم النون خفيفة(٥). سليمان بن أرقم ضعيف.
[ وقد روى أبو بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن نصر بن داود، عن أبي عبيد، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس وعبيد وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا، ذكره القرطبي(٦) ](٧).
وقوله تعالى :﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾(٨) فقرئ على وجهين :" ننسأها ونُنْسها ". فأما من قرأها :" نَنسأها " - بفتح النون والهمزة بعد السين - فمعناه : نؤخرها. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسئهَا﴾ يقول : ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها.
وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود :﴿أَوْ نُنسِئَهَا﴾ نثبت خطها ونبدل حكمها. وقال(٩) عبيد بن عمير، ومجاهد، وعطاء :﴿أَوْ نُنسِئَهَا﴾ نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي :﴿أَوْ نُنسِئَهَا﴾ نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي مثله أيضا، وكذا [ قال ](١٠) الربيع بن أنس. وقال الضحاك :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَهَا﴾ يعني : الناسخ من المنسوخ. وقال أبو العالية :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَهَا﴾ أي : نؤخرها عندنا.
وقال ابن حاتم : حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل - يعني ابن مسلم - عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال :
خطبنا عمر، رضي الله عنه، فقال : يقول الله عز وجل :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ أي : نؤخرها.
وأما على قراءة :﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ فقال عبد الرزاق، عن قتادة في قوله :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال : كان الله تعالى ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير : حدثنا سواد(١١) بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله :﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾(١٢) قال : إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا ثم نسيه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا ابن نُفَيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج - يعني الجزري(١٣) - عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال : كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله، عز وجل :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
قال أبو حاتم : قال لي أبو جعفر بن نفيل : ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جَزَري.
وقال عبيد بن عمير :﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ نرفعها من عندكم.
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيْم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ :" ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو تَنْسَهَا " قال : قلت له : فإن سعيد بن المسيَّب يقرأ :" أَو تُنْسَأها ". قال : فقال(١٤) سعد : إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله، جل ثناؤه :﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤](١٥).
وكذا رواه عبد الرزاق، عن هشيم(١٦) وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، به. وقال : على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن محمد بن كعب، وقتادة وعكرمة، نحو قول سعيد.
وقال الإمام أحمد : أخبرنا يحيى، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : قال عمر : عليٌّ أقضانا، وأُبيٌّ أقرؤنا، وإنا لندع بعض ما يقول أُبيُّ، وأبيّ يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول، فلن أدعه لشيء. والله يقول :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
قال البخاري : حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : قال عمر : أقرؤنا أُبيٌّ، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبيّ، وذلك أن
أبيا يقول : لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ. وقد قال الله :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾(١٧)
وقوله :﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي : في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يقول : خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
وقال أبو العالية :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فلا نعمل بها، ﴿أَوْ نُنسئهَا﴾ أي : نرجئها(١٨) عندنا، نأت بها أو نظيرها.
وقال السدي :﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول : نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه.
وقال قتادة :﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول : آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.
وقوله :﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى.. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر(١٩) اليهود وتزييف شبهتهم - لعنهم الله(٢٠) - في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله : فتأويل الآية : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.
ثم قال : وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة
والسلام، لمجيئهما(٢١) بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.
[ وأمر إبراهيم، عليه السلام، بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل(٢٢) ].
قلت : الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ، إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى ؛ لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حِلُّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباح لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه. وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا تصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود، وكما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد ﷺ والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته، عليه والسلام، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته. وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مُغَيَّاة إلى بعثته، عليه السلام، فلا يسمى ذلك نسخًا كقوله :﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقيل : إنها مطلقة، وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين(٢٣) لأنه جاء بكتاب هو آخر(٢٤) الكتب عهدا بالله تبارك وتعالى.
ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ، ردا على اليهود، عليهم لعائن الله، حيث قال تعالى :﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقرئ في سورة آل عمران، التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب، وقوع النسخ عند اليهود في وقوله تعالى :﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٣] كما سيأتي تفسيرها، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكم البالغة، وكلهم قال بوقوعه. وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر : لم يقع شيء من ذلك في القرآن، وقوله هذا ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشرا بعد الحول لم يجب على ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة، عن بيت المقدس لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك، والله أعلم.
١ في أ: "فما ترك"..
٢ في ط: "ويخص"..
٣ في هـ: "أبو سنبل" وهو خطأ..
٤ في ط: "أو ننسيها"..
٥ المعجم الكبير (١٢/٢٨٨)..
٦ ورواه الطحاوى في مشكل الآثار برقم (٢٠٣٤) من طريق ابن وهب، عن يونس عن ابن شهاب، عن أبي أمامة به، وبرقم (٢٠٣٥) من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن أبي أمامة به..
٧ زيادة من جـ، ط..
٨ في ط، ب، أ: "أو ننساها"..
٩ في جـ، ط، أ: "وكما قال"..
١٠ زيادة من أ..
١١ في جـ، ط، ب، أ، و: "حدثنا سوار"..
١٢ في جـ، ب، أ: "أو ننسئها"..
١٣ في جـ: "الجوزي"..
١٤ في جـ: "فقال قال"..
١٥ تفسير الطبري (٢/٤٧٥)..
١٦ تفسير عبد الرزاق (١/٧٥).
.

