عن عبد الله، قال: ﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجنّ﴾، قال: هَبطوا على رسول الله ﷺ وهو ببطن نخلة، فقال: «صهٍ». وكانوا تسعة، والعاشر زَوْبَعة
عن عبد الله [بن مسعود] -من طريق أبي الزّعراء- في حديث طويل عن آخر الزمان ومبدأ البعث، قال:... ثم يَشفع الملائكة، والنَّبيّون، والشهداء، والصالحون، والمؤمنون، فيُشفِّعهم الله، قال: ثم يقول: أنا أرحم الراحمين. قال: فيُخرج من النار أكثرَ مما أُخرج مِن جميع الخَلْق برحمته، حتى ما يَترك فيها أحدًا فيه خير. ثم قرأ عبد الله: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ قال: وجعل يعقِد حتى عدَّ أربعًا: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أتانا اليَقِينُ فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ ثم قال عبد الله: أترون في هؤلاء خيرًا؟! ما تُرك فيها أحد فيه خير
عن عبد اللّه، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ اللّه عز وجل ليُعدّد نِعَمه على العبد، حتى يعدّ عليه: سألتني فلانة أنْ أزوّجكها، يُسمّيها باسمها، فزوّجتكها»
أفادت الآثارُ الاختلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشا﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الحمولة: ما حُمِل عليه مِن كبار الإبل ومسانّها، والفرش: صغارها التي لا يحمل عليها لصغرها. وهذا قول ابن مسعود، وابن عباس من طريق عكرمة، ومجاهد، والحسن من طريق سليمان التيمي. ثانيها: أنّ الحمولة من الإبل، وما لم يكن من الحمولة فهو الفرش. وهذا قول ثانٍ لابن عباس، والحسن من طريق قتادة. ثالثها: أنّ الحمولة: ما حُمِل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك، والفرش: الغنم. وهذا قول الربيع بن أنس، وقتادة، والسديّ، والضحاك، وابن زيد، وهو قولٌ ثالث لابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، والحسن من طريق أبي بكر الهذلي. وحكى ابنُ جرير (٩/٦٢٢-٦٢٣) قولًا رابعًا، ولم ينسبه، وهو أنّ الحمولة: من البقر، والفرش: الغنم. ثم رجَّحَ استنادًا إلى دلالة اللغة، والعموم أنّ الحمولة صفة صالحة لكل ما حُمِل على ظهره من الأنعام، وكذلك الفرش صفة لما لَطُف فقرب من الأرض جسمه، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الحمولة: هي ما حُمِل من الأنعام؛ لأنّ ذلك من صفتها إذا حملت، لا أنّه اسم لها كالإبل والخيل والبغال، فإذا كانت إنما سُمِّيَت حمولة لأنها تحمل؛ فالواجب أن يكون كل ما حَمَل على ظهره من الأنعام فحمولة، وهي جمع لا واحد لها من لفظها، كالرَّكوبة، والجَزُورة. وكذلك الفرش إنّما هو صفة لما لطُف فقرُب من الأرض جسمه، ويقال له: الفرش. وأحسبها سميت بذلك تمثيلًا لها في استواء أسنانها ولُطْفِها بالفَرْش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤُها الناس»
اختُلِف في تفسير هذه الآية على قولين: الأول: أنّ المعنى: إني أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي، وإثمك في معصية الله وغير ذلك من معاصيك. والثاني: أنّ المعنى: إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها، وإثمك في قتلك إياي. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٣٣٢) القول الأول دون الثاني الذي قاله مجاهد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح مستندًا إلى الإجماع، والدلالات العقلية، فقال: «وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويل عليه؛ لأن الله -عز ذكره- قد أخبرنا أنّ كل عامل فجزاء عمله له أو عليه، وإذا كان ذلك حكمه في خلقه فغيرُ جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم، وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله». ثم أورد سؤالًا حاصله: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله وإثم نفسه، مع أن قتله له محرم؟ وأجاب بأنّ هابيل أخبر عن نفسه بأنّه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكف يده عنه، طالبًا -إن وقع قتل- أن يكون من أخيه لا منه. ووجَّهه (٨/٣٣٢) بقوله: «وكأن قائلي هذه المقالة وجَّهوا تأويل قوله: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي... ﴾ أي: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي، فحذف القتل، واكتفي بذكر الإثم، إذ كان مفهومًا معناه عند المخاطبين به». وذكر ابن عطية (٣/١٤٦) قولين آخرين: الأول: أن المعنى: أن تبوء بإثمي إن لو قاتلتك وقتلتك وإثم نفسك في قتالي وقتلي. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه»، فكأن هابيل أراد: أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي». الثاني: أن المعنى: تبوء بإثمي الذي يختص لي فيما فرط لي، أي: يُؤخذ من سيئاتي فيُطرح عليك بسبب ظلمك لي، وتبوء بإثمك في قتلي، وعلَّق عليه بقوله: ""وهذا تأويل يعضده قول النبيﷺ: «يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة، فيُؤخذ من حسنات الظالم فيُزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات المظلوم فتُطرح عليه»
قال يحيى بن سلّام: قوله عز وجل: ﴿وامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النبي أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ﴾ يقول: للنبي ﷺ ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ مقرأ العامة على (أنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ) يقولون: كانت امرأة واحدة، و(أن) مفتوحة لما قد كان، وبعضهم يقرأها: ﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها﴾ يقولون: في المستقبل؛ على تلك الوجوه من قول أُبي، وقول الحسن، وقول مجاهد
نقل ابنُ تيمية (٤/١٢٦-١٢٧) عن ابن الجوزي في معنى الآية ثلاثة أقوال -غير قول مجاهد، والحسن-: الأول: «أنّه يعني بقوله هذا: الإخلاص، فالمعنى: أنّ الإخلاص طريق إلَيَّ مستقيم، و﴿عَلَيَّ﴾ بمعنى: إليَّ». الثاني: «هذا طريق عليَّ جَوازه، لأنِّي بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم، وهو خارج مخرج الوعيد، كما تقول للرجل تخاصمه: طريقك عليَّ، فهو كقوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر:١٤]». الثالث: «هذا صراطٌ عليَّ استقامته، أي: أنا ضامِنٌ لاستقامته بالبيان والبرهان». ووجَّه ابنُ القيم (٢/١٠٢) قول الحسن بقوله: «وهذا يحتمل أمرين: أن يكون أراد به: أنّه مِن باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض، فقامت أداة»على«مقام»إلى«، والثاني: أنه أراد التفسير على المعنى، وهو الأشبه بطريق السلف، أي: صراط موصل إليَّ». وعلَّق على قول مجاهد بقوله: «وهذا مثل قول الحسن وأبْيَن منه». ووجَّه ابنُ كثير (٨/٢٥٨) قول مجاهد، والحسن بأنه: «كقوله: ﴿وعَلى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل:٩]». ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٧١) وابنُ تيمية (٤/١٢٦-١٢٧) قول مجاهد والحسن، فقال ابنُ تيمية: «القول الصواب هو قول أئمة السلف -قول مجاهد ونحوه-؛ فإنّهم أعلم بمعاني القرآن...». وقال ابنُ القيم: «وهو مِن أصحِّ ما قيل في الآية». وانتقد ابنُ تيمية (٤/١٢٨) القول الثاني مستندًا إلى أقوال السلف، وكلام العرب، والدلالة العقلية قائلًا: «هذا قول لم يُنقَل عن أحد مِن علماء التفسير، لا في هذه الآية ولا في نظيرها، وإنّما قاله الكسائيُّ لما أشكل عليه معنى الآية الذي فهمه السلف، ودلَّ عليه السياق والنظائر. وكلام العرب لا يدل على هذا القول، فإنّ الرجل وإن كان يقول لمن يتهدده ويتوعده: عليَّ طريقك. فإنه لا يقول: إن طريقك مستقيم. وأيضًا فالوعيد إنما يكون للمسيء، لا يكون للمخلصين، فكيف يكون قوله هذا إشارة إلى انقسام الناس إلى غاوٍ ومُخْلِص، وطريق هؤلاء غير طريق هؤلاء؟... وأيضًا فإنّما يقول لغيره في التهديد: طريقك عليّ. مَن لا يقدر عليه في الحال، لكن ذاك يمر بنفسه عليه وهو متمكن منه، كما كان أهل المدينة يتوعدون أهل مكة بأنّ: طريقكم علينا. لما تهددوهم بأنكم آويتم محمدًا وأصحابه... ومثل هذا المعنى لا يقال في حق الله تعالى، فإنّ الله قادر على العباد حيث كانوا، كما قالت الجن: ﴿وأَنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن:١٢]، وقال: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [العنكبوت:٢٢]». وكذا قال ابنُ القيم (٢/١٠٣ بتصرف) مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية: «والسياق يأبى هذا، ولا يناسبه لمن تأمَّله، فإنّه قاله مجيبًا لإبليس الذي قال: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلََصِينَ﴾، فإنّه لا سبيل لي إلى إغوائهم، ولا طريق لي عليهم. فقرَّر الله عز وجل ذلك أتمَّ التقرير، وأخبر أنّ الإخلاص صراطٌ عليه مستقيم، فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصراط؛ لأنه صراط عليّ... وأمّا تشبيه هذه الآية بقوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر:١٤]، فلا يخفى الفرق بينهما سياقًا ودلالةً، فتأمَّله، ولا يقال في التهديد: هذا صراطٌ مستقيم عليّ، لمن لا يسلكه، وليست سبيل المهدد مستقيمة فهو غير مهدد بصراط الله المستقيم، وسبيله التي هو عليها ليست مستقيمة على الله، فلا يستقيم هذا القول البتة». وانتقد ابنُ القيم (٢/١٠٤) القول الثالث مستندًا إلى دلالة اللغة قائلًا: «وأمّا مَن فسَّره بالوجوب، أي: عليَّ بيان استقامته والدلالة عليه، فالمعنى صحيح، لكن في كونه هو المراد بالآية نظر؛ لأنه حُذِف في غير موضع الدلالة، ولم يؤلف الحذف المذكور؛ ليكون مدلولًا عليه إذا حُذِف، بخلاف عامل الظرف إذا وقع صفة فإنّه حذف مألوف معروف، حتى إنه لا يذكر البتة، فإذا قلت: له درهم عليَّ، كان الحذف معروفًا مألوفًا، فلو أردت: عليَّ نَقْدُه، أو عليَّ وزنه وحفظه، ونحو ذلك، وحذفت، لم يَسُغْ، وهو نظير: عليَّ بيانه، المقدر في الآية، مع أن الذي قاله السلف أليق بالسياق، وأجلّ المعنيين وأكبرهما». وبيَّن ابنُ تيمية (٤/١٢٨ بتصرف) أنّ ابن عطية «لم يذكر في هذه الآية إلا قول الكسائي، وهو أضعف الأقوال، وأنه ذَكَر المعنى الصحيح تفسيرًا لقراءة: ‹عَلِيٌّ مُّسْتَقِيمٌ› بالرفع». ثم بيَّن أن ابن عطية ذكر قول مجاهد في هذه الآية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وعَلى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ﴾ [النحل:٩]، ثم قال: «فهو بفطرته عرف أن هذا معنى الآية، ولكنه لما فسرها ذكر ذلك القول، كأنه هو الذي اتفق أن رأى غيره قد قاله هناك». وذلك القول الذي أشار إليه ابن تيمية ذكره ابن عطية (٥/٣٣١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وعَلى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ﴾ فقد ذكر معنًى ذهب إليه المفسِّرون، ثم قال: «ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ مَن سلك السبيل القاصد فعلى الله طريقه، وإلى الله مصيره، فيكون هذا مثل قوله: ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾». ثم علَّق عليه ابنُ تيمية (٤/١٣٠) بقوله: «وقد أحسن رحمه الله في هذا الاحتمال، وفي تمثيله ذلك بقوله: ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾»
انتقد ابنُ كثير (١٣/١٨٠) القول بأن «ق»: جبل محيط بالأرض مستندًا للدلالة العقلية، فقال: «وكأنّ هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يُصدّق ولا يُكذّب. وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبّسون به على الناس أمر دينهم، كما افُتري في هذه الأمة -مع جلالة قدْر علمائها وحفّاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد مِن قِدَم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى، وقلّة الحفّاظ النُّقّاد فيهم، وشُرْبهم الخمور، وتحريف علمائهم الكَلِم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارعُ الرواية عنهم في قوله: «وحدِّثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويُحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظّنون كذبه، فليس من هذا القبيل». ونقل (١٣/١٨١) قولًا آخر بأن المراد بـ﴿ق﴾: «قُضي الأمر، والله». وأن قوله: ﴿ق﴾ دلّتْ على المحذوف من بقيّة الكَلِم كقول الشاعر:قلت لها: قفي فقالت: قافوانتقده مستندًا للغة، فقال: «وفي هذا التفسير نظر؛ لأنّ الحذف في الكلام إنما يكون إذا دلّ دليل عليه، ومِن أين يُفهم هذا من ذِكر هذا الحرف؟». وساق ابنُ عطية (٨/٣٠-٣١) الأقوال الواردة عدا قول القُرظيّ، ثم علَّق بقوله: «و﴿ق﴾ على هذه الأقوال: مُقسَم به وبالقرآن المجيد، وجواب القسم منتظَر». وذكر القول الذي قاله ابن كثير، وذكر أقوالًا غيرها، فقال: «قال القُرظيّ: هو دال على أسماء الله تعالى هي: قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض. وقيل: المعنى: قُضي الأمر من رسالتك ونحوه، ﴿والقرآن المجيد﴾ فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم: المعنى: قِف عند أمرنا. وقيل المعنى: قُهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضًا وقع عليه القسَم». ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور حق، والقرآن المجيد». وعلق عليه بقوله: «فيكون أول السورة مِن المعنى الذي اطَّرد بعد»، ثم قال: «وعلى هذه الأقوال فثَمّ كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذّبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهرًا»
اختُلِفَ هل في الآية نسخ أم لا؛ فقال قوم بعدم النسخ، وقال آخرون: نسخ منها ذبائح أهل الكتاب. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٥٣٢) القول الأول دون الثاني الذي قاله عكرمة، والحسن البصري مستندًا إلى أقوال السلف، والدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله إنّما حرَّم علينا بهذه الآية الميتة، وما أُهِلَّ به للطواغيت، وذبائحُ أهل الكتاب ذَكِيَّةٌ؛ سموا عليها أو لم يسموا؛ لأنّهم أهل توحيد، وأصحاب كتب لله يدينون بأحكامها، يذبحون الذبائح بأديانهم كما ذبح المسلم بدينه، سمّى اللهَ على ذبيحته أو لم يُسَمِّه، إلا أن يكون ترك مِن ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل، أو بعبادة شيء سوى الله، فيحرم حينئذ أكل ذبيحته سمّى الله عليها أو لم يسم». وذكر ابنُ جرير أنّ القول الأول هو قول عامة أهل العلم. وبنحوه قال ابنُ عطية (٣/٤٥١). وكذا رجَّح ابنُ كثير (٦/١٥٥) عدم النسخ، ولم يذكر مستندًا. ثم وجَّه معنى النسخ الوارد في الآثار، قال: «ومَن أطلق مِن السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص»
علَّق ابنُ عطية (٤/٢٠٥) على قول الحسن بقوله: «وعلى هذا التأويل تكون الرواية في اليقظة». وبنحوه قال ابنُ جرير (١١/٢٠٩). وانتقده ابنُ عطية (٤/٢٠٥بتصرف) مستندًا لظاهر الآية، وأحوال النزول، فقال: «وهذا القول ضعيف، ومما يضعف ما روي عن الحسن أن معنى هذه الآية يتكرر في التي بعدها؛ لأن النبي ﷺ مخاطب في الثانية أيضًا، وقد تظاهرت الرواية أن النبي ﷺ انتبه، وقال لأصحابه: «أبشروا، فلقد نظرت إلى مصارع القوم». ونحو هذا، وقد كان عَلِم أنهم ما بين التسعمائة إلى الألف، فكيف يراهم ببصره بخلاف ما علم؟ والظاهر أنه رآهم في نومه قليلًا قدْرهم وحالهم وبأسهم، مهزومين مصروعين، ويحتمل أنه رآهم قليلًا عددهم، فكان تأويل رؤياه انهزامهم، فالقِلّة والكثرة على الظاهر مستعارة في غير العدد، كما قالوا: المرء كثير بأخيه. إلى غير ذلك من الأمثلة». وانتقده ابنُ كثير (٧/٩٤) مستندًا لظاهر لفظ الآية، فقال: «وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام هاهنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه»