اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ولو نشاء لطمسنا أعينهم... ﴾ الآيةَ على قولين: الأول: أن معنى ذلك: ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى، وأضللناهم عن قصد المحجة. وهو مروي عن ابن عباس، وعطاء، ومقاتل. الثاني: أنّ معنى ذلك: ولو نشاء لتركناهم عميًا. وهو مروي عن الحسن، وقتادة. وقد ذكر ابنُ جرير (١٩/٤٧٥) القولين، ثم قال مرجّحًا القول الثاني، ومنتقدًا القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية: «وهذا القول الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبه بتأويل الكلام؛ لأنّ الله إنما تهدد به قومًا كُفارًا، فلا وجه لأن يُقال وهم كفار: لو نشاء لأضللناهم. وقد أضلهم، ولكنه قال: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم، فطمسنا على أعينهم، فصيرناهم عميًا لا يبصرون طريقًا، ولا يهتدون له. والطمس على العين: هو أن لا يكون بين جفني العين غر، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى مطموس وطميس»
اختلف السلف في معنى الصلاة في قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ على قولين: الأول: أنها الدعاء. الثاني: أنها الصلاة المعروفة، وعلى هذا القول ففي المنهي عن الجهر به منها أقوال: الأول: أن الذي نهي عن الجهر به منها: القراءة. الثاني: عني به: النهي عن الجهر بالتشهد في الصلاة. الثالث: أن المراد به: إخفاء صلاة النبي بمكة وعدم الجهر بها. الرابع: أن المعنى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾: تحسنها من إتيانها في العلانية، ﴿ولا تخافت بها﴾: تسيئها في السريرة. الخامس: أن المعنى: ولا تجهرْ بصلاة النهار، ولا تخافتْ بصلاة الليل، واتبع أمر الله في هذا. وذكر ابنُ عطية (٥/٥٥٨) القول الأول، ووجّهه بقوله: «فهذا على حذف مضاف، التقدير: ولا تَجْهَرْ بقراءة صلاتك». وقد رجّح ابنُ جرير (١٥/١٣٦-١٣٧) القول الأول مستندًا إلى صحة السند إلى الصحابي، وإلى السياق، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ما ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي رواه أبو جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس؛ لأنّ ذلك أصح الأسانيد التي روي عن صحابي فيه قول مخرجًا، وأشبه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن قوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ عقيب قوله: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى﴾، وعقيب تقريع الكفار بكفرهم بالقرآن، وذلك بعدهم منه ومن الإيمان. فإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى وأشبه بقوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ أن يكون من سبب ما هو في سياقه من الكلام، ما لم يأت بمعنى يوجب صرفه عنه، أو يكون على انصرافه عنه دليل يعلم به الانصراف عما هو في سياقه». ثم قال عن القول الخامس: «ولولا أن أقوال أهل التأويل مضت بما ذكرت عنهم من التأويل، وأنا لا نستجيز خلافهم فيما جاء عنهم؛ لكان وجهًا يحتمله التأويل أن يقال: ولا تجهر بصلاتك التي أمرناك بالمخافتة بها، وهي صلاة النهار؛ لأنها عجماء، لا يجهر بها، ولا تخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها، وهي صلاة الليل، فإنها يجهر بها ﴿وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ بأن تجهر بالتي أمرناك بالجهر بها، وتخافت بالتي أمرناك بالمخافتة بها، لا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكلها. فكان ذلك وجهًا غير بعيد من الصحة، ولكنا لا نرى ذلك صحيحًا لإجماع الحجة من أهل التأويل على خلافه»
عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ: «أول مَن يختصم يوم القيامة الرجلُ وامرأتُه، وما ينطِق لسانُها ولا لسانُه، ولكن يداها ورجلاها، يشهدان عليها بما كانت تُغَيِّبُ له، ويداه ورجلاه يشهدان عليه بما كان يُولِيها، ثم يُدْعى الرجلُ وخَوَلُه وخَدَمُه كمِثل ذلك، ثم يُؤتى بأهل الأسواق، فما هي بقراريط تؤخذ منهم ولا دَوانِق، إلا حسناتُ ذا تُدْفَع إلى ذا، وسيئاتُ ذا تُدْفَع إلى ذا، ثم يُؤتى بالجبابرة في مَقامِع مِن حديد، فيُوقَفُون عند رب العالمين، فيقول: سُوقوهم إلى النار. فما أدري أيدخلونها، أو كما قال الله: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾؟»
اختلف المفسرون في مَن المُزَيِّنُ هنا؟ فذهب قومٌ إلى أنّه الله، وذهب قوم إلى أنّه الشيطان. وذكر ابنُ عطية (٢/١٧٠) أنّ ظاهر قول عمر: الآن، يا ربّ. مع القول الأوّل، وظاهرُ قول الحسن مع الثاني. ثُمَّ أفاد (٢/١٧١) احتمالَ الآية لِكِلا المعنيين، فقال: «وإذا قِيل: زَيَّن الله. فمعناه: بالإيجاد، والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجِبِلَّة [على] المَيْل إلى هذه الأشياء. وإذا قيل: زَيَّن الشيطانُ. فمعناه: بالوسوسة، والخديعة، وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية تحتملُ هذين النوعين مِن التزيين، ولا يختلف مع هذا النظر»
اختُلِف في السبب الذي من أجله قيل للنبي ﷺ: قل لهؤلاء الأعراب: قولوا أسلمنا، ولا تقولوا آمنا، على ثلاثة أقوال: الأول: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأن القوم كانوا صدَّقوا بألسنتهم، ولم يصدِّقوا قولَهم بفعلِهم، فقيل لهم: قولوا أسلمنا؛ لأن الإسلام قول، والإيمان قول وعمل. والثاني: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأنهم أرادوا أن يتسمَّوا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا، فأعلمهم الله أن لهم أسماء الأعراب، لا أسماء المهاجرين. والثالث: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأن القوم مَنُّوا على رسول الله ﷺ بإسلامهم، فقال الله لنبيّه ﷺ: قل لهم لم تؤمنوا، ولكن استسلمتم خوف السباء والقتل. وعلَّقَ ابنُ كثير (١٣/١٧٥) على القول الأول بقوله: «هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير». ورجَّحَ ابن جرير (٢١/٣٩٢)، وكذا ابنُ كثير القولَ الأولَ -وهو قول الزُّهريّ، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهما- استنادًا إلى ظاهر الآيات، والدلالة العقلية، فقال ابنُ جرير: «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزُّهريّ، وهو أنّ الله تقدم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارًا منهم بالقول، ولم يحقّقوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق: آمنّا. دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا: آمنا بالله ورسوله. ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يُشْكِل على سامعيه، والذي قائله فيه محق، وهو أن يقولوا: أسلمنا. بمعنى: دخلنا في الملة، وحقنّا الدماء والأموال، بشهادة الحقّ». وقال ابنُ كثير (١٣/١٧٥): «الصحيح الأول، أنهم قوم ادَّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأُدِّبوا وأُعلِمُوا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعُنِّفوا وفُضِحُوا كما ذكر المنافقون في سورة براءة، وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد». وهو ظاهر كلام ابن القيم (٣/٩ بتصرف)، حيث قال: «قوله تعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ نفيًا للإيمان المطلق، لا لمطلق الإيمان؛ لوجوه: منها: أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا: أسلمنا. والمنافق لا يقال له ذلك. ومنها: أنه قال: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ ولم يقل: قال المنافقون. ومنها: أن هؤلاء الجُفاة الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحُجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظةً منهم وجفًاء لا نفاقًا وكفرًا. ومنها: أنه قال: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ولم ينفِ دخول الإسلام في قلوبهم، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان. ومنها: أن الله تعالى قال: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِن أعْمالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقصكم، والمنافق لا طاعة له. ومنها: أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ فأثبت لهم إسلامهم، ونهاهم أن يمنّوا على رسول الله ﷺ، ولو لم يكن إسلامًا صحيحًا لقال: لم تسلموا بل أنتم كاذبون. كما كذّبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] لَمّا لم تطابق شهادتُهم اعتقادهم. ومنها: أنه قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ ولو كانوا منافقين لما منّ عليهم. ومنها: أنه قال: ﴿أنْ هَداكُمْ لِلإيمانِ﴾ ولا ينافي هذا قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فإنّه نفى الإيمان المطلق، ومَنَّ عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمن لمطلق الإيمان. ومنها: أن النبي ﷺ لما قسم القسم قال له سعد: أعطيتَ فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن! فقال: «أو مسلم» ثلاث مرات. وأثبت له الإسلام دون الإيمان. والمقصود: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؛ فالإيمان المطلق يمنع دخول النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦/٧١-٧٥)
قال ابنُ عطية (٢/٧٢-٧٣): «وقوله: ﴿من طيبات ما كسبتم﴾ يحتمل ألا يقصد به لا الجيد ولا الحلال، لكن يكون المعنى كأنه قال: أنفقوا مما كسبتم. فهو حضٌّ على الإنفاق فقط، ثم دخل ذِكر الطيب تبيينًا لصفة حسنة في المكسوب عامًا، وتقريرًا للنعمة، كما تقول: أطعمت فلانًا من مُشبِع الخبز، وسقيته من مروي الماء. والطيب على هذا الوجه يعمّ الجودة والحلّ، ويؤيد هذا الاحتمال أنّ عبد الله بن مغفل قال: ليس في مال المؤمن خبيث»
ذكر ابنُ عطية (٤/١١) قول أبي العالية، ثم بَيَّن احتمالَ الآية معنًى آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن أنهم لم يصرفوا عقولهم في الآيات المنصوبة، ولا شكروا نِعَم الله، ولا قادَتْهم معجزات الأنبياء؛ لأنّ هذه الأمور عهد في رقاب العقلاء كالعهود ينبغي أن يُوفى بها، وأيضًا فمِن لدن آدم تَقَرَّر العهدُ الذي هو بمعنى الوصية، وبه فسَّر الحسنُ هذه الآية، فيجيء المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزامَ عهد وقبولَ وصاة. ذكره المهدوي»
لم يذكر ابنُ جرير (٢١/٥٢٥) غير قول مجاهد. ونقل ابنُ عطية (٨/٧٣) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وجعلهم تعالى مُكرمين إما لأنهم عنده كذلك، وهذا قول الحسن... وقيل: من حيث رفع مجالسهم». وذكر ابنُ القيم (٣/٤٥) في قوله: ﴿المكرمين﴾ قولين: الأول: أنهم مُكرمون لأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم بنفسه. الثاني: أنهم المُكرمون عند الله. ثم علّق بقوله: «ولا تنافي بين القولين؛ فالآية تدل على المعنيين»
عن هارون [بن موسى الأعور]، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن البصري، وأبي عمرو، والأعرج: ﴿أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وهو قولُ أصحابنا، ولغة العرب: لا مَساس، والذين يقولون: ﴿لا مِساسَ﴾ يعني: لا تمسني ولا أمسك أبدًا. والذين يقولون: (لا مَساسَ) يقول: لا تمسني ولا أمسك في تلك الساعة
قال يحيى بن سلّام: قال بعضهم: ﴿الذي يراك حين تقوم﴾ في الصلاة وحدك، ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ في صلاة الجميع. وقال بعضهم: ﴿الذي يراك حين تقوم﴾ في الصلاة قائمًا، ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ في الركوع والسجود. قال يحيى: أحد هذين الوجهين تفسير الحسن، وقتادة