البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
النسخ : إزالة الشيء بغير بدل يعقبه، نحو : نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر.
أو نقل الشيء من غير إزالة نحو : نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه إلى مكان آخر.
النسيئة : التأخير، نسأ ينسأ، ويأتي نسأ : بمعنى أمضى الشيء، قال الشاعر :
لمؤن كألواح الإران نسأتهاعلى لاحب كأنه ظهر برجد
﴿ما ننسخ من آية﴾ : سبب نزولها، فيما ذكروا، أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة، وطعنوا في الإسلام قالوا : إن محمداً يأمر أصحابه بأمر اليوم، وينهاهم عنه غداً، ويقول اليوم قولاً، ويرجع عنه غداً، ما هذا القرآن إلا من عند محمد، وأنه يناقض بعضه بعضاً، فنزلت.
وقد تكلم المفسرون هنا في حقيقة النسخ الشرعي وأقسامه، وما اتفق عليه منه، وما اختلف فيه، وفي جوازه عقلاً، ووقوعه شرعاً، وبماذا ينسخ، وغير ذلك من أحكام النسخ ودلائل تلك الأحكام، وطوّلوا في ذلك.
وهذا كله موضوعه علم أصول الفقه، فيبحث في ذلك كله فيه.
وهكذا جرت عادتنا : أن كل قاعدة في علم من العلوم يرجع في تقريرها إلى ذلك العلم، ونأخذها في علم التفسير مسلمة من ذلك العلم، ولا نطول بذكر ذلك في علم التفسير، فنخرج عن طريقة التفسير، كما فعله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، المعروف بابن خطيب الري، فإنه جمع في كتابه في التفسير أشياء كثيرة طويلة، لا حاجة بها في علم التفسير.
ولذلك حكي عن بعض المتطرفين من العلماء أنه قال : فيه كل شيء إلا التفسير.
وقد ذكرنا في الخطبة ما يحتاج إليه علم التفسير.
فمن زاد على ذلك، فهو فضول في هذا العلم، ونظير ما ذكره الرازي وغيره، إن النحوي مثلاً يكون قد شرع في وضع كتاب في النحو، فشرع يتكلم في الألف المنقلبة، فذكر أن الألف في الله، أهي منقلبة من ياء أو واو ؟ ثم استطرد من ذلك إلى الكلام في الله تعالى، فيما يجب له ويجوز عليه ويستحيل.
ثم استطرد إلى جواز إرسال الرسل منه تعالى إلى الناس.
ثم استطرد إلى أوصاف الرسول ﷺ، ثم استطرد من ذلك إلى إعجاز ما جاء به القرآن وصدق ما تضمنه، ثم استطرد إلى أن من مضمونه البعث والجزاء بالثواب والعقاب.
ثم المثابون في الجنة لا ينقطع نعيمهم، والمعاقبون في النار لا ينقطع عذابهم.
فبينا هو في علمه يبحث في الألف المنقلبة، إذا هو يتكلم في الجنة والنار، ومن هذا سبيله في العلم، فهو من التخليط والتخبيط في أقصى الدرجة، وكان أستاذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، قدّس الله تربته، يقول ما معناه : متى رأيت الرجل ينتقل من فن إلى فن في البحث أو التصنيف، فاعلم أن ذلك، إما لقصور علمه بذلك الفن، أو لتخليط ذهنه وعدم إدراكه، حيث يظنّ أن المتغايرات متماثلات.
وإنما أمعنت الكلام في هذا الفصل لينتفع به من يقف عليه، ولئلا يعتقد أنا لم نطلع على ما أودعه الناس في كتبهم في التفسير، بل إنما تركنا ذلك عمداً، واقتصرنا على ما يليق بعلم التفسير.
وأسأل الله التوفيق للصواب.
وما من قوله : ما ننسخ، شرطية، وهي مفعول مقدّم، وفي ننسخ التفات، إذ هو خروج من غائب إلى متكلم.
ألا ترى إلى قوله :﴿والله يختصّ﴾ ؟ ﴿والله ذو الفضل﴾ ؟ وقرأ الجمهور : ننسخ من نسخ، بمعنى أزال، فهو عام في إزالة اللفظ والحكم معاً، أو إزالة اللفظ فقط، أو الحكم فقط.
وقرأت طائفة وابن عامر من السبعة : ما ننسخ من الإنساخ، وقد استشكل هذه القراءة أبو علي الفارسي فقال : ليست لغة، لأنه لا يقال نسخ وأنسخ بمعنى، ولا هي للتعدية، لأن المعنى يجيء : ما يكتب من آية، أي ما ينزل من آية، فيجيء القرآن كله على هذا منسوخاً.
