تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ( البقرة : ١٠٦ ).
التفسير :
قوله تعالى :﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ فيها ثلاث قراءات ؛ الأولى : بفتح النون الأولى في ﴿نَنسخ﴾ ؛ وضمها في ﴿نُنسها﴾ بدون همز ؛ والثانية : بفتح النون الأولى في ﴿نَنسخ﴾ ؛ وفتحها في ﴿نَنسأها﴾ مع الهمز ؛ والثالثة بضم النون الأولى في ﴿نُنسخ﴾ ؛ وضمها في ﴿نُنسها﴾ بدون همز..
قوله تعالى :﴿ما ننسخ من آية...﴾ ؛ ﴿ما﴾ : شرطية ؛ وهي اسم شرط جازم يجزم فعلين ؛ الأول : فعل الشرط :﴿ننسخ﴾ ؛ والثاني : جوابه :
﴿نأت﴾ ؛ وأما قوله تعالى :﴿أو ننسها﴾ فهي معطوفة على ( ننسخ )
وقوله تعالى :﴿ننسخ من آية أو ننسها﴾ بضمير الجمع للتعظيم ؛ وليس للتعدد ؛ لأن الله واحد ؛ و " النسخ " معناه في اللغة : الإزالة ؛ أو ما يشبه النقل ؛ فالأول كقولهم : " نسخت الشمس الظل " يعني أزالته ؛ والثاني كقولهم : " نسخت الكتاب " ؛ إذ ناسخ الكتاب لم يزله، ولم ينقله ؛ وإنما نقش حروفه، وكلماته ؛ لأنه لو كان " نسخ الكتاب " يعني نقله كان إذا نسخته انمحت حروفه من الأول ؛ وليس الأمر كذلك ؛ أما في الشرع : فإنه رفع حكم دليل شرعي، أو لفظه، بدليل شرعي ؛ و ﴿مِن﴾ لبيان الجنس ؛ لأن ﴿ما﴾ اسم شرط جازم مبهم ؛ والمراد ب " الآية " الآية الشرعية ؛ لأنها محل النسخ الذي به الأمر والنهي دون الآية الكونية..
وقوله :﴿ننسها﴾ من النسيان ؛ وهو ذهول القلب عن معلوم ؛ وأما ﴿ننسأها﴾ فهو من " النسأ " ؛ وهو التأخير ؛ ومعناه : تأخير الحكم، أو تأخير الإنزال ؛ أي أن الله يؤخر إنزالها، فتكون الآية لم تنزل بعد ؛ ولكن الله سبحانه وتعالى أبدلها بغيرها ؛ وأما على قراءة ﴿ننسها﴾ فهو من النسيان ؛ بمعنى نجعل الرسول صلى الله عليه وسلم ينساها، كما في قوله تعالى :﴿سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله﴾ [ الأعلى : ٦. ٧ ] ؛ والمراد به هنا رفع الآية ؛ وليس مجرد النسيان ؛ لأن مجرد النسيان لا يقتضي النسخ ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد ينسى بعض الآية ؛ وهي باقية كما في الحديث : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة فترك شيئاً لم يقرأه فقال له رجل : تركت آية كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلَّا أذكرتنيها(١) "..
قوله تعالى :﴿نأت بخير منها﴾ هو جواب الشرط ؛ والخيرية هنا بالنسبة للمكلف ؛ ووجه الخيرية. كما يقول العلماء. أن النسخ إن كان إلى أشد فالخيرية بكثرة الثواب ؛ وإن كان إلى أخف فالخيرية بالتسهيل على العباد مع تمام الأجر ؛ وإن كان بالمماثل فالخيرية باستسلام العبد لأحكام الله عز وجل، وتمام انقياده لها، كما قال تعالى :﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣]..
قوله تعالى :﴿أو مثلها﴾ أي نأتي بمثلها..
قوله تعالى :﴿ألم تعلم﴾ الهمزة هنا للاستفهام ؛ والمراد به التقرير ؛ وكلما جاءت على هذه الصيغة فالاستفهام فيها للتقرير، مثل :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١] ؛ فقوله تعالى :﴿ألم تعلم﴾ يقرر الله المخاطَب. سواء قلنا : إنه الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ أو كل من يتأتى خطابه. بالاستفهام بأنه يعلم ﴿أن الله على كل شيء قدير﴾ ؛ يعني أنك قد علمت قدرة الله على كل شيء ؛ ومنها القدرة على النسخ..
وقوله تعالى :﴿قدير﴾ : لما أريد بها الوصف جاءت على صيغة " فعيل " ؛ لكن إذا أريد بها الفعل تكون بصيغة " الفاعل "، كما في قوله تعالى :﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾ [الأنعام: ٦٥] ؛ و " القدرة " صفة تقوم بالقادر بحيث يفعل الفعل بلا عجز ؛ و " القوة " صفة تقوم بالقوي بحيث يفعل الفعل بلا ضعف ؛ إذاً المقابل للقدرة : العجز ؛ لقوله تعالى :﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤] ؛ والمقابل للقوة : الضعف، قال تعالى :﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة﴾ [الروم: ٥٤] ؛ والفرق الثاني بينهما : أن " القوة " يوصف بها من له إرادة، وما ليس له إرادة ؛ فيقال : رجل قوي ؛ وحديد قوي ؛ وأما " القدرة " فلا يوصف بها إلا ذو إرادة ؛ فلا يقال : حديد قادر..
تنبيه :.
من هذا الموضع من السورة إلى ذكر تحويل القبلة في أول الجزء الثاني تجد أن كل الآية توطئة لنسخ استقبال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ؛ ولهذا تجد الآية بعدها كلها في التحدث مع أهل الكتاب الذين أنكروا غاية الإنكار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية : ثبوت النسخ، وأنه جائز عقلاً، وواقع شرعاً ؛ وهذا ما اتفقت عليه الأمة إلا أبا مسلم الأصفهاني ؛ فإنه زعم أن النسخ مستحيل ؛ وأجاب عما ثبت نسخه بأن هذا من باب التخصيص ؛ وليس من باب النسخ ؛ وذلك لأن الأحكام النازلة ليس لها أمد تنتهي إليه ؛ بل أمدها إلى يوم القيامة ؛ فإذا نُسِخت فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي بعد النسخ. أي أخرجناه من الحكم. ؛ فمثلاً : وجوب مصابرة الإنسان لعشرة حين نزل كان واجباً إلى يوم القيامة شاملاً لجميع الأزمان ؛ فلما نُسخ أخرج بعض الزمن الذي شمله الحكم، فصار هذا تخصيصاً ؛ وعلى هذا فيكون الخلاف بين أبي مسلم وعامة الأمة خلافاً لفظياً ؛ لأنهم متفقون على جواز هذا الأمر ؛ إلا أنه يسميه تخصيصاً ؛ وغيره يسمونه نسخاً ؛ والصواب تسميته نسخاً ؛ لأنه صريح القرآن :﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ ؛ ولأنه هو الذي جاء عن السلف..
. ٢ ومن فوائد الآية : أن الناسخ خير من المنسوخ ؛ لقوله تعالى :﴿نأت بخير منها﴾ ؛ أو مماثل له عملاً. وإن كان خيراً منه مآلاً. ؛ لقوله تعالى :( أو مثلها )
. ٣ ومنها : أن أحكام الله سبحانه وتعالى تختلف في الخيرية من زمان إلى زمان ؛ بمعنى أنه قد يكون الحكم خيراً للعباد في وقت ؛ ويكون غيره خيراً لهم في وقت آخر..
. ٤ ومنها : عظمة الله عز وجل لقوله تعالى :﴿ما ننسخ﴾ : فإن الضمير هنا للتعظيم ؛ وهو سبحانه وتعالى أهل العظمة..
. ٥. ومنها : إثبات تمام قدرة الله عز وجل ؛ لقوله تعالى :﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ ؛ ومن ذلك أنه قادر على أن ينسخ ما يشاء..
. ٦ ومنها : أن قدرة الله عامة شاملة ؛ لقوله تعالى :( أن الله على كل شيء قدير ).
. ٧ ومنها : أن القادر على تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية ؛ فالأمور القدرية الكونية الله قادر عليها ؛ فإذا كان قادراً عليها فكذلك الأمور الشرعية المعنوية ؛ وهذا هو الحكمة في قوله تعالى :﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ بعد ذكر النسخ..
. ٨ ومنها : أن الشريعة تابعة للمصالح ؛ لأن النسخ لا يكون إلا لمصلحة ؛ فإن الله لا يبدل حكماً بحكم إلا لمصلحة..
قد يقول قائل : ما الفائدة إذاً من النسخ إذا كانت مثلها والله تعالى حكيم لا يفعل شيئاً إلا لحكمة ؟
فالجواب : أن الفائدة اختبار المكلف بالامتثال ؛ لأنه إذا امتثل الأمر أولاً وآخراً، دل على كمال عبوديته ؛ وإذا لم يمتثل دل على أنه يعبد هواه، ولا يعبد مولاه ؛ مثال ذلك : تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ؛ هذا بالنسبة للمكلف ليس فيه فرق أن يتجه يميناً، أو شمالاً ؛ إنما الحكمة من ذلك اختبار المرء بامتثاله أن يتجه حيثما وجه ؛ أما المتجَه إليه، وكونه أولى بالاتجاه إليه فلا ريب أن الاتجاه إلى الكعبة أولى من الاتجاه إلى بيت المقدس ؛ ولهذا ضل من ضل، وارتد من ارتد بسبب تحويل القبلة : قال الله تعالى :﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾ [البقرة: ١٤٣] ؛ فالإنسان يبتلى بمثل هذا النسخ ؛ إن كان مؤمناً عابداً لله قال : سمعت وأطعت ؛ وإن كان سوى ذلك عاند، وخالف : يقول : لماذا هذا التغيير ! فيتبين بذلك العابد حقاً، ومن ليس بعابد..
. ٩ ومن فوائد الآية : أن الله تعالى وعد بأنه لا يمكن أن ينسخ شيئاً إلا أبدله بخير منه، أو مثله ؛ ووعده صدق..
. ١٠ ومنها : ذكر ما يطمئن به العبد حين يخشى أن يقلق فكره ؛ لقوله تعالى :( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها )
١ أخرجه أبو داود ص١٢٩٠، كتاب الصلاة، باب ١٥٨: الفتح على الإمام في الصلاة، حديث رقم ٩٠٧، أ، قال الألباني في صحيح أبي داود، حسن، ١/٢٥٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى