جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
يعني جل ثناؤه بقوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ إلى غيره، فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الحلال حراما والحرام حلالاً، والمباح محظورا والمحظور مباحا ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من «نَسْخَ الكتاب » وهو نَقْلُه من نُسخة إلى أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيره. فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية فسواء إذا نسخ حكمها فغُير وبُدّل فرضها ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها أوفر حَظها فتُرك، أو مُحي أثرها، فُعفّي ونُسي، إذ هي حينئذٍ في كلتا حالتيها منسوخة. والحكم الحادث المبدل به الحكم الأوّل والمنقول إليه فرض العباد هو الناسخ، يقال منه : نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا، والنسخة الاسم. وبمثل الذي قلنا في ذلك كان الحسن البصري يقول.
حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال : حدثنا خالد بن الحارث، قال : حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾قال : إن نبيّكم ﷺ أقرىء قرآنا ثم نسيه فلم يكن شيئا، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿ما نَنْسَخْ﴾ فقال بعضهم بما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن عمار، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ﴾ أما نسخُها فقَبْضُها. وقال آخرون بما :
حدثني به المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ بقول : ما نبدّل من آية. وقال آخرون بما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنهم قالوا :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾نثبت خطها ونبدل حكمها.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿ما نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ﴾نثبت خطها، ونبدل حكمها، حُدثت به عن أصحاب ابن مسعود.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثني بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾نثبت خطها.
القول في تأويل قوله تعالى : أوْ نُنْسِها.
اختلفت القراءة في قوله ذلك، فقرأها قرّاء أهل المدينة والكوفة : أوْ نُنْسِها ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويل، أحدهما : أن يكون تأويله : ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله :«ما نُنْسِكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها »، فذلك تأويل النسيان. وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها﴾كان ينسخ الآية بالآية بعدها، ويقرأ نبيّ الله ﷺ الآية أو أكثر من ذلك ثم تُنسى وتُرفع.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾قال : كان الله تعالى ذكره ينسي نبيه ﷺ ما شاء وينسخ ما شاء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : كان عبيد بن عمير يقول :
﴿نُنْسِها﴾نرفعها من عندكم.
حدثنا سوار بن عبد الله، قال : حدثنا خالد بن الحارث، قال : حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله :﴿أوْ نُنْسِها﴾قال : إن نبيكم ﷺ أقرىء قرآنا، ثم نسيه.
وكذلك كان سعد بن أبي وقاص يتأوّل الآية إلا أنه كان يقروها :﴿أو تَنْسَها﴾ بمعنى الخطاب لرسول الله ﷺ، كأنه عني أو تَنْسَها أنت يا محمد. ذكر الأخبار بذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا يعلى بن عطاء، عن القاسم، قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقول : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ تَنْسَها، قلت له : فإن سعيد بن المسيب يقرؤها :«أَو تُنْسَها » قال : فقال سعد : إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله :﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى﴾، ﴿وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا هشيم، قال : حدثنا يعلى بن عطاء، قال : حدثنا القاسم بن ربيعة بن قائف الثقفي، قال : سمعت ابن أبي وقاص يذكر نحوه.
حدثنا محمد بن المثنى وآدم العسقلاني قالا جميعا، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال : سمعت القاسم بن ربيعة الثقفي يقول : قلت لسعد بن أبي وقاص : إني سمعت ابن المسيب يقرأ :«ما نَنَسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ تُنْسَها » فقال سعد : إن الله لم ينزل القرآن على المسيب ولا على ابنه، إنما هي :«ما ننسخ من آية أو تَنْسَها » يا محمد. ثم قرأ :﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾، ﴿وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾يقول : نُنسها : نرفعها وكان الله تبارك وتعالى أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها.
والوجه الآخر منهما أن يكون بمعنى الترك، من قول الله جل ثناؤه :﴿نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ يعني به تركوا الله فتركهم. فيكون تأويل الآية حينئذٍ على هذا التأويل : ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدّل فرضها نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها. وعلى هذا التأويل تأوّل جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله :﴿أوْ نُنْسِها﴾ يقول : أو نتركها لا نبدّلها.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله :﴿أوْ نُنْسِها﴾ نتركها لا ننسخها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ قال : الناسخ والمنسوخ.
قال : وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك ما :
حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿نُنْسِها﴾ نمحها.
وقرأ ذلك آخرون :«أو ننسأها » بفتح النون وهمزة بعد السين بمعنى نؤخرها، من قولك : نسأت هذا الأمر أنسؤه نسأً ونساءً إذا أخرته، وهو من قولهم : بعته بنسَاءٍ، يعني بتأخير. ومن ذلك قول طَرَفَة بن العبد :
| لعَمْرُكَ إِنّ المَوْتَ ما أنْسأ الفَتى | لكالطّوَلِ المرخي وثِنْياهُ باليَدِ |
وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وقرأه جماعة من قرّاء الكوفيين والبصريين، وتأوّله كذلك جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، ويعقوب بن إبراهيم، قالا : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله :«ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نَنْسأها » قال نؤخرها.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، قال : سمعت ابن أبي نجيح، يقول في قول الله :«أوْ نَنْسأها » قال : نُرْجئها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :«أوْ نَنْسأها » نرجئها ونؤخرها.
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا فضيل، عن عطية :«أوْ نَنْسأها » قال : نؤخرها فلا ننسخها.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني عبد الله بن كثير عن عبيد الأزدي، عن عبيد بن عمير «أوْ نَنْسأها » إرجاؤها وتأخيرها. هكذا حدثنا القاسم عن عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي. وإنما هو عن عليّ الأزدي.
حدثني أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم بن سلام، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن عليّ الأزدي، عن عبيد بن عمير أنه قرأها :«نَنْسأها ».
قال : فتأويل من قرأ ذلك كذلك : ما نبدّل من آية أنزلناها إليك يا محمد، فنبطل حكمها ونثبت خطها، أو نؤخرها فنرجئها ونقرّها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها نأت بخير منها أو مثلها.
وقد قرأ بعضهم ذلك :«ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو تُنْسَها » وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ أوْ نُنْسِها إلا أن معنى «أو تُنْسَها » أنت يا محمد.
وقد قرأ بعضهم :«ما نُنْسِخْ مِنْ آيَةٍ » بضم النون وكسر السين، بمعنى : ما نُنسخك يا محمد نحن من آية، من أنسختك فأنا أُنسخك. وذلك خطأ من القراءة عندنا لخروجه عما جاءت به الحجة من القراءة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ «تُنسَها » أو «تَنْسَها » لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قرّاء الأمة. وأولى القراءات في قوله :( أوْ نُنْسِها ) بالصواب من قرأ : أو نُنْسِها، بمعنى نتركها لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه ﷺ أنه مهما بدّل حكما أو غيره أو لم يبدّله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية إذ كان ذلك معناها، أن يكون إذ قدّم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدّل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدّل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ قوله : أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرىء كذلك بالمعنى الذي وصفت، فهو يشتمل على معنى الإنساء الذي هو بمعنى الترك، ومعنى النّساء الذي هو بمعنى التأخير، إذْ كان كل متروك فمؤخر على حال مّا هو متروك. وقد أنكر قوم قراءة من قرأ :«أوْ تُنْسَها » إذا عني به النسيان، وقالوا : غير جائز أن يكون رسول الله ﷺ نسي من القرآن شيئا مما لم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره. قالوا : وبعد، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرأوه وحفظوه من أصحابه بجائز على جميعهم أن ينسوه.
قالوا : وفي قول الله جل ثناؤه :﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبنّ بِالّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم يُنْسِ نبيه شيئا مما آتاه من العلم.
قال أبو جعفر : وهذا قول يشهد على بطوله وفساده الأخبار المتظاهرة عن رسول الله ﷺ وأصحابه بنحو الذي قلنا.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : حدثنا أنس بن مالك : إن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفيهم كتابا :«بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ». ثم إن ذلك رفع.