علَّقَ ابنُ جرير (٣/٢١٦-٢١٧ بتصرُّف) على حديث جابر هذا بقوله: «ذلك إذا كان الصائمُ بمثل الحال التي جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ أنه قال في ذلك لِمن قاله له... ، فمَن بلغ منه الصومُ ما بلغ من الذي قال له النبي ﷺ ذلك فليس من البرّ صومه؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد حَرَّم على كل أحد تعريضَ نفسه لما فيه هلاكُها وله إلى نجاتها سبيل، وإنما يُطلب البِرُّ بما ندب الله إليه وحض عليه من الأعمال، لا بما نهى عنه». واستحسنَ ابنُ عطية (١/٤٣٧) بالدلالة العقلية الصيامَ في السفر لِمَن قدر عليه، فقال: «مذهب مالك في استحبابه الصوم لمن قدر عليه -يعني: في السفر- وتقصير الصلاة حَسَن؛ لأنّ الذِّمَّة تَبْرَأُ في رُخْصَة الصلاة، وهي مشغولة في أمر الصيام، والصوابُ المبادرةُ بالأعمال»
استحسنَ ابنُ كثير (٦/١٩٢) قولَ ابن زيد هذا، من جهة ما لَه من النظائر، وقال معلِّقًا عليه: «هذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن، يشهد له قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾ [يس:٧١-٧٢]، وقال تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين﴾ إلى أن قال: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ [النحل: ٦٩-٨٠]، وقال تعالى: ﴿الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون * ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون﴾ [غافر:٧٩-٨١]»
قال الزهري: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المُدلِجيُّ -وهو ابن أخي سُراقةَ بن جُعْشُمٍ-، أنّ أباه أخبره، أنّه سمِع سُراقةَ يقول: جاءتنا رسلُ كُفّار قريش، يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ دِيَة كلِّ واحدٍ منهما لِمَن قتلهما أو أسرهما، فبينا أنا جالسٌ في مجلسٍ مِن مجالس قومي بني مُدلجٍ أقْبَل رجلٌ منهم حتى قام علينا، فقال: يا سُراقةُ، إنِّي رأيتُ آنفًا أسْوِدَةً بالساحل، لا أُراها إلا محمدًا وأصحابه. قال سُراقة: فعرفتُ أنّهم هم. فقلتُ: إنّهم ليسوا بهم، ولكن رأيتُ فلانًا وفلانًا انطلقوا آنِفًا. ثم لبِثتُ في المجلس حتى قمتُ فدخلتُ بيتي، وأمَرتُ جاريتي أن تُخرِجَ لي فرسي، وهي من وراءِ أكَمَةٍ، فتحبِسَها عَلَيَّ، وأخذتُ رُمْحي، فخرجتُ به من ظَهْر البيت، فخطَطْتُ برمحي الأرض، وخفَضْتُ عاليةَ الرمح حتى أتَيتُ فرسي، فركِبتُها، فدفَعتُها وتُقَرِّبُ بي، حتى رأيتُ أسوِدَتَهما، فلما دنَوتُ منهم حيثُ يُسمِعُهم الصوتُ عثَرَت بي فرسي، فَخرَرْتُ عنها، فقمتُ، فأهْوَيتُ بيدي إلى كِنانتي، فاستخرَجتُ منها الأزلامَ، فاستقسَمتُ بها: أضُرُّهم أم لا؟ فخرَج الذي أكرهُ؛ أَّلا أضُرَّهم، فركِبتُ فرسي، وعصَيتُ الأزلامَ، فدفَعتُها تُقَرِّبُ بي، حتى إذا سمِعتُ قراءةَ رسول الله ﷺ -وهو لا يلتفِتُ، وأبو بكر يُكثِرُ الالتفات- ساخَتْ يدا فرسي في الأرض حتى بَلَغَت الرُّكْبَتَين، فخرَرْتُ عنها، فزجَرتُها، فنَهَضَتْ، فلم تكد تخرُجُ يداها، فلمّا استَوَتْ قائمةً إذا لأثرِ يديْها عُثانٌ ساطِعٌ في السماء من الدُّخان، فاستَقْسَمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكرهُ؛ ألّا أضُرَّهم، فنادَيتُهم بالأمان، فوقفا، وركِبتُ فرسي حتى جئتُهم، ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيتُ مِن الحبس عنهم أنّه سيَظهَرُ أمرُ رسول الله ﷺ، فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيك الدِّيَة. وأخبرتهم مِن أخبار سفرهم، وما يُريدُ الناسُ بهم، وعرضتُ عليهم الزّادَ والمتاعَ، فلم يَرْزَءُوني شيئًا، ولم يسألوني إلا أن: أخْفِ عنّا. فسألتُه أن يكتُبَ لي كتابًا مُوادَعةً آمَنُ به، فأمر عامرَ بن فُهَيرة فكتب لي في رُقعةٍ من أديم، ثم مضى. قال الزهري: وأخبرني عروة بن الزبير: أنّه لَقِيَ الزبيرَ ورَكْبًا من المسلمين، كانوا تجارًا بالشام قافلين إلى مكة، فعرَّضوا النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكرٍ بثيابٍ بياضٍ، وسمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله ﷺ، فكانوا يَغْدُون كُلَّ غداةٍ إلى الحَرَّة، فينتظرونه حتى يؤذيَهم حَرُّ الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظاره، فلما أوَوْا إلى بيوتهم أوفى رجلٌ من يهودَ أُطُمًا من آطامهم لأمرٍ ينظر إليه، فبَصُرَ برسول الله ﷺ وأصحابه مُبَيَّضينَ، يزول بهم السرابُ، فلم يتناهى اليهوديُّ أن نادى بأعلى صوته: يا معشرَ العرب، هذا جَدُّكُم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقَّوا رسولَ الله ﷺ حتى أتَوه بظَهرِ الحرَّة، فعدل بهم ذاتَ اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف بقُباء، وذلك يوم الاثنين من شهرِ ربيعٍ الأول، فقام رسولُ الله ﷺ وأبو بكر يُذَكِّرُ الناسَ، وجلس رسولُ الله ﷺ صامتًا، وطَفِق مَن جاء مِن الأنصار مِمَّن لم يكن رأى رسولَ الله ﷺ يحسَبُه أبا بكرٍ، حتى أصابت رسولَ الله ﷺ الشمسُ، فأقبل أبو بكر حتى ظلَّل عليه برادئه، فعرف الناسُ رسولَ الله ﷺ عند ذلك، فلَبِث رسولُ الله ﷺ في بني عمرو بن عوفٍ بضعَ عشْرةَ ليلةً، وابتَنى المسجدَ الذي أُسِّسَ على التقوى، وصلّى فيه، ثم ركب رسولُ الله ﷺراحلته، فسار ومشى الناسُ، حتى بَرَكتْ به عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يُصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ مِن المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر لسهلٍ وسُهَيلٍ -غلامين يتمين أخوين في حَجْرِ أبي أُمامة أسعدَ بن زُرارة من بني النجار- فقال رسول الله ﷺ حين بَرَكَتْ به راحلتُه: «هذا المنزِلُ، إن شاء الله». ثم دعا رسولُ الله ﷺ الغلامين، فساوَمَهما بالمِرْبَدِ يتَّخِذُه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهَبُه لك، يا رسول الله. فأبى النَّبِيُّ ﷺ أن يقبَلَه منهما حتى ابتاعه منهما، وبناه مسجدًا، وطفِق رسولُ الله ﷺ ينقل معهم اللَّبن في بنائه، وهو يقول: هذا الحِمالُ لا حِمالُ خيبر هذا أبرُّ ربَّنا وأطهَـرْ اللهمَّ إن الأجرَ أجرُ الآخره فارحم الأنصارَ والمهاجِره ويتمثَّلُ رسول الله ﷺ بشعرِ رجلٍ من المسلمين لم يُسَمَّ لي. قال ابن شهاب: ولم يبلُغْني في الأحاديث أنّ النَّبِيَّ ﷺ تمثَّل ببيتٍ من شعرٍ تامًّا غيرَ هؤلاء الأبيات، ولكنْ يَرجُزُهم لبناء المسجد، فلمّا قاتل رسولُ الله ﷺ كفار قريش حالَتِ الحربُ بين مهاجري أرض الحبشة وبين القدوم على رسول الله ﷺ، حتى لَقُوه بالمدينة زَمَنَ الخندق، فكانت أسماءُ بنت عُمَيسٍ تُحَدِّثُ: أنّ عمرَ بن الخطاب كان يُعيِّرُهم بالمُكْث في أرض الحبشة، فذكرت ذلك أسماء لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «لستُم كذلك». وكانت أولَ آية أنزلت في القتال: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ حتى بلغ: ﴿لقوي عزيز﴾ [الحج:٣٩-٤٠]
عن علي بن أبي طالب -من طريق الأصبغ- قال: أنا -واللهِ- حرّضتُ عمرَ على القيام في شهر رمضان. قيل: وكيف ذلك، يا أمير المؤمنين؟ قال: أخبرته أنّ في السماء السابعة حظيرة يقال لها: حظيرة القُدس، فيها ملائكة يقال لهم: الروح -وفي لفظ: الروحانيون-، فإذا كان ليلة القدر استأذنوا ربّهم في النزول إلى الدنيا، فيأذن لهم، فلا يمُرُّون بمسجد يُصلّى فيه ولا يستقبلون أحدًا في طريق إلا دعوا له، فأصابه منهم بركة. فقال له عمر: يا أبا الحسن، فتُحرّض الناس على الصلاة حتى تُصيبهم البركة. فأمر الناس بالقيام
قال ابن تيمية (١/٢٥٩): «هؤلاء الذين جعلوا أصحاب الكبائر الذين يموتون عليها داخلين في هذا الوعيد، لم يقولوا: إنهم لا يخرجون من النار لا بشفاعة ولا غيرها، كما ظنه من لم يجد أقوالهم، بل الحسن البصري ممن قال ذلك، وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه روى حديث الشفاعة عن أنس بن مالك رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ، وأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. فيكون عند هؤلاء ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ أي: أن خلودهم فيها على ذنوبهم، ثم يخرجون منها. وهو لم يقل: أبدًا. بل هذا خلود أهل الذنوب من أهل التوحيد»
فسَّر مقاتل ﴿وهم يسجدون﴾، أي: يصلون بالليل. وذكر ابنُ جرير (٥/٦٩٨-٦٩٩) هذا المعنى عن بعض أهل العربية، ولم يُسنِده عن مقاتل، ثم انتقده مستندًا إلى المعنى الأشهر للسجود، وبيَّن أنّ المعنى: مِن أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها. فالسجود هو السجود المعروف في الصلاة. وحَسَّن ابن عطية (٢/٣٢٦) المعنى الذي ذهب إليه ابنُ جرير مِن جهةِ العقلِ، فقال: «مِن جهة أنّ التلاوة آناء الليل قد يعتقد السامعُ أنّ ذلك في غير الصلاة»
ذكر ابنُ عطية (٤/٤٨-٤٩) احتمالين في إضافة الحُلِيِّ إلى بني إسرائيل، فقال: «وأضاف الحُلِيَّ إلى بني إسرائيل وإن كان مستعارًا من القبط -إذ كانوا قد تَمَلَّكوه- إمّا بأن نَفَّلوه كما روي، وحكى يحيى بن سلام عن الحسن أنّه قال: استعار بنو إسرائيل حُلِيَّ القِبط ليوم الزينة، فلما أمر موسى أن يسري بهم ليلًا تَعَذَّر عليهم رَدُّ العواري، وأيضًا فخشوا أن يفتضح سرهم، ثم إنّ الله نَفَّلهم إيّاه. ويحتمل أن يضاف الحلي إلى بني إسرائيل من حيث تصرفت أيديهم فيه بعد غزو آل فرعون»
ذكر ابنُ عطية (٧/٦١٣) أن ما جاء في حديث عثمان بن مظعون الوارد في الآثار المتعلقة بالآية يُؤَيِّد هذا القول الذي قاله ابن عباس، وأنس، وعكرمة، وقتادة، والحسن، ومقاتل، وهو قوله: «فواللهِ، ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي». وبيّن أنه على الرواية التي تقول: «ما يُفعل به» فلا حجة للقول في الحديث. ثم علَّق بقوله: «والمعنى عندي في هذا القول: أنه لم تُكشف له الخاتمة، فقال: «لا أدري». وأمّا من وافى على الإيمان فقد أُعلِم بنجاته مِن أول الرسالة، وإلا فكان للكفار أن يقولوا: وكيف تدعونا إلى ما لا تدري له عاقبة؟»
ذكر ابنُ عطية (٨/٣٩٢) أنه اختُلف في الفرقة التي ينفذ فيها الوعيد من أهل المعاصي متى تأخذ كتبها، على قولين: الأول: أنها تأخذها مع الناس، وذلك يُؤنسها مدة العذاب. ونقل عن الحسن أنه قال: «فإذا أُعطى كتابه بيمينه لم يقرأه حتى يأذن الله تعالى له، فإذا أذِن له قال: ﴿هاؤم اقرؤا كتابيه﴾». الثاني: أنه إذا أخرجوا من النار، والإيمان يُؤنسهم وقت العذاب. ورجَّح ابنُ عطية القول الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا ظاهر هذه الآية؛ لأنّ مَن يسير إلى النار فكيف يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه؟»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يعني: وأَتِمُّوا الصلوات الخمس، وأَعطوا الزكاة المفروضة من أموالكم، فنُسِخَ قيام الليل على المؤمنين، وثَبتَ قيام الليل على النبي ﷺ، وكان بين أول هذه السورة وآخرها سنة، حتى فُرضت الصلوات الخمس والزكاة، فهما واجبتان، فذلك قوله: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يقول: وأَعطوا الزكاة من أموالكم، ﴿وأَقْرِضُوا اللَّهَ﴾ يعني: التَّطوّع ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني بالحسن: طيِّبة بها نفسه، يَحتسبها تَطوّعًا بعد الفريضة، ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِن خَيْرٍ﴾ يعني: مِن صدقة؛ فريضة كانت أو تَطوّعًا؛ يقول: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ثوابًا عند الله في التقديم ﴿هُوَ خَيْرًا وأَعْظَمَ أجْرًا﴾ يقول: أفضل مما أعطيتم من أموالكم وأعظم أجرًا، يعني: وأكثر خيرًا وأفضل خيرًا في الآخرة، ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من الذّنوب؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكم عند الاستغفار إذا استغفرتموه، ﴿رَحِيمٌ﴾ حين رخّص لكم بالتوبة