وليس الأمركذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى : ما نجده منسوخاً، كما يقال : أحمدت الرجل إذا وجدته محموداً، وأبخلته إذا وجدته بخيلاً.
قال أبو عليّ : وليس نجده منسوخاً إلا بأن ينسخه، فتتفق القراءات في المعنى، وإن اختلفا في اللفظ.
انتهى كلامه.
فجعل الهمزة في النسخ ليست للتعدية، وإنما أفعل لوجود الشيء بمعنى ما صيغ منه، وهذا أحد معاني أفعل المذكورة فيه فاتحة الكتاب.
وجعل الزمخشري الهزة فيه للتعدية قال : وإنساخها الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة، بالإعلام بنسخها، وهذا تثبيج في العبارة عن معنى كون الهمزة للتعدية.
وإيضاحه أن نسخ يتعدى لواحد، فلما دخلت همزة النقل تعدى لاثنين.
تقول : نسخ زيد الشيء، أي أزاله، وأنسخه إياه عمرو : أي جعل عمرو زيداً ينسخ الشيء، أي يزيله.
وقال ابن عطية : التقدير ما ننسخك من آية، أي ما نبيح لك نسخة، كأنه لما نسخه الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخاً.
وهذا الذي ذكر ابن عطية أيضاً هو جعل الهمزة للتعدية، لكنه والزمخشري اختلفا في المفعول الأول المحذوف، أهو جبريل أم النبي ﷺ ؟ وجعل الزمخشري الإنساخ هو الأمر بالنسخ.
وجعل ابن عطية الإنساخ إباحة الترك بالنسخ.
وخرّج ابن عطية هذه القراءة على تخريج آخر وهو : أن تكون الهمزة فيه للتعدية أيضاً، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له، قال : ويكون المعنى ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، أي ذلك فعلنا، فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك، أو بمثله، فتجيء الضميرات في منها وبمثلها عائدين على الضمير في ننسأها.
انتهى كلامه.
وذهل عن القاعدة النحوية، وهي أن اسم الشرط لا بد في جوابه من عائد عليه.
وما في قوله : ما ننسخ شرطية، وقوله : أو ننساها، عائد على الآية، وإن كان المعنى ليس عائداً عليها نفسها من حيث اللفظ والمعنى، إنما يعود عليها لفظاً لا معنى، فهو نظير قولهم : عندي درهم ونصفه، فهو في الحقيقة على إضمار ما الشرطية.
التقدير : أو ما ننسأ من آية، ضرورة أن المنسوخ هو غير المنسوء، لكن يبقى قوله :﴿ما ننسخ من آية﴾ مفلتاً من الجواب، إذ لا رابط فيه منه له، وذلك لا يجوز، فبطل هذا المعنى.
من آية، من : هنا للتبعيض، وآية مفرد وقع موقع الجمع، ونظيره فارس في قولك : هذا أول فارس، التقدير : أول الفوارس.
والمعنى : أي شيء من الآيات.
وكذلك ما جاء من هذا النحو في القرآن، وفي كلام العرب تخريجه هكذا، نحو قوله :﴿ما يفتح الله للناس من رحمة﴾ ﴿وما بكم من نعمة﴾ وقولهم : من يضرب من رجل اضربه.
ويتضح بهذا المجرور ما كان معمولاً لفعل الشرط، لأنه مخصص له، إذ في اسم الشرط عموم، إذ لو لم يأت بالمجرور لحمل على العموم.
لو قلت : من يضرب أضرب، كان عاماً في مدلول من.
فإذا قلت : من رجل، اختص جنس الرجال بذلك، ولم يدخل فيه النساء، وإن كان مدلول من عامًّا للنوعين.
ولهذا المعنى جعل بعضهم من آية، وما أشبهه في موضع نصب على التمييز.
قال : والمميز ما قال، والتقدير : أي شيء نسخ من آية.
قال : ولا يحسن أن يقدر أي آية ننسخ، لأنك لا تجمع بين آية وبين المميز بآية.
لا تقول : أي آية ننسخ من آية، ولا أي رجل يضرب من رجل أضربه.
وجوّزوا أيضاً أن تكون من زائدة، وآية حالاً.
والمعنى : أي شيء ننسخ قليلاً أو كثيراً.
قالوا : وقد جاءت الآية حالاً في قوله تعالى هذه :﴿ناقة الله لكم آية﴾ وهذا فاسد لأن، الحال لا يجرّ بمن وجوّزوا أيضاً أن تكون ما مصدراً، وآية مفعولاً به، التقدير : أي نسخ ننسخ آية، ومجيء ما الشرطية مصدراً جائز، تقول : ما تضرب زيداً أضرب مثله، التقدير : أي ضرب تضرب زيداً أضرب مثله، وقال الشاعر :
نعب الغراب فقلت بين عاجل***
ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب
وهذا فاسد، لأن ما إذا جعلتها للنسخ، عرى الجواب من ضمير يعود عليها، ولا بد من ضمير يعود على اسم الشرط.
ألا ترى أنك لو قلت : أي ضرب يضرب هنداً أضرب أحسن منها، لم يجز لعرو جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط، لأن الضمير في منها عائد على المفعول الذي هو هند، لا على أي ضرب الذي هو اسم الشرط، ولأن المفعول به لا تدخل عليه من الزائدة إلا بشرط أن يتقدّمه غير موجب، وأن يكون ما دخلت عليه نكرة، وهذا على الجادة من مشهور مذهب البصريين.
والشرط ليس من قبيل غير الموجب، فلا يجوز : إن قام من رجل أقم معه، وفي هذا خلاف ضعيف لبعض البصريين.
﴿أو ننساها﴾ : قرأ عمر، وابن عباس، والنخعي، وعطاء، ومجاهد، وعبيد بن عمير، ومن السبعة ابن كثير، وأبو عمرو : أو ننسأها، بفتح نون المضارعة والسين وسكون الهمزة.
وقرأت طائفة كذلك، إلا أنه بغير همز.
وذكر أبو عبيد البكري في ( كتاب اللآلىء ) ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأراه وهم، وكذا قال ابن عطية، قال : وقرأ سعد بن أبي وقاص تنساها بالتاء المفتوحة وسكون النون وفتح السين من غير همز، وهي قراءة الحسن وابن يعمر.
وقرأت فرقة كذلك، إلا أنهم همزو.
وقرأ أبو حياة كذلك، إلا أنه ضم التاء.
وقرأ سعيد كذلك، إلا أنه بغير همز.
وقرأ باقي السبعة، ننسها، بضم النون وكسر السين من غير همز.
وقرأت فرقة كذلك، إلا أنها همزت بعد السين.
وقرأ الضحاك وأبو رجاء : بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد السين وبلا همز.
وقرأ أبي : أو ننسك، بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين من غير همز، وبكاف للخطاب بدل ضمير الغيبة.
وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة كذلك، إلا أنه جمع بين الضميرين، وهي قراءة أبي حذيفة.
وقرأ الأعمش : ما ننسك من آية أو ننسخها نجيء بمثلها.
وهكذا ثبت في مصحف عبد الله، فتحصل في هذه اللفظة، دون قراءة الأعمش، إحدى عشرة قراءة : فمع الهمزة : ننسأها وننسئها وننسأها وتنسأها، وبلا همز : ننسها وننسها وتنسها وتنسها ونسك وننسكها.
وفسر النسخ هنا بالتبديل، قاله ابن عباس والزجاج، أو تبديل الحكم مع ثبوت الخط، قاله عبد الله وابن عباس أيضاً، أو الرفع، قاله السدّي.
وأما قوله : أو ننسها بغير همز، فإن كان من النسيان ضد الذكر، فالمعنى : ننسكها إذا كان من أفعل، أو ننسها إذا كان من فعل، قاله مجاهد، وقتادة، وإن كان من الترك، فالمعنى : أو نترك إنزالها، قاله الضحاك، أو نمحها، فلا نترك لها لفظاً يتلى ولا حكماً يلزم، قاله ابن زيد، أو نأمر بتركها، يقال : أنسيته الشيء : أي أمرت بتركه، ونسيته : تركته، قال :
إن عليّ عقبة أقضيها***
لست بناسيها ولا منسيها
أي لا آمر بتركها.
وقال الزجاج : قراءة ننسها، بضم النون وسكون النون الثانية وكسر السين، لا يتوجه فيها معنى الترك، لأنه لا يقال : أنسى بمعنى ترك.
وقال أبو علي الفارسي وغيره : ذلك متجه، لأنه بمعنى نجعلك تتركها.
وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال : إن هذا لم يكن للنبي ﷺ، ولا نسي قرآناً.
وقال أبو عليّ وغيره : ذلك جائز، وقد وقع، ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بنسئه.
واحتج الزجاج بقوله تعالى :﴿ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك﴾ أي لم نفعل.
قال أبو علي : معناه لم نذهب بالجميع، وحكى الطبري قول الزجاج عن أقدم منه.
قال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى