ذكر ابنُ جرير اختلاف المفسرين في أي شيء نزلت على النبي ﷺ: ﴿لَسْتَ مِنهُمْ فِي شَيْءٍ إنَّما أمْرُهُمْ إلى اللَّهِ﴾؟ على قولين: الأول: نزلت بالأمر بترك قتال المشركين قبل وجوب فرض قتالهم، ثم نسخها الأمر بقتالهم بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]. وهو قول السدي، ومقاتل بن سليمان. الثاني: نزلت إعلامًا مِن الله له أنّ مِن أُمَّته مَن يُحْدِث بعده في دينه، وليست بمنسوخة. وهو قول أم سلمة، ومرة الطيب، وأبي الأحوص. ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٣٥-٣٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، واستدل قائلًا: «وليس في إعلامه ذلك –أي: النبي ﷺ- ما يُوجِب أن يكون نهاه عن قتالهم، لأنّه غيرُ مُحالٍ أن يُقال في الكلام: لست من دين اليهود والنصارى في شيءٍ، فقاتِلْهم، فإنّ أمْرَهم إلى الله في أن يتفضَّل على مَن شاء منهم فيتوب عليه، ويُهلِك مَن أراد إهلاكه منهم كافرًا، فيقبِضَ روحه، أو يَقْتُلَه بيدك على كفره، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون عند مَقْدَمهم عليه». ثم انتَقَد مستندًا إلى عدم الدليل القولَ بنسخ الآية، فقال: «وإذ كان غيرُ مستحيلٍ اجتماع الأمر بقتالهم وقوله: ﴿لَسْتَ مِنهُمْ فِي شَيْءٍ إنَّما أمْرُهُمْ إلى اللَّهِ﴾، ولم يكن في الآية دليلٌ واضحٌ على أنها منسوخةٌ، ولا ورد بأنها منسوخةٌ عن الرسولِ خبرٌ، كان غير جائزٍ أن يُقْضى عليها بأنها منسوخةٌ حتى تقوم حجةٌ موجِبَةٌ صحة القول بذلك؛ لِما قد بيَّنّا من أنّ المنسوخ هو ما لم يَجُزِ اجتماعه وناسخه في حالٍ واحدةٍ...». وانتقد ابنُ عطية (٣/٥٠٢) قول السدي بأنّ الآية منسوخة، فقال: «وهذا كلام غير متقن، فإنّ الآية خبرٌ لا يَدخُله نسخ». غير أنه وجَّهه بقوله: «ولكنها تضمنت بالمعنى أمرًا بالموادعة، فيُشبه أن يُقال: إنّ النسخ وقع في ذلك المعنى الذي تقرَّر في آيات أُخَر»
ذكر ابنُ كثير (١٠/٧٣) أنّ البعض اسْتَدَلَّ بهذه الآية على مدنية السورة. وذكر ابنُ القيم (٢/٢١٦) أنّ هناك من قال بمكية السورة؛ لأن الإذن بالقتال كان بمكة. وانتقده (٢/٢١٦-٢١٧) مستندًا إلى الواقع، والسياق، وأحوال النزول، فقال: «وهذا غلط لوجوه: أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يَتَمَكَّنون بها من القتال بمكة. الثاني: أنّ سياق الآية يدُلُّ على أنّ الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من ديارهم، فإنه قال: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾، وهؤلاء هم المهاجرون. الثالث: قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ [الحج:١٩] نزلت في الذين تَبارزوا يوم بدر من الفريقين. الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، والخطاب بذلك كله مدني، فأما الخطاب بـ﴿يا أيها الناس﴾ فمشترك. الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أنّ الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله: ﴿فلا تطع الكافرين وجاهدهم به﴾ [الفرقان:٥٢]، أي: بالقرآن جهادًا كبيرًا، فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة، وأما الجهاد المأمور به في سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف. السادس: أن الحاكم روى في مستدركه من حديث الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيَّهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن. فأنزل الله عز وجل: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾. وهي أول آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط الصحيحين. وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني؛ فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية»
اختُلِف في نزول الآية؛ فقيل بنزولها في عقبة وأُبّي، وقيل في عقبة وأمية. ورجَّح ابنُ عطية (٦/٤٣٥) القول الأول مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «ويشبه أنّ سبب الآية وترتُّب هذا المعنى كان عقبة وأبيًّا». ووجَّه الألف واللام في ﴿الرسول﴾ بأنها للعهد والإشارة إلى محمد ﷺ، وانتقد القولَ بإدخال أمية بن خلف في هذه الآية، فقال: «ومَن أدخل في هذه الآية أمية بن خلف فقد وهِم، إلا على قول من يرى ﴿الظّالِم﴾ اسمَ جنس». وهو قول مجاهد، وأبي رجاء. ثم علَّق (٦/٤٣٥) مستظهرًا أنها اسم جنس مُبَيّنًا العموم في الظالم، فقال: «ويظهر أن ﴿الظّالِم﴾ عامٌّ، وأنّ مقصد الآية تعظيم يوم يتبرأ فيه الخِلّان مِن خِلّانهم الذين أمروهم بالظلم، فلما كان خليل كل ظالم غير خليل الآخر، وكان كل ظالم يسمي رجلًا خاصًّا به عَبَّر عن ذلك بـ»فلان«الذي فيه الشياع التام، ومعناه: واحد من الناس، وليس من ظالم إلا وله في دنياه خليل يُعِينه ويُحَرِّضه، هذا في الأغلب». وكذا رجَّح ابنُ تيمية (٥/١٢) العموم. وكذا رجَّحه ابنُ كثير (١٠/٣٠٢)، فقال: «وسواء كان نزولها في عقبة بن أبي معيط، أو في غيره مِن الأشقياء؛ فإنها عامة، كما قال تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا* ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا﴾ [الأحزاب:٦٦-٦٨]، فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلًا: ﴿يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا﴾ يعني: مَن صَرَفَه عن الهدى، وعَدَلَ به إلى طريق الضلالة مِن دعاة الضلالة، وسواء في ذلك أمية بن خلف، أو أخوه أبي بن خلف، أو غيرهما»
اختُلف في معنى: «النجوم» التي أقسم بمواقعها في هذه الآية على قولين: الأول: أنها نجوم السماء. وفي مواقعها ثلاثة أقوال: أحدها: منازلها. ثانيها: مساقطها. ثالثها: انتثارها عند قيام الساعة. الثاني: أنها آيات القرآن، ومواقعها: نزولها شيئًا بعد شيء. ووجَّه ابنُ القيم (٣/١١٥) قول مَن قال: إنها نجوم السماء، ومواقعها: مساقطها. بقوله: «وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذِكر النجوم في القسم وبين المُقسم عليه وهو القرآن من وجوه: أحدها: أنّ النجوم جعلها الله يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يُهتدى بها في ظلمات الجهل والغي، فتلك هداية في الظلمات الحسية، وآيات القرآن في الظلمات المعنوية؛ فجمع بين الهدايتين، مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن، والنجوم آياته المشهودة المعاينة، والقرآن آياته المتلوة السمعية، مع ما في مواقعها عند الغروب من العِبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول». وعلَّق ابنُ عطية (٨/٢٠٩) على القول الثاني بقوله: «ويؤيد هذا القول عوْد الضمير على القرآن في قوله سبحانه: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذلك أنّ ذِكْرَه لم يتقدم إلا على هذا التأويل، ومَن لا يتأول هذا التأويل يقول: إنّ الضمير يعود على القرآن وإن لم يتقدم له ذِكر لشهرة الأمر ووضوح المعنى، كقوله تعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وغير ذلك». ورجَّح ابن جرير (٢٢/٣٦١) -مستندًا إلى الأغلب في اللغة- أنه قسمٌ بمساقط النجوم ومغايبها في السماء، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقول الحسن، وقتادة من طريق سعيد، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أن المواقع جمع موقع، والموقع المَفْعِل، من وقَع يَقَعُ مَوقِعًا، فالأغلب من معانيه والأظهر من تأويله ما قلنا في ذلك، ولذلك قلنا: هو أوْلى معانيه به». وزاد ابن عطية (ينظر: ٨/٢١٠) قولًا أنّ مواقع النجوم: عند الانقضاض إثر العفاريت
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿أو كصيب﴾ الآية، يقول: أي: هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر، والحَذَر من القتل، على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم؛ على مثل ما وُصِف مَن الذي هو في ظُلْمَة الصَّيِّب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت
عن عبد الله بن عباس -من طريق السدي، عَمَّن حدثه- في قوله: ﴿وإذ قال ربك للملائكة﴾ الآية، قال: إنّ الله قال للملائكة: إنِّي خالقٌ بشرًا، وإنهم يتحاسدون، فيقتل بعضهم بعضًا، ويفسدون في الأرض. فلذلك قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضَّحاك- ﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾ يقول: أخبِرهم بأسمائهم. ﴿فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم﴾ أيّها الملائكة خاصّة ﴿إنّي أعلم غيب السّموات والأرض﴾ ولا يعلمه غيري
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم﴾ الآية، قال: فصاروا صَفَّيْن، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فبلغ القتلى ما شاء الله، ثم قيل لهم: قد تيب على القاتل والمقتول
قال راشدُ بنُ سعد: لَمّا انصرف رسولُ الله ﷺ كئيبًا حزينًا يوم أحد؛ جَعَلَتِ المرأةُ تجيء بزوجها وابنها مقتولين، وهي تَلْتَدِمُ، فقال رسول الله ﷺ: «أهكذا يُفعَلُ برسولك؟!». فأنزل الله تعالى: ﴿إن يَمسَسكُم قَرحٌ﴾ الآية
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجيح- في الآية، قال: غاب رجالٌ عن بدر، فكانوا يتَمَنَّوْنَ مِثل بدر أن يلقوه، فيصيبوا مِن الأجر والخير ما أصاب أهلَ بدر، فلمّا كان يومُ أُحُدٍ ولىَّ مَن ولىَّ منهم، فعاتبهم اللهُ على ذلك