١٧ صحيح البخاري برقم (٤٤٨١)..
١٨ في جـ: "نؤخرها"، وفي أ: "نركثها"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ مَا نُبَدِّلُ مِنْ آيَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيج، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أَيْ: مَا نَمْحُ مِنْ آيَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قَالَ: نُثْبِتُ خَطَّهَا وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا. حَدَّث بِهِ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ مَا نُنْسِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَمَّا ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ فَمَا نَتْرُكُ (١) مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي: تُرِكَ فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ نَسْخُهَا: قَبْضُهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي: قَبْضُهَا: رَفْعُهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ. وَقَوْلُهُ: "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا".
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ مَا يُنْقَلُ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ إِلَى غَيْرِهِ فَنُبَدِّلُهُ وَنُغَيِّرُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يُحوَّل الحلالُ حَرَامًا وَالْحَرَامُ حَلَالًا وَالْمُبَاحُ مَحْظُورًا، وَالْمَحْظُورُ مُبَاحًا. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالْإِطْلَاقِ وَالْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ. فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَلَا يَكُونُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ. وَأَصْلُ النَّسْخِ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ، وَهُوَ نَقْلُهُ مِنْ نُسْخَةٍ أُخْرَى إِلَى غَيْرِهَا، فَكَذَلِكَ مَعْنَى نَسْخِ الْحُكْمِ إِلَى غَيْرِهِ،
(١) في أ: "فما ترك".
إِنَّمَا هُوَ تَحْوِيلُهُ وَنَقْلُ عبَادَة إِلَى غَيْرِهَا. وَسَوَاءٌ نَسْخُ حُكْمِهَا أَوْ خَطِّهَا، إِذْ هِيَ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهَا مَنْسُوخَةٌ. وَأَمَّا عُلُمَاءُ الْأُصُولِ فَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي حَدِّ النَّسْخِ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النَّسْخِ الشَّرْعِيِّ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ولخَّص (١) بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ. فَانْدَرَجَ فِي ذَلِكَ نَسْخُ الْأَخَفِّ بِالْأَثْقَلِ، وَعَكْسِهِ، وَالنَّسْخُ لَا إِلَى بَدَلٍ. وَأَمَّا تَفَاصِيلُ أَحْكَامِ النَّسْخِ وَذِكْرُ أَنْوَاعِهِ وَشُرُوطِهِ فَمَبْسُوطٌ فِي فَنِّ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو شُبَيْلٍ (٢) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَرَأَ رَجُلَانِ سُورَةً أَقْرَأَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم فكانا يقرآن بِهَا، فَقَامَا ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّيَانِ، فَلَمْ يَقْدِرَا مِنْهَا عَلَى حَرْفٍ فَأَصْبَحَا غَادِيَيْنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهَا مِمَّا نُسِخَ وَأُنْسِي، فَالْهُوَا عَنْهَا". فَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقْرَؤُهَا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٣) بِضَمِّ النُّونِ خَفِيفَةً (٤). سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ ضَعِيفٌ.
[وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَصْرِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ وَعُبَيْدٍ وَعَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ (٥) ] (٦).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٧) فَقُرِئَ عَلَى وَجْهَيْنِ: "نَنْسَأَهَا ونُنْسها". فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهَا: "نَنسأها" -بِفَتْحِ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ بَعْدَ السِّينِ-فَمَعْنَاهُ: نُؤَخِّرُهَا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسئهَا﴾ يَقُولُ: مَا نُبَدِّلُ مِنْ آيَةٍ، أَوْ نَتْرُكُهَا لَا نُبَدِّلُهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿أَوْ نُنسِئَهَا﴾ نُثْبِتُ خَطَّهَا وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا. وَقَالَ (٨) عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ: ﴿أَوْ نُنسِئَهَا﴾ نُؤَخِّرُهَا وَنُرْجِئُهَا. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: ﴿أَوْ نُنسِئَهَا﴾ نُؤَخِّرُهَا فَلَا نَنْسَخُهَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ مِثْلَهُ أَيْضًا، وَكَذَا [قَالَ] (٩) الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَهَا﴾ يَعْنِي: النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَهَا﴾ أَيْ: نُؤَخِّرُهَا عِنْدَنَا.
وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ، حَدَّثَنَا الْخَفَّافُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ -يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ-عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال:
(١) في ط: "ويخص".
(٢) في هـ: "أبو سنبل" وهو خطأ.
(٣) في ط: "أو ننسيها".
(٤) المعجم الكبير (١٢/٢٨٨).
(٥) ورواه الطحاوى في مشكل الآثار برقم (٢٠٣٤) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أمامة به، وبرقم (٢٠٣٥) من طريق شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي أمامة به.
(٦) زيادة من جـ، ط.
(٧) في ط، ب، أ: "أو ننساها".
(٨) في جـ، ط، أ: "وكما قال".
(٩) زيادة من أ.
خَطَبَنَا عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ أَيْ: نُؤَخِّرُهَا.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قَالَ: كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُنْسِي نَبِيَّهُ مَا يَشَاءُ وَيَنْسَخُ مَا يَشَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَوَادُ (١) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٢) قَالَ: إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقْرِئَ قُرْآنًا ثُمَّ نَسِيَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيل، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحَرَّانِيُّ، عَنِ الْحَجَّاجِ -يَعْنِي الْجَزَرِيَّ (٣) -عَنْ عِكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ مِمَّا يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ بِاللَّيْلِ وَيَنْسَاهُ بِالنَّهَارِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرِ بْنُ نُفَيْلٍ: لَيْسَ هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، هُوَ شَيْخٌ لَنَا جَزَري.
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ نَرْفَعُهَا مِنْ عِنْدِكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقْرَأُ: " مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو تَنْسَهَا" قَالَ: قُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ المسيَّب يقرأ: "أَو تُنْسَأها". قَالَ: فَقَالَ (٤) سَعْدٌ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْمُسَيِّبِ وَلَا عَلَى آلِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ اللَّهُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الْأَعْلَى: ٦] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الْكَهْفِ: ٢٤]. (٥).
وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ هُشَيْمٍ (٦) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، بِهِ. وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ، نَحْوَ قَوْلِ سَعِيدٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: عليٌّ أَقْضَانَا، وأُبيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ بَعْضَ مَا يَقُولُ أُبيُّ، وَأُبَيٌّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ، فَلَنْ أَدَعَهُ لِشَيْءٍ. وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أَقْرَؤُنَا أُبيٌّ، وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أبيّ، وذلك أن
(١) في جـ، ط، ب، أ، و: "حدثنا سوار".
(٢) في جـ، ب، أ: "أو ننسئها".
(٣) في جـ: "الجوزي".
(٤) في جـ: "فقال قال".
(٥) تفسير الطبري (٢/٤٧٥).
(٦) تفسير عبد الرزاق (١/٧٥).
أُبَيًّا يَقُولُ: لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. وقد قَالَ اللَّهُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١)
وَقَوْلُهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أَيْ: فِي الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يَقُولُ: خَيْرٌ لَكُمْ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَأَرْفُقُ بِكُمْ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فَلَا نَعْمَلُ بها، ﴿أَوْ نُنسئهَا﴾ أَيْ: نُرْجِئُهَا (٢) عِنْدَنَا، نَأْتِ بِهَا أَوْ نَظِيرِهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يَقُولُ: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الذِي نَسَخْنَاهُ، أَوْ مِثْلَ الذِي تَرَكْنَاهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يَقُولُ: آيَةٌ فِيهَا تَخْفِيفٌ، فِيهَا رُخْصَةٌ، فِيهَا أَمْرٌ، فِيهَا نَهْيٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ يُرْشِدُ تَعَالَى بِهَذَا إِلَى أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، فَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ، فَكَمَا خَلَقَهُمْ كَمَا يَشَاءُ، وَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُصِحُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُمْرِضُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ، كَذَلِكَ يَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ، فَيَحِلُّ مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، وَيُبِيحُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْظُرُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ الذِي يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَيَخْتَبِرُ عِبَادَهُ وَطَاعَتَهُمْ لِرُسُلِهِ بِالنَّسْخِ، فَيَأْمُرُ بِالشَّيْءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ التِي يَعْلَمُهَا تَعَالَى، ثُمَّ يَنْهَى عَنْهُ لِمَا يَعْلَمُهُ تَعَالَى.. فَالطَّاعَةُ كُلُّ الطَّاعَةِ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ فِي تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرُوا. وَامْتِثَالِ مَا أَمَرُوا. وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زَجَرُوا. وَفِي هَذَا الْمَقَامِ رَدٌّ عَظِيمٌ وَبَيَانٌ بَلِيغٌ لِكُفْرِ (٣) الْيَهُودِ وَتَزْيِيفِ شُبْهَتِهِمْ -لَعَنَهُمُ اللَّهُ (٤) -فِي دَعْوَى اسْتِحَالَةِ النَّسْخِ إِمَّا عَقْلًا كَمَا زَعَمَهُ بعضهم جهلا وكفرا، ً وَإِمَّا نَقْلًا كَمَا تَخَرَّصَهُ آخَرُونَ مِنْهُمُ افْتِرَاءً وَإِفْكًا.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ لِي مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا دُونَ غَيْرِي، أَحْكُمُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ، وَآمُرُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ، وَأَنْهَى عَمَّا أَشَاءُ، وَأَنْسَخُ وَأُبَدِّلُ وَأُغَيِّرُ مِنْ أَحْكَامِي التِي أَحْكُمُ بِهَا فِي عِبَادِي مَا أَشَاءُ إِذَا أَشَاءُ، وَأُقِرُّ فِيهِمَا مَا أَشَاءُ.
ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى خِطَابًا لَنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ عَظَمَتِهِ، فَإِنَّهُ مِنْهُ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نَسْخَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَجَحَدُوا نُبُوَّةَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ
(١) صحيح البخاري برقم (٤٤٨١).
(٢) في جـ: "نؤخرها"، وفي أ: "نركثها".
(٣) في أ: "لكفار".
(٤) في أ: "لعنة الله عليهم".
وَالسَّلَامُ، لِمَجِيئِهِمَا (١) بِمَا جَاءَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِتَغَيُّرِ مَا غَيَّرَ اللَّهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ. فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّ لَهُ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا، وَأَنَّ الْخَلْقَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَأَنَّ لَهُ أَمْرَهُمْ بِمَا يَشَاءُ، وَنَهْيَهُمْ عَمَّا يَشَاءُ، وَنَسْخَ مَا يَشَاءُ، وَإِقْرَارَ مَا يَشَاءُ، وَإِنْشَاءَ مَا يَشَاءُ مِنْ إِقْرَارِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
[وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِذَبْحِ وَلَدِهِ، ثُمَّ نَسَخَهُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَأَمَرَ جُمْهُورَ بَنَى إِسْرَائِيلَ بِقَتْلِ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ مِنْهُمْ، ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ كَيْلَا يَسْتَأْصِلَهُمُ الْقَتْلُ (٢) ].
قُلْتُ: الذِي يَحْمِلُ الْيَهُودَ عَلَى الْبَحْثِ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ، إِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْعِنَادُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَشَرَائِعِهِ الْمَاضِيَةِ، كَمَا أَحَلَّ لِآدَمَ تَزْوِيجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، ثُمَّ حَرَّمَ ذَلِكَ، وَكَمَا أَبَاحَ لِنُوحٍ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ أَكْلَ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، ثُمَّ نَسَخَ حِلُّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباح لِإِسْرَائِيلَ وَبَنِيهِ، وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَمَا بَعْدَهَا. وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ وَيَصْدِفُونَ عَنْهُ. وَمَا يُجَابُ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بِأَجْوِبَةٍ لَفْظِيَّةٍ، فَلَا تُصْرَفُ الدَّلَالَةُ فِي الْمَعْنَى، إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَكَمَا فِي كُتُبِهِمْ مَشْهُورًا مِنَ الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ، فَإِنَّهُ يفيد وجوب متابعته، عليه والسلام، وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَمَلٌ إِلَّا عَلَى شَرِيعَتِهِ. وَسَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الشَّرَائِعَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُغَيَّاة إِلَى بِعْثَتِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ نَسْخًا كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧]، وَقِيلَ: إِنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَإِنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسَخَتْهَا، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَوُجُوبُ اتِّبَاعِهِ مُعَيَّنٌ (٣) لِأَنَّهُ جَاءَ بِكِتَابٍ هُوَ آخِرُ (٤) الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
فَفِي هَذَا الْمَقَامِ بَيَّنَ تَعَالَى جَوَازَ النَّسْخِ، رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ الْآيَةَ، فَكَمَا أَنَّ لَهُ الْمُلْكَ بِلَا مُنَازِعٍ، فَكَذَلِكَ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا يَشَاءُ، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] وَقُرِئَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، التِي نَزَلَ صَدْرُهَا خِطَابًا مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وُقُوعُ النسخ عند اليهود في وقوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٣] كَمَا سَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا، وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ، وَكُلُّهُمْ قَالَ بِوُقُوعِهِ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُفَسِّرُ: لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ هَذَا ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ مَرْذُولٌ. وَقَدْ تَعَسَّفَ فِي الْأَجْوِبَةِ عَمَّا وَقَعَ مِنَ النَّسْخِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَضِيَّةُ الْعِدَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يُجِبْ عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامٍ مَقْبُولٍ، وَقَضِيَّةُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ، عن بيت المقدس لم يجب
(١) في جـ، ط: "بمجيئها".
(٢) زيادة من جـ، ط.
(٣) في ط، ب: "متعين".
(٤) في ط: "هو أحدث".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
النسخ : هو النقل، فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع، إلى حكم آخر، أو إلى إسقاطه، وكان اليهود ينكرون النسخ، ويزعمون أنه لا يجوز، وهو مذكور عندهم في التوراة، فإنكارهم له كفر وهوى محض.
فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ، وأنه ما ينسخ من آية ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي : ننسها العباد، فنزيلها من قلوبهم، ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ وأنفع لكم ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾
فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول، لأن فضله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة، التي سهل عليها دينها غاية التسهيل.
وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال :﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
فإذا كان مالكا لكم، متصرفا فيكم، تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه، فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقادير، كذلك لا يعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام. فالعبد مدبر مسخر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية، فما له والاعتراض ؟
وهو أيضا، ولي عباده، ونصيرهم، فيتولاهم في تحصيل منافعهم، وينصرهم في دفع مضارهم، فمن ولايته لهم، أن يشرع لهم من الأحكام، ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم.
ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ، عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده، وإيصالهم إلى مصالحهم، من حيث لا يشعرون بلطفه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٦ - ١٠٧} ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * -[٦٢]- أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾.
النسخ: هو النقل، فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع، إلى حكم آخر، أو إلى إسقاطه، وكان اليهود ينكرون النسخ، ويزعمون أنه لا يجوز، وهو مذكور عندهم في التوراة، فإنكارهم له كفر وهوى محض.
فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ، وأنه ما ينسخ من آية ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي: ننسها العباد، فنزيلها من قلوبهم، ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ وأنفع لكم ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾.
فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول؛ لأن فضله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة، التي سهل عليها دينها غاية التسهيل.
وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾.
فإذا كان مالكا لكم، متصرفا فيكم، تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه، فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقادير، كذلك لا يعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام. فالعبد مدبر مسخر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية، فما له والاعتراض؟
وهو أيضا، ولي عباده، ونصيرهم، فيتولاهم في تحصيل منافعهم، وينصرهم في دفع مضارهم، فمن ولايته لهم، أن يشرع لهم من الأحكام، ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم.
ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ، عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده، وإيصالهم إلى مصالحهم، من حيث لا يشعرون بلطفه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
نَنسَخْ
نُزِلْ، وَنَرْفَعْ.
نُنسِهَا
نَمْحُهَا مِنَ الْقُلُوبِ.

إعراب الآية ١٠٦ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

قيل فيه قول مجاهد. قال: لا تقولوا اسمع منّا ونسمع منك ولكن قولوا فهمنا، انْظُرْنا بيّن لنا، أمر وأن يخاطبوه صلّى الله عليه وسلّم بالإجلال. وهذا حسن أي لا تقولوا كافينا في المقال كما قال: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] وقرأ الحسن (راعنا) «١» منونا نصبه على أنه مصدر أو نصبه بالقول أي لا تقولوا رعونة.
قال أبو جعفر: يقال لما نتأ من الجبل رعن والجبل أرعن وجيش أرعن أي متفرّق ورجل أرعن أي متفرق الحجج ليس عقله مجتمعا.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٥]

ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)
«المشركين» : معطوف على أهل ويجوز في النحو «ولا المشركون» بعطفه على الذين، أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ «من» زائدة، والتقدير أن ينزّل عليكم خير اسم ما لم يسمّ فاعله.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٦]

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ شرط والجواب. نَأْتِ وقوله أَوْ نُنْسِها عطف على ننسخ وحذفت الياء للجزم، ومن قرأ أو ننسأها «٢» حذف للضمة من الهمزة للجزم. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ جزم بلم وحرف الاستفهام لا يغيّر عمل العامل، وفتحت أنّ لأنها في موضع اسم.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٧]

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)
«ملك» : رفع الابتداء، و (له) : الخبر والجملة خبر أنّ وملك مشتقّ من ملكت العجين أي أحكمت عجنه، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ويجوز رفع نصير عطفا على الموضع لأن المعنى وما لكم من دون الله وليّ ولا نصير.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٨]

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)
أَمْ تُرِيدُونَ أي أبل وحكى سيبويه إنّها لإبل أم شاء. أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ في موضع نصب بتريدون. كَما سُئِلَ مُوسى الكاف في موضع نصب نعت لمصدر أي
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٧٠، والبحر المحيط ١/ ٥٠٨، وتفسير الطبري ١/ ٤٧٢، وهي قراءة ابن أبي ليلى وأبي حياة وابن محيصن أيضا.
(٢) انظر التيسير في القراءات ٦٥، والبحر المحيط ١/ ٥١٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٠٦ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾. [١٠٦].
قال المفسرون: إن المشركين قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاههم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟! ما هذا القرآن إلاَّ كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً. فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ الآية. وأنزل أيضاً: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ الآية.

القراءات في الآية ١٠٦ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْعَظِيمِ مَا

ادغام الميم في الميم ادغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

اظهار الميم الأولى المكسورة

ابن جمّاز عن أبي جعفر خلاد عن حمزة خلف عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي حفص عن عاصم الدوري عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر ابن وردان عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر رويس عن يعقوب قالون عن نافع ورش عن نافع روح عن يعقوب إدريس عن خلف البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف

نَنْسَخْ

(نُنْسِخْ) بضم النون الأولى وكسر السين

ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

(نَنْسَخْ) بفتح النون الأولى والسين

روح عن يعقوب الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر إسحاق عن خلف أبو الحارث عن الكسائي قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر خلاد عن حمزة إدريس عن خلف رويس عن يعقوب خلف عن حمزة ورش عن نافع البزي عن ابن كثير حفص عن عاصم قنبل عن ابن كثير شعبة عن عاصم الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

نُنسِهَا

(نَنْسَأْهَا)

الدوري عن أبي عمرو البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير السوسي عن أبي عمرو

(نُنْسِهَا)

أبو الحارث عن الكسائي إدريس عن خلف قالون عن نافع حفص عن عاصم إسحاق عن خلف ورش عن نافع خلاد عن حمزة روح عن يعقوب شعبة عن عاصم رويس عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن الكسائي ابن جمّاز عن أبي جعفر خلف عن حمزة هشام عن ابن عامر ابن وردان عن أبي جعفر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٠٦ من سورة البقرة

٣ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٧٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

١٩ قولًا
١
عن أبي موسى الأشعري، قال: نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة، ثُمَّ رُفِعَت، وحُفِظ منها: (إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم). وفي لفظ: (لَيُؤَيِّدَنَّ اللهُ هذا الدين برجال ما لهم في الآخرة من خلاق، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتَمَنّى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب، إلا من تاب فيتوب الله عليه، والله غفور رحيم)١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في فضائله ص١٩٢. وعزا السيوطي إلى ابن الضريس اللفظ الثاني.
٢
عن أبي واقد الليثي، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُوحِي إليه أتيناه، فعَلَّمَنا ما أُوحِي إليه، قال: فجئته ذات يوم، فقال: «إنّ الله يقول: (إنّا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم واديًا لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان له الثاني لأحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٦‏/‏٢٣٧ (٢١٩٠٦). قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ص١١٤٢: «أخرجه أحمد، والبيهقي في الشعب، بسند صحيح». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٤٠ (١١٥٠٧): «رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح». وقال الألباني في الصحيحة ٤‏/‏١٨٣ (١٦٣٩) بعد ذكره سند أحمد والطبراني: «وهذا إسناد حسن، وهو على شرط مسلم».
٣
عن زيد بن أرقم، قال: كُنّا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى الثالث، ولا يملأ بطنَ ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٢‏/‏٣١ (١٩٢٨٠). قال الهيثمي في المجمع الزوائد ١٠‏/‏٢٤٣ (١٧٧٨٨): «رواه أحمد، والطبراني، والبزار بنحوه، ورجالهم ثقات». وقال الألباني في الصحيحة ٦‏/‏٩٦٦ (٢٩١٠): «إسناد صحيح».
٤
عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ: (لو أن لابن آدم ملءَ وادٍ مالًا لأحبَّ إليه مثله، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٣‏/‏٢٥ (١٤٦٥٧)، ٢٣‏/‏٣١ (١٤٦٦٥)، ولفظه: (لو أن لابن آدم واديًا من مال لتَمَنّى واديين، ولو أن له واديين لَتَمَنّى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب). قال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢٤٣ (١٧٧٨٦): «رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، ويعتضد حديثه بما يأتي، وبقية رجاله رجال الصحيح».
٥
عن ابن عباس، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّ لابن آدم مِثْل وادٍ مالًا لأحبَّ أنّ له إليه مثله، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». قال ابن عباس: فلا أدري، أمن القرآن هو أم لا؟١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٨‏/‏٩٢ (٦٤٣٦، ٦٤٣٧)، ومسلم ٢‏/‏٧٢٥ (١٠٤٩).
٦
عن بريدة: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقرأ في الصلاة: (لو أنّ لابن آدم واديًا من ذهب لابتغى إليه ثانيًا، ولو أعطي ثانيًا لابتغى إليه ثالثًا، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار ١٠‏/‏٣١١ (٤٤٣٣)، والروياني في مسنده ١‏/‏٨١ (٤٤). بلفظ: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة: (لو أعطي ابن آدم واديًا من ذهب لابتغى إليه ثانيًا، ولو أُعْطِي ثانيًا لابتغى إليه ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا عبد العزيز بن مسلم، عن أبي العلاء». وقال المنذري في الترغيب والترهيب ٢‏/‏٣٤٤: «بإسناد جيد». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢٤٤ (١٧٧٩٠): «رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير صبيح أبي العلاء، وهو ثقة». وقال ابن حجر في مختصر زوائد البزار ٢‏/‏٤٩٩: «إسناده حسنٌ». وقال الألباني في الصحيحة ٦‏/‏٩٦٧ (٢٩١١): «وهذا إسناد جيد، رجاله عند البَزّار كلهم رجال البخاري، غير صبيح أبي العلاء، وقد وثَّقه ابن حبان».
٧
عن زِرٍّ، قال: في قراءة أُبَيّ بن كعب: (ابن آدم لو أُعْطِي واديًا من مال لالتَمَس ثانيًا، ولو أُعْطِي واديين من مال لالتَمَسَ ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٥‏/‏١٣٠-١٣٢ (٢١٢٠٢، ٢١٢٠٣)، والترمذي ٥‏/‏٦٦٥ (٣٧٩٣)، والحاكم في المستدرك ٢‏/‏٢٤٤ (٢٨٨٩) وهذا لفظه: عن زر، عن أبي بن كعب: أنّ رسول الله ﷺ قال له: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك فقرأ عليه: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾، فقرأ فيها: (إن ذات الدين عند الله الحنيفية المسلمة، لا اليهودية، ولا النصرانية، من يعمل خيرًا فلن يكفره). وقرأ عليه: (ولو أن لابن آدم واديًا من مال لابتغي إليه ثانيًا، ولو كان له ثانيًا لابتغي إليه ثالثًا، ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). قال الترمذي: «حديث حسن صحيح، وقد رُوِي من غير هذا الوجه». وقال الحاكم: «صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٤٠: «رواه أحمد وابنه، وفيه عاصم بن بَهْدَلة، وثّقه قوم وضعّفه آخرون، وبقية رجاله رجال الصحيح». وقال ابن حجر في الفتح ١١‏/‏٢٥٧: «وسنده جيد». وصحّحه الألباني في الصحيحة ٦‏/‏٩٦٣ (٢٩٠٨). قال القرطبي: «قال عكرمة: قرأ عَلَيَّ عاصم ﴿لم يكن﴾ ثلاثين آية، هذا فيها. قال أبو بكر: هذا باطل عند أهل العلم؛ لأن قِراءَتَي ابن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبي بن كعب، لا يقرأ فيهما هذا المذكور في ﴿لم يكن﴾ مما هو معروف في حديث رسول الله ﷺ على أنّه من كلام الرسول عليه السلام، لا يحكيه عن رب العالمين في القرآن، وما رواه اثنان معهما الإجماع أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة».
٨
عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألَمْ تَجِد فيما أُنزِل علينا: (أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة)، فإنّا لا نجدها؟ قال: أُسْقِطَت فيما أُسْقِط من القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد ص١٩٣.
٩
عن أنس، قال: أنزَل الله تعالى لنبيه ﷺ في الذين قُتِلوا ببئر مَعُونَةَ قرآنًا قرأناه، ثُمَّ نُسِخ بعدُ: (بَلِّغُوا قومنا فقد لقينا ربَّنا، فرَضِيَ عنّا ورضينا عنه)١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري في ٤‏/‏١٨ (٢٨٠١)، ٤‏/‏٢١ (٢٨١٤)، ٤‏/‏٧٣ (٣٠٦٤)، ٥‏/‏١٠٥ (٤٠٩٠، ٤٠٩١)، ٥‏/‏١٠٧ (٤٠٩٥)، ومسلم ١‏/‏٤٦٨ (٦٧٧).
١٠
عن أبي أُمامة بن سهل بن حُنَيْفٍ: أن رجلًا كانت معه سورة، فقام من الليل، فقام بها، فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأ بها، فلم يقدر عليها، وقام آخر بها، فلم يقدر عليها، فأصبحوا، فأَتَوْا رسولَ الله ﷺ، فاجتمعوا عنده، فأخبروه، فقال: «إنها نُسِخَت البارحة»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٥‏/‏٢٧١ (٢٠٣٤). وأورده الثعلبي ١‏/‏٢٥٤. وقال الطحاوي: «هكذا حدثنا يونس بهذا الحديث، فلم يتجاوز به أبا أمامة، وأصحاب الحديث يُدْخِلون هذا في المسند؛ لأن أبا أمامة مِمَّن وُلِد في عهد النبي ﷺ، ويقول أهله: إنّ رسول الله ﷺ كان سماه أسعد باسم أبي أمامة: أسعد بن زرارة، وقد روى هذا الحديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، فأدخل بين رسول الله ﷺ وبين أبي أمامة رهطًا من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع ١٧‏/‏١٨٦: «صحَّ من حديث الزهري».
١١
عن أبي أُمامة: أنّ رهطًا من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ أخبروه: أنّ رجلًا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ووقع ذلك لناسٍ من أصحابه، فأصبحوا، فسألوا رسول الله ﷺ عن السورة، فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئًا، ثم قال: «نُسِخَت البارحة». فنُسِخَت من صدورهم، ومن كل شيء كانت فيه١
التخريج
  1. ١أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٥‏/‏٢٧٢ (٢٠٣٥)، والطبراني في مسند الشاميين ٤‏/‏١٦١ (٣٠٠١)، والبيهقي في الدلائل ٧‏/‏١٥٧. قال الذهبي في تاريخ الإسلام ١‏/‏٤١١: «الحديث صحيح».
١٢
عن كثير بن الصَّلْتِ، قال: كُنّا عند مروان وفينا زيد بن ثابت، فقال زيد: كنا نقرأ: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارجُمُوهُما ألْبَتَّةَ). قال مروان: ألا كتبتَها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب، فقال: أشْفِيكُم من ذلك؟ قلنا: فكيف؟ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله اكتُبني آية الرجم. قال: «لا أستطيع الآن»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٥‏/‏٤٧٢-٤٧٣ (٢١٥٩٦)، والحاكم ٤‏/‏٤٠٠، بنحوه، والنسائي في الكبرى ٦‏/‏٤٠٦ (٧١٠٧)، ٦‏/‏٤٠٧ (٧١١٠). قال الحاكم: «حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». وأقرّه الألباني في الصحيحة ٦‏/‏٩٧٢. قال ابن كثير في تفسيره ٦‏/‏٧ بعد ذكر الحديث: «هذه طرق كلها متعددة، ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها، وبقي حكمها معمولًا به».
١٣
عن عمر بن الخطاب، قال: إنّ الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أُنِزل عليه آية الرجم، فرجم ورجمنا بعده. ثم قال: قد كنا نقرأ: (ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كُفْرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم)١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (٩٧٥٨)، وأحمد ١‏/‏٣٧٨ (٢٧٦)، ١‏/‏٤٤٩ (٣٩١)، وابن حبان (٤١٣، ٤١٤). وصححه الشيخ أحمد شاكر.
١٤
عن عمر بن الخطاب، قال: كُنّا نقرأ فيما نقرأ: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم). ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك، يا زيد؟ قال: نعم١
التخريج
  1. ١أخرجه الطيالسي (٥٦)، وأبو عبيد ص١٩٣، والطبراني -كما في المجمع ١‏/‏٩٧-.
١٥
عن عَمِيرَة بن فَرْوة: أنّ عمر بن الخطاب قال لأُبَيّ: أوَلَيْس كُنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: (إن انتفاءكم من آبائكم كُفْرٌ بكم)؟ فقال: بلى. ثم قال: أوَليس كنا نقرأ: (الولد للفراش وللعاهر الحَجَر) فيما فقدنا من كتاب الله؟ فقال أُبَيّ: بلى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢‏/‏٢٧٥-٢٧٦.
١٦
عن ابن عباس، قال: كُنّا نقرأ: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، وإن كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم)١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن الضريس.
١٧
عن أبي موسى الأشعري، قال: كُنّا نقرأ سورة نُشَبِّهُها في الطُّول والشِّدة ببَراءَة، فأُنسِيتُها، غير أنِّي حفظتُ منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأُ جوفَه إلا التراب). وكنا نقرأ سورةً نُشَبِّهها بإحدى المُسَبِّحات، أولها: (سبح لله ما في السموات)، فأُنْسِيناها، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتُسألون عنها يوم القيامة)١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم (١٠٥٠)، وأبو نعيم في الحلية ١‏/‏٢٥٧. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.
١٨
عن عمر -من طريق ابن عباس- قال: أقْرَؤُنا أُبَيٌّ، وأقضانا عَلِيٌّ، وإنّا لَنَدَعُ شيئًا من قراءة أُبَيٍّ؛ وذلك أنّ أُبَيًّا يقول: لا أدَعُ شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، وقد قال الله: ›ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نَنسَأْها‹١
التخريج
  1. ١أخرجه الإمام أحمد ٣٥‏/‏١٢ (٢١٠٨٤)، والبخاري (٤٤٨١، ٥٠٠٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٩٥)، والحاكم ٣‏/‏٣٠٥، والبيهقي في الدلائل ٧‏/‏١٥٥. وعزاه السيوطي إلى ابن الأنباري في المصاحف.
١٩
عن عبد الله بن عمر -من طريق سالم- قال: قرأ رجلان من الأنصار سورةً أقرأها رسول الله ﷺ، وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يُصَلِّيان، فلم يَقْدِرا منها على حرف، فأصبحا غادِيَيْن على رسول الله ﷺ، فقال: «إنها مما نُسِخ أو نُسِي، فالهُوا عنها». فكان الزهري يقرؤها: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ بضم النون خفيفة١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٢‏/‏٢٨٨ (١٣١٤١)، والأوسط ٥‏/‏٤٨ (٤٦٣٧). قال ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٢٥٩: «سليمان بن الأرقم ضعيف». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٣١٥ (١٠٨٣٨): «رواه الطبراني، وفيه سليمان بن أرقم، وهو متروك». وقال الشوكاني في فتح القدير ١‏/‏١٤٨: «وفي إسناده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف».

تفسير

١٢ قولًا
١
عن أصحاب ابن مسعود -من طريق مجاهد- ﴿أو نُنسها﴾: نرفعها، ﴿نأت بخير منها﴾ أو بمثلها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٠٠.
٢
عن أبي العالية، قال: يقولون: (ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نَنساها)، كان الله أنزل أمورًا من القرآن، ثم رفعها، فقال: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي داود، وابن جرير. وهو عند ابن جرير ٢‏/‏٣٩٣ من قول الربيع بن أنس، وفيه بقراءة الجمهور، كما سيأتي.
٣
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿ما ننسخ من آية﴾ أي: فلا يُعمَل بها، ﴿أو ننسها﴾ أي: نرجيها عندنا، نأت بها أو بغيرها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١ (١٠٦٨).
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- قال: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾، يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي١
التخريج
  1. ١تفسير عبد الرزاق ١‏/‏٥٥، وابن جرير ٢‏/‏٣٩٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه.
٥
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿نأت بخير منها﴾، يقول: نأتِ بخير من التي نسخناها، ﴿أو مثلها﴾ أو مثل التي تركناها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٠٠، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١.
٦
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾، يقول: ﴿نُنسِها﴾: نرفعها، وكان الله تبارك وتعالى أنزل أمورًا من القرآن، ثم رفعها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٣، ٤٠٠.
٧
قال مقاتل بن سليمان: يقول: ﴿نأت بخير منها﴾، يقول: نَأْتِ من الوحي مكانها أفضلَ منها لكم وأنفع لكم، ثم قال: ﴿أو مثلها﴾، يقول: أو نأت بمثل ما نسخنا، ﴿أو ننسها﴾ يقول: أو نتركها كما هي، فلا ننسخها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٩.
٨
عن أبي قدامة، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كنت أقرأ هذه الآية فلا أعرفها: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾، أقول: هذا قرآن وهذا قرآن، فكيف يكون خيرًا منها؟! حتى فُسِّر لي، فكان بيِّنًا: نأت بخير منها لكم، أيسرَ عليكم، أخفَّ عليكم، أهونَ عليكم١
التخريج
  1. ١أخرجه المروزي في كتاب السنة ص١٨٦ (٢٥٥).
٩
قال يحيى بن سلّام: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾، هذه الآية الناسخةُ خيرٌ في زماننا هذا لأهلها، وتلك الأُولى المنسوخة خيرٌ لأهلها في ذلك الزمان، وهي مثلها بعدُ في حقِّها وصِدْقِها١٢
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٦٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن جرير (٢/٤٠١-٤٠٢ بتصرف) في بيان معنى قوله تعالى: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾: «والصواب من القول في معنى ذلك عندنا: ما نُبَدِّل من حكم آية فنُغَيِّره، أو نترك تبديله فنُقِرُّه بحاله؛ نأت بخير منها لكم من حكم الآية التي نسخنا فغَيَّرنا حكمَها، إما في العاجل لخفته عليكم، من أجل أنه وضْعُ فرْضٍ كان عليكم فأسقط ثِقْلَه عنكم، وإما في الآجل لعِظَم ثوابه من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان، فذلك معنى قوله: ﴿نأت بخير منها﴾، أو يكون مثلها في المشقة على البدن واستواء الأجر والثواب عليه، فذلك هو معنى المِثْل الذي قال -جَلَّ ثناؤه-: ﴿أو مثلها﴾».
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾، من الناسخ والمنسوخ قدير١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٩.
١١
قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قوله: ﴿على كل شيء قدير﴾، أي: لا يَقْدِر على هذا غيرُك بسلطانك وقدرتك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٢ (١٠٧١).
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾، يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١ (١٠٦٧)، والبيهقي (٤٧٢). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

تفسير الآية

٣٥ قولًا
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج-: (أوْ نَنساها) قال: نُثْبِت خطَّها، ونُبَدِّل حكمَها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٠. وقراءة (أوْ نَنساها) شاذة، تروى أيضًا عن مجاهد، والسدي، وغيرهما. انظر: البحر المحيط ١‏/‏٥١٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابن تيمية (١/٣٠٠) قراءةَ (نَنساها)؛ لعدم ورودها، ولعدم جواز معناها، فقال: «لم يقرأ أحد (نَنساها)، فمن ظنَّ أنّ معنى ‹نَنسَأْها› بمعنى ننساها؛ فهو جاهل بالعربية والتفسير، قال موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه:٥٢]، والنسيان مضاف إلى العبد كما في قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى* إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦، ٧]، ولهذا قرأها بعض الصحابة: (أوْ تَنساها)، أي: تنساها يا محمد، وهذا واضح لا يخفى إلا على جاهل لا يفرق بين ‹نَنسَأْها› بالهمز وبين (نَنساها) بلا همز».
٢
وعن أصحاب ابن مسعود، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٠ (عَقِب ١٠٦٢). والأثران هكذا وردا في المطبوع والمحقق من ابن أبي حاتم، وهو مخالف لما رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أصحاب ابن مسعود وعن مجاهد من المتقدم، كما أنه أشبه بتفسير قوله تعالى: ﴿ننسخ﴾ كما تقدم، فلعل في النُّسَخ تصحيف أو سبق قلم!.
٣
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنسِها﴾، قال: الناسخ والمنسوخ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٠.
٤
عن الحسن البصري -من طريق عوف- في قوله: ﴿أوْ نُنسِها﴾، قال: إنّ نبيكم ﷺ أُقْرِئ قرآنًا، ثم أنسيه فلم يكن شيئًا، ومن القرآن ما قد نُسِخ وأنتم تقرؤونه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٥.
٥
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق عبد الملك- في قوله: ﴿ما نَنسَخْ مِن ءايَةٍ أوْ نَنسَأْها﴾، قال: نؤخرها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٥. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن تيمية (١/٢٩٤ بتصرف) على كلام عطاء هذا، فقال: «وقد ذكر عن السلف أن المعنى: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ﴾ وهو ما أنزلناه إليكم ولا نرفعه، ﴿أو ننسها﴾ أي: نؤخر تنزيله فلا ننزله، ونقل هذا بعضهم عن سعيد بن المسيب وعطاء، أما ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ﴾ فهو ما قد نزل من القرآن، جعلاه من النسخة، ﴿أوْ نَنسَأْها﴾ أي: نؤخرها فلا يكون وهو ما لم ينزل، وهذا فيه نظر؛ فإن ابن أبي حاتم روى بالإسناد الثابت عن عطاء ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ﴾ أما ما نسخ فهو ما ترك من القرآن. وكأنه تصحف على من ظنه نزل من النزول؛ فإن لفظ»ترك«فيه إبهام، ولذلك قال ابن أبي حاتم: يعني: ترك لم ينزل على محمد، وليس مراد عطاء هذا، وإنما مراده أنه ترك مكتوبًا متلوًّا ونسخ حكمه، وما أنسأه هو ما أخره لم ينزله. وسعيد وعطاء من أعلم التابعين لا يخفى عليهما هذا».
٦
عن عطية العوفي -من طريق فُضَيْل- ‹أوْ نَنسَأْها›، قال: نؤخرها فلا ننسخها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٨٩.
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: كانت الآيةُ تنسخ الآيةَ، وكان نبيُّ الله يقرأ الآية والسورة وما شاء الله من السورة، ثم ترفع، فيُنَسِّيها اللهُ نبيَّه، فقال الله يقُصُّ على نبيه: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنسِها﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩١. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٦٨-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه. وذكر يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين١‏/‏١٦٨- نحوه، وفيه: وقد نسي رسول الله ﷺ بعضَ ما كان نزل من القرآن؛ فلم يثبت في القرآن.
٨
عن قتادة بن دعامة، والكلبي -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنسِها﴾، قال: كان الله -تعالى ذِكْرُه- يُنسِي نبيه ما شاء، ويَنسَخ ما شاء١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٥٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّحَ ابن جرير (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، وابن عطية (١/ ٣١٦) جوازَ أن يُنسِي اللهُ - عز وجل - نبيَّه - ﷺ - بعضَ ما قد كان أنزله إليه. وانتقدا القولَ بعدم الجواز استنادًا إلى القرآن، وما صحَّ من السنة، والسّياق، والدلالات العقلية، فقال ابن جرير (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨ بتصرف): «قد أنكر قومٌ قراءةَ من قرأ: (أوْ تُنْسَها) إذا عني به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله - ﷺ - نسي من القرآن شيئًا مما لم ينسخ، إلا أن يكون نسي منه شيئًا ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئًا لم يكن الذين قرؤوه وحفظوه من أصحابه بجائز على جميعهم أن ينسوه. قالوا: وفي قول الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ [الإسراء: ٨٦] ما يُنبِئُ عن أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يُنسِ نبيَّه شيئًا مما آتاه من العلم. قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد على بُطُولِه وفسادِه الأخبارُ المتظاهرة عن رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وغيرُ مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح، ولا بحجة خبر أن ينسي الله نبيه - ﷺ - بعض ما قد كان أنزله إليه، فإذا كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين فغير جائز لقائل أن يقول ذلك غير جائز، وأما قوله: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ فإنه -جل ثناؤه- لم يُخْبِر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله؛ بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه، وقد قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾، فأخبر أنه يُنسِي نبيَّه منه ما شاء، فالذي ذهب منه الذي استثناه الله، فأما نحن فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله -تعالى ذِكْرُه- قد كان أنسى نبيَّه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله». وقال ابن عطية: «والصحيح في هذا أنّ نسيان النبي - ﷺ - لِما أراد الله تعالى أن ينساه، ولم يُرِد أن يثبت قرآنًا؛ جائزٌ، فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي - ﷺ - معصوم منه قبل التبليغ، وبعد التبليغ ما لم يحفظه أحد من أصحابه، وأما بعد أن يُحْفَظ فجائز عليه ما يجوز على البشر؛ لأنه قد بَلَّغ وأَدّى الأمانة، ومنه الحديث حين أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: «أفي القوم أُبَيٌّ؟». قال: نعم، يا رسول الله. قال: «فلِمَ لَمْ تذكِّرني؟». قال: حسبت أنها رفعت. فقال النبي - ﷺ -: «لم ترفع، ولكني نسيتها»».
٩
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿أوْ نُنسِها﴾: نتركها لا ننسخها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١ (١٠٦٦)، وفيه بقراءة: (أوْ نَنساها).
١٠
عن ابن أبي نجيح -من طريق عيسى- في قول الله: ‹أوْ نَنسَأْها›، قال: نُرْجِئْها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٥.
١١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنسِها﴾، يقول: ﴿نُنسِها﴾: نرفعها. وكان الله -تعالى ذِكْرُه- أنزل أمورًا من القرآن، ثُمَّ رفعها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٣.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿أوْ مِثْلِها﴾، يقول: أو نأت بمثل ما نسخنا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٩.
١٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿نُنسِها﴾: نَمْحُها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٤.
١٤
قال يحيى بن سلّام: وتقرأ ›أوْ نَنسَأْها‹ مهموزة، أي: نؤخرها؛ فلم تثبت في القرآن١٢
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٦٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابن تيمية (١/٢٩٤) إلى أنّ معنى الآية: «نؤخرها عن العمل بها بنسخنا إياها»، مستدلًّا بأثر عمر، وأبي العالية، وعطاء.
١٥
عن ابن عباس، قال: خَطَبَنا عمر، فقال: يقول الله تعالى: ‹ما نَنسَخْ من آيةٍ أو نَنسَأْها›، أي: نؤخرها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿أوْ نُنسِها﴾، يقول: أو نتركها لا نبدلها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٧٢). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وقد ورد في المطبوع من الدر المنثور الأثر بقراءة: (نَنساها) وهي شاذة، ولم أجد ذلك في المطبوع من المصادر السابقة.
١٧
عن أصحاب ابن مسعود -من طريق مجاهد- في قوله: ‹أوْ نَنسَأْها›، قال: نؤخرها عندنا١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم ابن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢١١-، وابن جرير ٢‏/‏٤٠٠، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٠، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٨٧). ولفظ ابن جرير: نرفعها. بينما روى ابن أبي حاتم هذا الشطر معلقًا بلفظ آخر كما سيأتي.
١٨
عن عبيد بن عمير -من طريق عبيد الأَزْدِيّ- ‹أوْ نَنسَأْها›: إرجاؤها وتأخيرها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٥.
١٩
عن عبيد بن عمير -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: (ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نَنساها)، يقول: أو نتركها، نرفعها من عندكم فنأتي بمثلها أو بخير منها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه آدم ابن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢١٠-، وابن جرير ٢‏/‏٣٩١، ٤٠٠ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبيد، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٨٧). كذا ذكر السيوطي هذه الرواية بهذه القراءة، والمثبت في المطبوع من المصادر وفق قراءة الجمهور: ﴿أوْ نُنسِها﴾، وقراءة (أوْ نَنساها) شاذة.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابن جرير (٢/٣٩٧) إلى أنّ قراءة ﴿أو نُنسِها﴾ بمعنى: نتركها، هي أولى القراءات، مُستندًا إلى السياق، وأنّ ذلك المعنى أعَمُّ، فقال: «أولى القراءات من قرأ: ﴿أو نُنسِها﴾ بمعنى: نتركها؛ لأن الله أخبر نبيه أنه مهما بَدَّلَ حكمًا أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله، فالذي هو أولى بالآية -إذ كان ذلك معناها- أن يكون -إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية- أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير، فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ﴾ قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس، مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت، فهو يشتمل على معنى الإنساء الذي هو بمعنى: الترك، ومعنى النساء الذي هو بمعنى التأخير، إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك». وقال ابن عطية (١/٣١٤-٣١٥) مُوَجِّهًا تلك القراءات: «وهذه القراءات لا تخلو كل واحدة منها أن تكون من النَّسْء أو الإنساء بمعنى: التأخير، أو تكون من النسيان، والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك، فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ضد الذكر، فمعنى الآية: ما ننسخ من آيةٍ أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة وتذهب، فإنا نأتي بما هو خير منها لكم أو مثله في المنفعة، وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها أربعة معان: أحدها: ما ننسخ على وجوه النسخ أو نترك غير منزل عليك، فإنا لابد أن ننزل رفقًا بكم خيرًا من ذلك أو مثله حتى لا ينقص الدين عن حد كماله. والمعنى الثاني: أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا رفع التلاوة والحكم. والمعنى الثالث: أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته، فالنسخ أيضًا على هذا رفع التلاوة والحكم. والمعنى الرابع: أو نتركها غير منسوخة الحكم ولا التلاوة، فالنسخ على هذا المعنى هو على جميع وجوهه، ويجيء الضميران في ﴿مِنهآ أوْ مِثْلِها﴾ عائدين على المنسوخة فقط، وكان الكلام إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها. وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي في الترك، أولها: ما ننسخ أو نؤخر إنزاله. والثاني: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته. والثالث: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه. والرابع: ما ننسخ أو نؤخره مثبتًا لا ننسخه، ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك. وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، لكن ذكرنا جميعها؛ لأنها تحتمل».
٢٠
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، وإسماعيل السدي -من طريق أسباط-، نحو ذلك التفسير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٠١.
٢١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: نُؤَخِّرها عندنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١.
٢٢
قال سعيد بن المسيب: ‹أوْ نَنسَأْها›، أي: نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ، ولا تنزل١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٥٦، وتفسير البغوي ١‏/‏١٣٥.
٢٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ‹أوْ نَنسَأْها›: نُرجِئْها ونُؤَخِّرْها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٠.
٢٤
عن عبد الله بن عباس، في قوله تعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾، قال: ما نُثْبِت خطها، ونُبَدِّل حُكمَها١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٥٤، وتفسير البغوي ١‏/‏١٣٤.
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾، يقول: ما نُبَدِّل من آية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٨٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٧٢). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٦
عن عبد الله بن عباس، قال: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾، ثم قال: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ [النحل:١٠١]، وقال: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد:٣٩]١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.
٢٧
قال سعيد بن المسيب، وعطاء: ﴿ما ننسخ من آية﴾، هو ما قد نزل من القرآن١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ١/ ١٣٤.
٢٨
عن أصحاب ابن مسعود -من طريق مجاهد- في قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾، قال: نُثْبِت خطَّها، ونُبَدِّلُ حكمَها١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١١، وأخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٠، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٩، والبيهقي (٤٨٧). وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.
٢٩
عن محمد بن كعب القرظي، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٢٣.
٣٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- ﴿ما ننسخ من آية﴾، أي: نمحو من آية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٩.
٣١
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق قُرَّة بن خالد- قال: ﴿ما ننسخ﴾: ما نُنسِكَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٩، وأورده كذلك ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٣٧٥.
٣٢
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جريج- ﴿ما ننسخ من آية﴾، قال: أمّا ما نُسِخ فما١ تُرِك من القرآن٢
التخريج
  1. ١في المطبوع: فيما، والتصحيح من النسخة المحققة للدكتور أحمد الزهراني. وفي تفسير ابن كثير ١‏/‏٣٧٥: فما نترك.
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٩ (١٠٥٦)، وعلّق على الأثر بقوله: يعني تُرِك: لم ينزل على محمد ﷺ. وينظر: تفسير ابن كثير ١‏/‏٣٧٥.
٣٣
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿ما ننسخ من آية﴾، قال: أما نسخها فقَبْضُها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٨٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٠، وعلّق على الأثر بقوله: يعني قبضها: رفعها، مثل: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة)، وقوله: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابْتَغى إليهما ثالثًا).
٣٤
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله- أنّه قال: قال الله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾، وقال الله: ﴿وإذا بدلنا آية﴾... ﴿والله أعلم بما ينزل﴾ [النحل:١٠١]، وقال: ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد:٣٩]. فقال زيد: فأول ما نُسخ من القرآن نُسخت القبلة، كان محمد رسول الله ﷺ يستقبل صخرة بيت المقدس -وهي قبلة اليهود- سبعة عشر شهرًا؛ ليؤمنوا به ويتبعوه وينصروه من الأميين من العرب، فقال الله: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم﴾ [البقرة:١١٥]. ثم قال: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة:١٤٤]١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع – تفسير القرآن ٣‏/‏٦٤-٦٥ (١٤٦).
٣٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾، يعني: نُبَدِّل من آية فنحولها، فيها تقديم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٩.

قراءات

٧ أقوال
١
عن سعد بن أبي وقاص، أنّه قرأ: (ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ تَنساها)، فقيل له: إن سعيد بن المسيب يقرأ: ﴿نُنسِها﴾. قال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا آل المسيب، قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿واذْكُر رَّبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٥٥، وسعيد بن منصور (٢٠٨ - تفسير)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٩٦، والنسائي في الكبرى (١٠٩٩٦)، وابن جرير ٢/ ٣٩٢، وابن أبي حاتم ١/ ٢٠٠، والحاكم ٢/ ٥٢١. وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه، وابن المنذر. وقراءة (أوْ تَنساها) شاذة، تروى أيضًا عن الحسن، وابن يعمر. انظر: البحر المحيط ١/ ٥١٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّهَ ابن جرير (٢/ ٣٩٢) قراءة: (أوْ تَنسَها)، بقوله: «(أوْ تَنسَها) بمعنى الخطاب لرسول الله - ﷺ -، كأنه عنى: أو تَنسَها أنت، يا محمد». وبنحوه ابن تيمية (١/ ٣٩٣). وقال ابن عطية (١/ ٣١٣ بتصرف): «وقرأت طائفة: (أوْ نَنسَها) بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح السين، وهذه بمعنى الترك، ذكرها مكي ولم ينسبها، وذكرها أبو عبيد البكري في كتاب اللآلي عن سعد بن أبي وقاص، وأراه وهم. وقرأ سعد بن أبي وقاص: (أوْ تَنسَها) بتاء على مخاطبة النبي - ﷺ - ونون بعدها ساكنة وفتح السين، هكذا قال أبو الفتح وأبو عمرو الداني. وقرأ سعيد بن المسيب فيما ذكر عنه أيضًا (أوْ تُنسَها) بضم التاء أولًا وفتح السين وسكون النون بينهما، وهذه من النسيان». ووجَّهَ ابن جرير (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧) قراءة (تُنسَها)، فقال: «قرأ بعضهم ذلك: (ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ تُنسَها)، وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ: ﴿أوْ نُنسِها﴾، إلا أن معنى: ﴿أوْ نُنسِها﴾: أوْ نُنسِكَها يا محمدُ نحن، مِن: أنساه الله يُنسِيه. ومعنى مَن قرأ: (أوْ تُنسَها): أو تنسَها أنتَ يا محمد». ثم انتَقَدَ تلك القراءةَ، ومعها قراءة (تَنْسَها) «لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قرأة الأمة».
٢
عن عكرمة، ومحمد بن كعب، وقتادة، نحو قول سعيد١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٢٠٠ (عَقِب ١٠٦٠).
٣
عن عُبَيْد بن عُمَيْر -من طريق علي الأزدي- أنّه قرأها: ‹أوْ نَنسَأْها›١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٩٦. وهي قراءة متواترة، قرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو، وقرأ بقية العشرة ﴿أوْ نُنسِها﴾ بضم النون الأولى، وكسر السين. انظر: النشر ٢‏/‏٢٢٠، والإتحاف ص١٨٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن جرير (٢/٣٩٤) على قراءة ﴿نَنسَأْها﴾، فذكر أنها بمعنى: نؤخرها. ثُمَّ بَيَّنَ معنى الآية على هذه القراءة، فقال (٢/٣٩٦ بتصرف): «فتأويل من قرأ ذلك كذلك: ما نبدل من آية أنزلناها إليك يا محمد، فنبطل حكمها ونُثْبِت خطها، أو نؤخرها فنرجئها، ونقرها فلا نغيرها، ولا نبطل حكمها، نأت بخير منها أو مثلها». وبنحوه قال ابن عطية (١/٣١٣)، وابن تيمية (١/٢٩١)، وابن كثير (٢/١٠).
٤
عن مجاهد، أنه قرأ: ‹أوْ نَنسَأْها›١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري.
٥
كان محمد ابن شهاب الزهري يقرؤها: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنسِها﴾ بضم النون خفيفة١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني (١٣١٤١)، وتقدم قريبًا بتمامه من حديث ابن عمر.
٦
عن مجاهد، قال: في قراءة أبي: (ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنسِكَ)١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه. وهي قراءة شاذة. انظر: البحر المحيط ١‏/‏٥١٣.
٧
عن الضحاك، قال: في قراءة عبد الله بن مسعود: (ما نُنسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنسَخْها)١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وهي قراءة شاذة. انظر: المحتسب ١‏/‏١٠٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّهَ ابن جرير (٢/٣٩٠-٣٩٣ بتصرف) قراءة أهل المدينة والكوفة ﴿أوْ نُنْسِها﴾ بقوله: «لقراءة مَن قرأ ذلك وجهان من التأويل، أحدهما: أن يكون تأويله: ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذُكِرَ أنها في مصحف عبد الله: (ما نُنسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنسَخْها) نجئ بمثلها، فذلك تأويل النسيان. والوجه الآخر منهما: أن يكون بمعنى: الترك، من قول الله -جل ثناؤه-: ﴿نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، يعني به: تركوا الله فتركهم، فيكون تأويل الآية حينئذ على هذا التأويل: ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدل فرضها نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها». ووجَّهَها ابن عطية (١/٣١٣) بقوله: «وهذه من: أنْسى، المنقول من: نَسِي».

نزول الآية

قولانِ
١
قال مقاتل بن سليمان:... وذلك أن كُفّار مكة قالوا للنبي ﷺ: إنما تَقَوَّلْت أنت يا محمد هذا القرآن من تلقاء نفسك؛ قلتَ كذا وكذا، ثم غَيَّرْت فقلتَ كذا وكذا. فأنزل الله عز وجل يُعَظِّم نفسه -تبارك اسمه-١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٩.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان مما يَنزِل على النبي ﷺ الوحيُ بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عدي في الكامل ٧‏/‏٤٧٧ (١٧١٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٣‏/‏٣٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٠ (١٠٥٨). وفي إسناده محمد بن الزبير الحراني، قال عنه ابن عديٍّ: «منكر الحديث»، ثم ذكر له هذا الحديث من مناكيره. قال الشوكاني في فتح القدير ١‏/‏١٤٨: «وفي إسناده الحجاج الجزري، ينظر فيه». وقد ضعّفه الألباني في الضعيفة ١١‏/‏٤٥٤ (٥٢٨٩) بهما.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠٦ من سورة البقرة

١٥ وقفةً في هذه الآية

  • ( ما ننسخ من آية أوننسها نأت بخير منها أو مثلها ) من لم يتذوق محاسن الشريعة في إيجابها وحظرها فليراجع إيمانه !

    — ابراهيم الغنام

  • ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ ؛ مهما تعاظمت الأمور والصعوبات تذكّر أن الله {قدير} ، بيده الخير كلّه ورحمته وسِعت كل شيء.

    — فرائد قرآنية

  • إذا منع الله عباده المؤمنين شيئًا تتعلق به إرادتهم، فتح لهم بابًا أنفع لهم منه وأسهل وأولى، كقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)، وقوله: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) (النساء: ١٣٠)، وفي هذا المعنى آيات كثيرة".

    — تفسير السعدي

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 106 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سورة البقرة (106 - 107)

    — محمد الربيعة

  • { مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ ..} ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ، عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده، وإيصالهم إلى مصالحهم، من حيث لا يشعرون بلطفه.. كُنْ على يقين أن الخير فيما اختاره الله

    — مجالس التدبر

  • آية (١٠٦) : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) * هناك قراءتان لكلمة (ننسها) ما الفرق بينهما؟ قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وأبو جعفر وخَلَف (نُنسها) من النسيان أي نُنسي الناس إياها وذلك بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بترك قراءتها حتى ينساها المسلمون ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) بمعنى نؤخرها أي نؤخر تلاوتها أو نؤخر العمل بها مما يؤدي إلى إبطال العمل بقراءتها أو بحكمها . * قال تعالى (نأت بخير منها) ولم يبين بأي شيء هي أفضل وخير من الآية المنسوخة لأن (نأت بخير منها) أُجمِلت جهة الخيرية ولم يُذكر وجه الخير لتذهب نفسك كل مذهب ممكن فقد ترى أن الخيرية في الاشتمال على ما يناسب مصلحة الناس ويرى غيرك ما فيه رفق بالمكلفين ورحمة بهم في مواضع الشدة وهكذا.

    — مختصر لمسات بيانية

  • *(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (106) البقرة) هناك قراءتان لكلمة (ننسها) ما الفرق بينهما؟ قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وأبو جعفر وخَلَف (نُنسها) وقرأه ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) فأما قراءة نُنسها فهي من النسيان أي نُنسي الناس إياها وذلك بأمر الرسول  بترك قراءتها حتى ينساها المسلمون، وقراءة (ننسأها) بمعنى نؤخرها أي نؤخر تلاوتها أو نؤخر العمل بها مما يؤدي إلى إبطال العمل بقراءتها أو بحكمها

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • *ولكن لِمَ قال تعالى (نأت بخير منها) ولم يبين بأي شيء هي أفضل وخير من الآية المنسوخة؟؟ (نأتي بخير منها) أُجمِلت جهة الخيرية ولم يُذكر وجه الخير لتذهب نفسك كل مذهب ممكن فقد ترى أن الخيرية في الاشتمال على ما يناسب مصلحة الناس ويرى غيرك ما فيه رفق بالمكلفين ورحمة بهم في مواضع الشدة وهكذا

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • (لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا ) قوله تعالي (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا)مع قوله تعالي

    — عدنان عبدالقادر

  • من أحكام القران

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • من أحكام القران الآية 136 *137

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

و٣ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٠٦ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٠٦ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(106) We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allāh is over all things competent?
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال