سورة المائدة — الآية ٤١

عن الزهري، قال: كنتُ جالسًا عند سعيد بن المسيب، وعند سعيد رجل يوقره، فإذا هو رجل من مزينة كان أبوه شهد الحديبية، وكان من أصحاب أبي هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ... ، إذ جاءه رجل من اليهود، وكانوا قد أشاروا في صاحب لهم زَنى بعد ما أُحْصِن، فقال بعضهم لبعض: إنّ هذا النبي قد بُعِث، وقد علمتم أن قد فُرِض عليكم الرجم في التوراة فكتمتموه، واصَّلَحْتُم بينكم على عقوبة دونه، فانطلقوا فنسأل هذا النبي، فإن أفتانا بما فُرِض علينا في التوراة من الرجم تركنا ذلك، فقد تركنا ذلك في التوراة، فهي أحق أن تُطاع وتُصَدَّق. فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنّه زنى صاحبٌ لنا قد أُحْصِن، فما ترى عليه من العقوبة؟ قال أبو هريرة: فلم يرجع إليهم رسول الله ﷺ حتى قام وقمنا معه، فانطلق يَؤُمُّ مِدْراس اليهود، حتى أتاهم، فوجدهم يتدارسون التوراة في بيت المِدْراس، فقال لهم: «يا معشر اليهود، أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ماذا تجدون في التوراة مِن العقوبة على مَن زنى وقد أُحْصِن؟». قالوا: إنا نجده يُحَمَّم، ويُجْلَد. وسكت حَبْرُهم في جانب البيت، فلمّا رأى رسول الله ﷺ صمتَه ألَظَّ يَنشُدُه، فقال حبرهم: اللهم إذ نَشَدْتَنا، فإنّا نجد عليهم الرجم. فقال له رسول الله ﷺ: «فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟». قال: زنى ابنُ عَمِّ ملكٍ فلم يرجمه، ثم زنى رجل آخر في أُسْرَة من الناس، فأراد ذلك الملك رجمه، فقام دونه قومُه، فقالوا: واللهِ، لا ترجمْه حتى ترجم فلانًا؛ ابنَ عَمِّ الملك. فاصطلحوا بينهم عقوبة دون الرجم، وتركوا الرجم. فقال رسول الله ﷺ: «فإني أقضي بما في التوراة». فأنزل الله في ذلك: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ إلى قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾

سورة البقرة — الآية ١٢٧

عن أبي جَهْم ابن حذيفة بن غانم -من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة- قال: أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البُراق، وجعل إسماعيل أمامه، وهو ابن ستين، وهاجر خلفه، ومعه جبريل عليه السلام يَدُلُّه على موضع البيت، حتى قدم به مكة، فأنزل إسماعيلَ وأمَّه إلى جانب البيت، ثم انصرف إبراهيم إلى الشام، ثم أوحى الله إلى إبراهيم أن يبنيَ البيت وهو يومئذ ابن مائة سنة، وإسماعيل يومئذ ابن ثلاثين سنة، فبناه معه، وتوفي إسماعيل بعد أبيه، فدُفِن داخل الحِجْر مما يلي الكعبة مع أمه هاجر، ووَلِي نابِت بن إسماعيل البَيْتَ بعد أبيه مع أخواله جُرْهُم

سورة المائدة — الآية ١١٠

عن ابن وهب، عن أبيه [وهب بن منبه] -مِن طريق أبي بكر بن عَيّاش- قال: قدِم رجلٌ مِن أهل الكتاب اليمن، فقال أبي: ائتِه، فاسمَع منه. فقلتُ: تُحِيلُني على رجلٍ نصراني؟ قال: نعم، ائتِه، واسمع منه. فأتَيتُه، فقال: لَمّا رفع الله عيسى عليه السلام أقامَه بين يَدَي جبريل وميكائيل، فقال له: اذكُر نِعمَتي عليك وعلى والدتِك؛ فَعَلتُ بك وفعلتُ بك، ثم أخرَجتُك مِن بطنِ أمِّك، ففعلتُ بك وفعلتُ بك، وستكونُ أمةٌ بعدَك يَنتَحِلُونك، ويَنتَحِلُون ربوبيَّتَك، ويَشهَدون أنك قد مُتَّ، وكيف يكونُ ربٌّ يموتُ؟! فبعِزَّتي حَلفتُ لأُناصِبَنَّهم الحسابَ يومَ القيامة، ولأُقِيمنَّهم مُقامَ الخَصم مع الخَصم، حتى يُنفِذوا ما قالوا، ولن يُنفِذُوه أبدًا. ثم أسلَم، وجاء من الأحاديثِ بشيءٍ لم أسمع مثلَها

سورة النور — الآية ٦١

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا﴾ وذلك أنهم كانوا يأكلون على حدة، ولا يأكلون جميعًا، يرون أنّ أكله ذنب، يقول الله عز وجل: ﴿أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا﴾ وكانت بنو ليث بن بكر لا يأكل الرجل منهم حتى يجد مَن يأكل معه، أو يدركه الجهد، فيأخذ عَنَزَة له فيركزها، ويلقى عليها ثوبًا تحرُّجًا أن يأكل وحده، فلمّا جاء الإسلام فعلوا ذلك، وكان المسلمون إذا سافروا اجتمع نفرٌ منهم، فجمعوا نفقاتهم وطعامهم في مكان، فإن غاب رجلٌ منهم لم يأكلوا حتى يرجع صاحبهم مخافة الإثم. فنزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا﴾ إن كنتم جماعة، ﴿أو أشتاتا﴾ يعني: مُتَفَرِّقين

سورة الزمر — الآية ٤٨

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- وذَكَر عمر، وأبا بكر ابني المنكدر، قال: فلمّا حضر أحدَهما الوفاةُ بكى، فقيل له: ما يبكيك؟! إن كُنّا لَنغبطك لهذا اليوم. قال: أما -واللهِ- ما أبكي أن أكون أتيتُ شيئًا ركبتُه مِن معاصي الله اجتراء على الله، ولكني أخاف أن أكون أتيتُ شيئًا أحسبه هيِّنًا وهو عند الله عظيم. قال: وبكى الآخرُ عند الموت، فقيل له مثل ذلك، فقال: إني سمعتُ الله يقول لقوم: ﴿وبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، فأنا أنظر ما ترون، واللهِ، ما أدري ما يبدو لي. قال: وكان يقال: محمدٌ أخوهم أدناهم في العبادة، وأي شيء كان محمد في زمانه

سورة الأحقاف — الآية ١٦

عن محمد بن حاطب -من طريق يوسف بن سعد- قال: ونزل في داري حيث ظهر علِيٌّ على أهل البصرة، فقال لي يومًا: لقد شهدت أمير المؤمنين عليًّا، وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر، فذكروا عثمان، فنالوا منه، وكان عليٌّ على السرير، ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إنّ عندكم مَن يفصل بينكم. فسألوه، فقال عليٌّ: كان عثمان مِن الذين قال الله: ﴿أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون﴾. قال: واللهِ، عثمانُ وأصحابُ عثمان. قالها ثلاثًا. قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: آلله، لَسمعت هذا مِن عليٍّ؟ قال: آلله، لسمعت هذا من عليٍّ رضي الله عنه

ذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٧٣) أنّ البعض اسْتَدَلَّ بهذه الآية على مدنية السورة. وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٢١٦) أنّ هناك من قال بمكية السورة؛ لأن الإذن بالقتال كان بمكة. وانتقده (٢‏/‏٢١٦-٢١٧) مستندًا إلى الواقع، والسياق، وأحوال النزول، فقال: «وهذا غلط لوجوه: أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يَتَمَكَّنون بها من القتال بمكة. الثاني: أنّ سياق الآية يدُلُّ على أنّ الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من ديارهم، فإنه قال: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾، وهؤلاء هم المهاجرون. الثالث: قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ [الحج:١٩] نزلت في الذين تَبارزوا يوم بدر من الفريقين. الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، والخطاب بذلك كله مدني، فأما الخطاب بـ﴿يا أيها الناس﴾ فمشترك. الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أنّ الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله: ﴿فلا تطع الكافرين وجاهدهم به﴾ [الفرقان:٥٢]، أي: بالقرآن جهادًا كبيرًا، فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة، وأما الجهاد المأمور به في سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف. السادس: أن الحاكم روى في مستدركه من حديث الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيَّهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن. فأنزل الله عز وجل: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾. وهي أول آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط الصحيحين. وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني؛ فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى: ﴿القانع والمعترّ﴾ على أقوال: الأول: القانع: المستغني بما أعطيته ولا يسأل. والمعترّ: الذي يتعرض لك ولا يسأل. الثاني: القانع: الذي يقنع بما عنده ولا يسأل. والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك. الثالث: القانع: السائل. والمعترّ: الذي يعتريك ولا يسأل. الرابع: القانع: الجار. والمعترّ: الذي يعتريك من الناس. الخامس: القانع: الطوّاف. والمعترّ: الصديق الزائر. السادس: القانع: الطامع. والمعترّ: الذي يعترُّ بالبدن. السابع: القانع: المسكين. والمعترّ: الذي يتعرض للَّحم. ورجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٥٦٩) مستندًا إلى دلالة لفظ الآية، والعقل، واللغة القولَ الثالث، وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم من طريق عبدالله بن عياش، وانتقد مَن قال بأن القانع: المكتفي بما عنده، والمستغني به، فقال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ من قال: عُنِي بالقانع: السائل؛ لأنه لو كان المعنيّ بالقانع في هذا الموضع المُكتَفي بما عنده والمستغني به لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل: ﴿وأَطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾. وفي إتباع ذلك قوله: ﴿والمُعْتَرَّ﴾ الدليل الواضح على أن القانع معنيٌّ به: السائل، مِن قولهم: قنع فلان إلى فلان، بمعنى: سأله وخضع إليه، فهو يقنَع قُنُوعًا؛ ... وأما»القانع«الذي هو بمعنى المُكتَفي، فإنه من: قَنِعتُ به -بكسر النون- أقنع قناعةً وقَنَعًا وقنعانًا. وأما»المعتر«: فإنه الذي يأتيك معترًّا بك لتعطيه وتطعمه»

سورة الأعراف — الآية ٧٢

عن الحارث بن حسان البكري، قال: قَدِمْتُ على رسول الله ﷺ، فمَرَرْتُ على امرأةٍ بالرَّبَذَة، فقالتْ: هل أنتَ حاملي إلى رسول الله ﷺ؟ قلتُ: نعم. فحملتها حتى قدمت المدينة، فدخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ على المنبر، وإذا بلال مُتَقَلِّدٌ السيفَ، وإذا راياتٌ سود، قال: قلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قدم من غزوته. فلمّا نزل رسول الله ﷺ مِن على منبره أتيتُه، فاستأذنتُ، فأُذِن لي، فقلتُ: يا رسول الله، إنّ بالباب امرأة من بني تميم، وقد سَأَلَتْنِي أن أحملها إليك. قال: يا بلال، ائذن لها. قال: فدخلتُ، فلما جلستُ قال لي رسول الله ﷺ: هل بينكم وبين تميم شيء؟ قلتُ: نعم، وكانت الدَّبْرَةُ عليهم، فإن رأيتَ أن تجعل الدَّهْناءَ بيننا وبينهم حاجِزًا فعلت. قال: تقول المرأة: فأين تضطرُّ مُضَرَك، يا رسول الله؟ قال: قلت: إنّ مَثَلي مَثَلُ مِعْزًى حَمَلَتْ حَتْفَها. قال: قلتُ: وحملتُكِ تكونين عَلَيَّ خصمًا؟ أعوذ بالله أن أكون كوافد عادٍ. فقال رسول الله ﷺ: «وما وافِد عاد؟». قال: قلتُ: على الخبير سقطتَ، إنّ عادًا قحطت، فبَعَثَتْ مَن يستسقي لها، فبعثوا رجالًا، فمَرُّوا على بكر بن معاوية، فسقاهم الخمر، وتَغَنَّتهم الجرادتان شهرًا، ثم فَصَلُوا من عنده، حتى أتوا جبال مَهَرةَ، فدَعَوْا، فجاءت سحابات، فنُودي منها: خذها رمادًا رمددا، لا تدع من عاد أحدا. قال: فسمعه، وكتمهم، حتى جاءهم العذاب

انتَقَدَ ابنُ جرير (٤‏/‏١٦٢-١٦٣ بتصرف) قولَ بكر بن عبد الله الذي يُفِيدُ نسخَ الآية مستندًا لمخالفته الإجماعَ، وظاهرَ الآية، فقال: «فأمّا ما قاله بكر بن عبد الله فقولٌ لا معنى له؛ لمعنيين: أحدهما: إجماعُ الجميع من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من المسلمين على تخطئته، وإجازةِ أخْذِ الفِدْيَةِ من المُفْتَدِيَةِ نفسَها لزوجها. وفي ذلك الكفاية عن الاستشهاد على خطئه بغيره. والآخر: أنّ الآية التي في سورة النساء إنّما حَرَّم الله فيها على زوجِ المرأة أن يأخذ منها شيئًا مِمّا آتاها، بأن أراد الرجلُ استبدال زوج بزوج من غير أن يكون هنالك خَوْفٌ من المسلمين عليهما بمقام أحدهما على صاحبه أن لا يُقِيما حدود الله، ولا نشوز من المرأة على الرجل. وأمّا الآية التي في سورة البقرة فإنّها إنّما دَلَّت على إباحة الله -تعالى ذِكْرُهُ- له أخذَ الفِدْيَةِ منها في حال الخوف عليهما أن لا يُقِيما حدودَ الله بنُشُوزِ المرأة، وطلبِها فراقَ الرجل، ورغبته فيها. فالأمر الذي أُذِن به للزوج في أخذ الفدية من المرأة في سورة البقرة ضِدُّ الأمرِ الذي نُهِي من أجله عن أخذ الفِدْية في سورة النساء، كما الحظر في سورة النساء غير الطلاق والإباحة في سورة البقرة. فإنما يجوز في الحكمين أن يُقال: أحدهما ناسخ؛ إذا اتَّفقت معاني المحكوم فيه، ثُمَّ خُولِف بين الأحكام فيه باختلاف الأوقات والأزمنة. وأمّا اختلاف الأحكام باختلاف معاني المحكوم فيه في حال واحدة ووقت واحد فذلك هو الحكمة البالغة، والمفهوم في العقل والفطرة، وهو من الناسخ والمنسوخ بمعزِل». وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٥٦٥)، وابنُ كثير (٢‏/‏٣٤٦)