تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
مناسبة هذه الآية للآيات قبلها أن اليهود اعتذروا عن إعراضهم عن الإيمان بالنبيء ﷺ بقولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ [البقرة: ٩١] وأرادوا به أنهم يكفرون بغيره، وهم في عذرهم ذلك يدعون أن شريعتهم لا تنسخ ويقولون إن محمداً وصف التوراة بأنها حق وأنه جاء مصدقاً لها فكيف يكون شرعه مبطلاً للتوراة ويموهون على الناس بما سموه البداء وهو لزوم أن يكون الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه وأنه يبدو له الأمر ثم يعرض عنه ويبذل شريعة بشريعة.
وقد قدمنا أن الله تعالى رد عليهم عذرهم وفضحهم بأنهم ليسوا متمسكين بشرعهم حتى يتصلبوا فيه وذلك من قوله :﴿قل فلم يقتلون أنبئاء الله من قبل﴾ [البقرة: ٩١] وقوله :﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة﴾ [البقرة: ٩٤] إلخ وبأنهم لا داعي لهم غير الحسد بقوله :﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ إلى قوله :﴿ذو الفضل العظيم﴾ [البقرة: ١٠٥] المنبىء أن العلة هي الحسد، فلما بين الرد عليهم في ذلك كله أراد نقض تلك السفسطة أو الشبهة التي راموا ترويجها على الناس بمنع النسخ. والمقصد الأصلي من هذا هو تعليم المسلمين أصلاً من أصول الشرائع وهو أصل النسخ الذي يطرأ على شريعة بشريعة بعدها ويطرأ على بعض أحكام شريعة بأحكام تبطلها من تلك الشريعة. ولكون هذا هو المقصد الأصلي عدل عن مخاطبة اليهود بالرد عليهم. ووجه الخطاب إلى المسلمين كما دل عليه قوله :﴿ألم تعلم﴾ وعطفه عليه بقوله :﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم﴾ [البقرة: ١٠٨] ولقوله :﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ ولم يقل من شريعة. وفي هذا إعراض عن مخاطبة اليهود لأن تعليم المسلمين أهم وذلك يستتبع الرد عى اليهود بطريق المساواة لأنه إذا ظهرت حكمة تغيير بعض الأحكام لمصلحة تظهر حكمة تغيير بعض الشرائع.
وقد ذكر بعض المفسرين لهاته الآية سبب نزول، ففي « الكشاف » و« المعالم » : نزلت لما قال اليهود : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، وفي « تفسير القرطبي » أن اليهود طعنوا في تغيير القبلة وقالوا إن محمداً يأمر أصحابه بشيء وينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولذلك يخالف بعضه بعضاً.
وقرأ الجمهور ( ننسخ ) بفتح النون الأولى وفتح السين وهو أصل مضارع نسخ، وقرأه ابن عامر بضم النون الأولى وكسر السين على أنه مضارع أنسخ مهموزاً بهمزة التعدية أي نأمر بنسخ آية.
و ( ما ) شرطية وأصلها الموصولة أشربت معنى الشرط فلذلك كانت اسماً للشرط يستحق إعراب المفاعيل وتبين بما يفسر إبهامها وهي أيضاً توجب إبهاماً في أزمان الربط لأن الربط وهو التعليق لما نيط بمبهم صار مبهماً فلا تدل على زمن معين من أزمان تعليق الجواب على الشرط وربطه به.
و ( من آية ) بيان لما. والآية في الأصل الدليل والشاهد على أمر. قال الحرث بن حلزة :
مَن لنا عنده مِن الخير آياتٌ ثلاثٌ في كلِّهن القضاءُ
ووزنها فعلة بتحريك العين عند الخليل وعينها ياء أو واو قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها والنسبة إليها آييّ أو آوي. ثم أطلقت الآية على المعجزة لأنها دليل صدق الرسول قال تعالى :﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً﴾ [الإسراء: ٥٩]. وتطلق الآية على القطعة من القرآن المشتملة على حكم شرعي أو موعظة أو نحو ذلك وهو إطلاق قرآني قال تعالى :﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [النحل: ١٠١] ويؤيد هذا أن من معاني الآية في كلام العرب الأمارة التي يعطيها المرسل للرسول ليصدقه المرسل إليه وكانوا إذا أرسلوا وصاية أو خبراً مع رسول أرفقوه بأمارة يسمونها آية لا سيما الأسير إذا أرسل إلى قومه برسالة كما فعل ناشب الأعور حين كان أسيراً في بني سعد بن مالك وأرسل إلى قومه بلعنبر رسالة وأراد تحذيرهم بما يبيته لهم أعداؤهم الذين أسروه فقال للرسول : قل لهم كذا بآية ما أكلت معكم حيساً. وقال سحيم العبد :
ألِكني إليها عمرَك اللَّهَ يا فتىبآية ما جاءت إلينا تَهاديا
ولذا أيضاً سموا الرسالة آية تسمية للشيء باسم مجاوره عرفاً.
والمراد بالآية هنا حكم الآية سواء أزيل لفظها أم أبقى لفظها لأن المقصود بيان حكمة إبطال الأحكام لا إزالة ألفاظ القرآن.
والنسخ إزالة الشي بشيء آخر قاله الراغب، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوضها تقول نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه في موضعه ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذي حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذي أناره قد خلف الشعاع في موضعه ويقال نسخت ما في الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى، وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات المزيل، وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحاً في اللغة وإن أوهمه ظاهر كلام الراغب وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه في صحيفتك إذ وجدوه إثباتاً محضاً لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة أو تمثيلية بتشبيه الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ثم جاءت من ذلك النسخة قال تعالى :﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ [الجاثية: ٢٩] وقال :﴿وفي نسختها هدى ورحمة﴾ [الأعراف: ١٥٤] وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز. ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة فلا تقول نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودي بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير.
والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله :﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ وهو المعروف عند الأصولين بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع، وخرج بقولنا الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف. إذ البراءة الأصلية ليست حكماً شرعياً بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات.
فالأول نحو قوله :﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨] في التجارة في الحج حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز كما سيأتي.
ومثال الثاني قوله تعالى :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤] بعد ذكر النساء المحرمات وقوله :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧] لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار.
وفهم من قولهم في التعريف رفع الحكم أن ذلك الحكم كان ثابتاً لولا رفعه وقد صرح به بعضهم ولذلك اخترنا زيادة قيد في التعريف وهو رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب يرفعه ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيّى بغاية عند انتهاء غايته ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على التكرار.
وحيث تبينت حكمة نسخ الآيات علم منه حكمة نسخ الشرائع بعضها ببعض وهو الذي أنكروه وأنكروا كون الإسلام قد نسخ التوراة وزعموا أن دوام التوراة مانع من الإيمان بالإسلام كما قالوا ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ [البقرة: ٩١] وهو أحوال : الأول مجيء شريعة لقوم مجيئاً مؤقتاً لمدة حياة الرسول المرسل بها فإذا توفي ارتفعت الشريعة كشريعة نوح وإبراهيم وشريعة يوسف وشريعة شعيب قال تعالى :﴿ولقد جاءكم يوسف﴾ إلى قوله :﴿إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً﴾ [غافر: ٣٤] وبقي الناس في فترة وكان لكل أحد يريد الاهتداء أن يتبع تلك الشريعة أو بعضها كما كانوا يتبعون شريعة إبراهيم فإذا جاءت شريعة بعدها فليست الثانية بناسخة للأولى في الحقيقة ولكنها نسخ يخير الناس في متابعتها الذي كان لهم في زمن الفترة كما إذا كانت عَبْس مثلاً يجوز لها اتباع شريعة إبراهيم فلما جاءهم خالد بن سنان بشريعته تعين عليهم اتباعه.
الثاني أن تجيء شريعة لقوم مأمورين بالدوام عليها كشرع موسى ثم تجيء بعدها شريعة ليست رافعة لتلك الشريعة بأسرها ولكنها ترفع بعض أحكامها وتثبت بعضاً كشريعة عيسى فهذه شريعة ناسخة في الجملة لأنها تنسخ بعضاً وتفسر بعضاً، فالمسيح رسول نسخ بعض التوراة وهو ما نص على نسخه وأما غيره فباق على أحكام التوراة فهو في معظمها مبين ومذكر ومفسر كمن سبقه من أنبياء بني إسرائيل مثل أشعياء وأرمياء وزكرياء الأول ودانيال وأضرابهم ولا يخالف هذا النوع نسخ أحكام شريعة واحدة إلا بكونه بواسطة رسول ثان.
الثالث مجيء شريعة بعد أخرى بحيث تبطل الثانية الأولى إبطالاً عاماً بحيث تعد تلك الشريعة باطلة سواء في ذلك الأحكام التي نصت الشريعة الثانية فيها بشيء يخالف ما في الأولى أم فيما سكتت الشريعة الثانية عنه وهذا هو الإسلام بالنسبة لما تقدمه من الشرائع فإنه رفع الشرائع كلها بحيث لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتلقى شيئاً من الشرائع السالفة فيما لم يتكلم الإسلارم فيه بشيء بل يأخذ أحكام ذلك بالاستنباط والقياس وغير ذلك من طرق أصول الإسلام، وقد اختلف في أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، لكن ذلك الخلاف ناظر إلى دليل آخر وهو قوله تعالى :﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقوله :﴿أو ننسها﴾ قرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وأبو جعفر وخلف ( ننسها ) بنون مضمومة في أوله وبسين مكسورة ثم هاء. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ( ننسأها ) بنون مفتوحة في أوله وبسين مفتوحة وبعدها همزة ساكنة ثم هاء فعلى قراءة ترك الهمز فهو من النسيان والهمزة للتعدية ومفعوله محذوف للعموم أي ننس الناس إياها وذلك بأمر النبيء ﷺ بترك قراءتها حتى ينساها المسلمون، وعلى قراءة الهمز فالمعنى أو نؤخرها أي نؤخر تلاوتها أو نؤخر العمل بها والمراد إبطال العمل بقراءتها أو بحكمها فكنى عنه بالنسء وهو قسم آخر مقابل للنسخ وهو أن لا يذكر الرسول الناس بالعمل بحكم مشروع ولا يأمر من يتركه بقضائه حتى ينسى الناس العمل به فيكون ذلك إبطالاً للحكم لأنه لو كان قائماً لما سكت الرسول عن إعادة الأمر به ولما أقر تاركه عند موجب العمل به ولم أجد لهذا مثالاً في القرآن ونظيره في السنة قول رسول الله ﷺ " لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره " عند من يقول إن النهي فيه للتحريم وهو قول أبي هريرة ولذلك كان يذكر هذا الحديث ويقول مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أظهركم. ومعنى النسء مشعر بتأخير يعقبه إبرام وحينئذ فالمعنى بقاء الحكم مدة غير منسوخ أو بقاء الآية من القرآن مدة غير منسوخة. أو يكون المراد إنساء الآية بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوع ذلك بعد حين والاحتمالات المفروضة في نسخ حكم من الشريعة تتأتى في نسخ شريعة بشريعة وإنسائها أو نسئها.
وقوله :﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ جواب الشرط وجعله جواباً مشعر بأن هذين الحالين وهما النسخ والإنساء أو النسء لا يفارقان حالين وهما الإتيان في وقت النسخ ووقت الإنساء بشيء هو خير من المنسوخ أو مثله أو خير من المنسي أو المنسوء أو مثله فالمأتي به مع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى