الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :(١) ( مَا نَنسَخْ مِنَ آيَةٍ ) [ ١٠٥ ].
أي : من حكم آية، قرأ(٢) ابن عامر : ما نُنسِخْ –بضم النون الأولى وكسر السين(٣)، بمعنى : " ننسخك ".
قال أبو(٤) غانم(٥) : " يقال : نسخته وأنسخته مثل قبرته وأقبرته، [ فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له ](٦) قبراً ".
قوله :( اَوْ نُنسِهَا ) [ ١٠٥ ].
من ضم/ النون الأولى وَكَسَر(٧) السين(٨)، فمعناه : نتركها لا نبدلها. وهو مروي عن ابن عباس على معنى : نأمرك بتركها(٩).
ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك إذ هو غير معروف في اللغة : أَنْسَيْتُ الشيء تركته، إنما يقال : " نسيت "، كما(١٠) قال(١١) ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمُ )(١٢)، أي : تركوه فتركهم(١٣). / وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ " نَنْسِهَا " بالفتح.
والصواب في معنى : " نُنْسِها " بضم النون أن يكون من النسيان(١٤) على معنى : " ننسكها(١٥) يا محمد فتذهب من حفظك(١٦) " (١٧).
وعن ابن عباس أن في الآية :[ تقديماً وتأخيراً ](١٨)، والتقدير : ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها أي بأنفع منها لكم أو مثلها(١٩).
ثم قال :( اَوْ نُنْسِهَا ) أي نؤخرها فلا ننسخها(٢٠) ولا نبدلها(٢١).
وقيل : معناه(٢٢) : نأمرك بتركها كأنه : " أو ننسكها "، أي : نجعلك(٢٣) تتركها(٢٤).
وقيل : معناه : ننسكها من النسيان أي : نزيل ذكرها من قلبك(٢٥) فلا تذكرها(٢٦).
والفرق بين إباحة الله تعالى(٢٧) لنبيه ﷺ النسخ، وبين إباحته(٢٨) الترك، أن النسخ أن تنسخ آية/ بآية أخرى كنسخ قوله :( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )(٢٩) لقوله :( وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامٍ مَسَاكِينَ )(٣٠). والترك هو ترك الآية(٣١) من غير آية تنسخها كإباحة الله/ للمؤمنين ترك(٣٢) امتحان من أتاهم بعد أن قال :( فَامْتَحِنُوهُنَّ )(٣٣)(٣٤).
فأما قراءة من قرأ " نَنْسَأَهَا " بالهمز(٣٥)، فمعناه أو نؤخرها فلا ننزلها(٣٦) البتة(٣٧).
وقيل : معناه نؤخرها(٣٨) بعد إنزالها وتلاوتها فلا تتلى.
وقيل : معناه نؤخر العمل بها [ وننسخه ويبقى لفظه متلواً غير معمول ](٣٩) به(٤٠). ولكل(٤١) واحد من هذه المعاني أمثلة(٤٢) في كتاب الله عز وجل قد بيناها في كتاب : " الإيضاح لناسخ القرآن(٤٣) ومنسوخه " (٤٤).
فالنسخ يكون فيما نزل، والنَّسْءُ فيما لم ينزل فيخر. يقال : " نسَّأَ(٤٥) الله في أجلك وأَنسأَ(٤٦) " أي : أخر فيه.
وقيل : معنى هذا القول : ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ فننزلها على محمد ﷺ " أو ننسأها(٤٧) " أي نؤخرها في اللوح فلا ننزلها، فالمنسوخ جميع القرآن، والمنسوء ما أخر، فلم(٤٨) ينزل هذا على هذا التأويل(٤٩).
وفيها قول ثان : وهو أن يكون معناه :( مَا نَنْسَخْ مِنَ آيَةٍ ) أي : نرفعها، " أو(٥٠) ننسأها " : أي نؤخرها فلا نرفعها(٥١).
وفيها قول ثالث(٥٢) : وهو أن يكون " ننسأها " [ معناه نؤخرها عن ](٥٣) التلاوة ويبقى الحكم بها نحو آية الرجم.
وفيها قول رابع : وهو أن يكون " ننسأها " معناه نؤخره(٥٤) إلى وقت ما، نحو ما روي في قوله، ( عَلَيْكُمُ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمُ )(٥٥).
وقرأ الضحاك بن مزاحم " أو تُنْسَها " –بالتاء مضمومة وفتح السين- على ما لم يُسَمَّ فاعله(٥٦)، أي : " ينسكها الله أو الشيطان " بدلالة قوله :( وَإِمَّا يُنسينَّكَ الشَّيْطَانُ )(٥٧).
وقوله :( نَاتِ بِخَيْر مِّنْهَا ) [ ١٠٥ ].
معناه(٥٨) عند أبي(٥٩) إسحاق وقطرب :/ " نأت منها بخير " وهو غلط عند النحويين. لأن من حقها أن تكون بعد " أفعل " (٦٠) لا قبله " وخير " أفعل فإن جعلت " خيرا " (٦١) فعلاً الذي هو ضد الشر، ولم تجعله(٦٢) أفعل، جاز ذلك.
وقيل : المعنى : نأت بخير منها لكم، إما في تخفيف وإما في زيادة أجر في الآخرة(٦٣).
وقيل : معنى ( نَاتِ بِخَيْر مِّنْهَا ) أي : بأنفع لكم منها في زيادة الأجر إذا صح من الأصل إذا [ عملتم بها ](٦٤).
وقوله :( أَوْ مِثْلِهَا ) [ ١٠٥ ].
أي : مثلها في الآخرة، لكنها أحب إليكم من المنسوخة نحو نسخ القبلة إلى بيت المقدس، نسخت بالتوجيه إلى الكعبة فهي مثلها، وهو أحب إليهم من بيت المقدس فلذلك قال :( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا )(٦٥). فنسخت القبلة بمثلها، والناسحة أحب إليهم من المنسوخة.
وقيل : المعنى نأت بأنفع لكم منها في الوقت الثاني، وأصلح لِحَالِكُم في النفع وصلاح الحال.
وقال السدي وغيره : " ( نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ) أي : من التي نسخنا(٦٦)، ( أَوْ مِثْلِهَا ) : أي : مثل التي تركنا فلم ننزلها(٦٧) " (٦٨).
وقيل : بخير من هذه أو هذه(٦٩).
ولا يجوز لذي(٧٠) علم ودين أن يتأول بهذا النص تفضيل بعض القرآن على بعض لأن القرآن كلام الله(٧١) جعل ذكره/ ليس بمخلوق وإنما يقع التفضيل بين المخلوقات فاعلمه.
١ - في ع٣: قوله تعالى..
٢ - في ع٢، ع٣: فقرأ..
٣ - وقرأ الباقون بفتحهما.
انظر: كتاب السبعة ١٦٨، والكشف ١/٢٥٧، والتبصرة ١٥٣، والتيسير ٧٦، وكتاب العنوان ٧٠، والحجة ١٠٩، والنشر ٢/٢١٩-٢٢٠..

٤ - في ع٢: ابن. وهو تحريف..
٥ - هو مظفر بن أحمد بن حمدان أبو غانم المصري. مقرئ، نحوي، ضابط. أخذ القراءة عرضاً عن أحمد بن هلال (ت٣٣٣هـ).
انظر: طبقات القراء ٢/٣٠١، وبغية الوعاة ٢/٢٩٠..

٦ - في ع٣: فأقبرته دفنته، وأقبرته جعلته..
٧ - في ق: كسرها..
٨ - وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر ونافع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ننسأها.
انظر: المصادر السابقة..

٩ - انظر: الحجة ٩٧..
١٠ - في ع١: ما..
١١ - في ق: ع٣: يقال..
١٢ - التوبة آية ٦٧..
١٣ - انظر: الحجة ٩٧..
١٤ - في ع٢: نسيان..
١٥ - في ق: ننسها..
١٦ - وفي ع١، ح، ق: حفظك، وغير معروف في اللغة أنسيت الشيء تركته، إنما يقال: نسيت كما قال: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمُ) أي: تركوه فتركهم. وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ "ننسها" بالفتح على معنى نأمرك بتركها، ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك. وقوله: "وغير معروف.. الترك" مقحم ومكرر في هذا الموضع..
١٧ - انظر: هذا التعليل في الحجة ٩٤..
١٨ - في ع٣: تقديم وتأخير. وهو خطأ..
١٩ - انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ٥٤-٥٥..
٢٠ - في ع٣: تنسخها. وهو تصحيف..
٢١ - وهو قول ابن عباس والسدي. انظر: تفسير القرطبي ٢/٦٨..
٢٢ - سقط من ق..
٢٣ - في ق: تجعلك. وهو تصحيف..
٢٤ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٢٢، وقوله: "وقيل معناه.. تتركها" ساقط من ع٣..
٢٥ - في ع٣: قبلك. وهو تحريف..
٢٦ - انظر: الكشف ١/٢٥٩، وتفسير القرطبي ٢/٦٨، وتفسير الغريب ٦١..
٢٧ - سقط من ع٣..
٢٨ - في ع٢، ع٣: إباحة..
٢٩ - البقرة آية ١٨٤..
٣٠ - البقرة آية ١٨٣..
٣١ - في ع٢، ع٣: آية..
٣٢ - سقط من ع٣..
٣٣ - الممتحنة آية ١٠..
٣٤ - انظر: هذا التوجيه في كتاب الإيضاح لناسخ القرآن ٩٦-٩٧..
٣٥ - في ع٣: بالهمزة. وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: الحجة ١٦٨، والكشف ١/٢٥٨..
٣٦ - في ع٢: تنزلها. وهو تصحيف..
٣٧ - في ق: البينة. وهو تصحيف..
٣٨ - قوله: "فال ننزلها.. نؤخرها" ساقط من ع٣..
٣٩ - في ع٣: ننسخها ويبقى لفظه متلوا غير معلوم..
٤٠ - انظر: الكشف ١/٢٥٦..
٤١ - في ع٣: لكن. وهو تحريف..
٤٢ - في ق: مثله..
٤٣ - سقط من ق..
٤٤ - انظر: منه (٤٣-٤٧) و(٩٦-٩٧)..
٤٥ - في ع٣: أنسأ..
٤٦ - في ع٢، ع٣: فأنسأ..
٤٧ - في ع٣: ننسها..
٤٨ - في ع٢، ع٣: ولم..
٤٩ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣١٨..
٥٠ - في ع١، ع٢: ق، ع٣: و..
٥١ - انظر: تفسير الغريب ٦١..
٥٢ - سقط من ق..
٥٣ - في ع٢: معنى نؤخرها على..
٥٤ - في ح: نؤخرها..
٥٥ - المائدة آية ١٠٧..
٥٦ - انظر: المحتسب ١/١٠٣، والكشف ١/٢٥٩..
٥٧ - الأنعام آية ٦٨..
٥٨ - في ع٣: أي معناه..
٥٩ - في ع٢: ابن..
٦٠ - في ع٣: فعل..
٦١ - في ع٢: خير..
٦٢ - في ع٣: يجعله. وهو تصحيف..
٦٣ - انظر: جامع البيان ٢/٤٨٣..
٦٤ - في ع٢: عملتم به. وفي ع٣: علمتم به..
٦٥ - البقرة آية ١٤٣..
٦٦ - في ع١، ع٢، ق، ع٣: نسخت..
٦٧ - في ع١: تنزلها. وهو تصحيف..
٦٨ - انظر: جامع البيان ٢/٤٨١..
٦٩ - قوله "أو هذه" ساقط من ق..
٧٠ - في ع٣: الذي. وهو تحريف..
٧١ - سقط لفظ "الله" من ع٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى