سورة ص — الآية ٤١

قال يحيى بن سلّام: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ الآية، قال الحسن: إنّ إبليس قال: يا ربِّ، هل مِن عبيدك عبْدٌ إن سلَّطتني عليه امتنع مِنِّي؟ قال: نعم، عبدي أيوب. فسلَّطه الله عليه ليجهد جهده ويُضلّه، فجعل يأتيه بوساوسه وحبائله، وهو يراه عيانًا، فلا يقدر منه على شيء، فلمّا امتنع منه قال الشيطان: أي ربِّ، إنّه قد امتنع مِنِّي، فسلِّطني على ماله. فسلَّطه الله على ماله، فجعل يُهلك مالَه صِنفًا صنفًا، فجعل يأتيه وهو يراه عيانًا، فيقول: يا أيوب، هلك مالُك في كذا وكذا. فيقول: الحمد لله، اللهم، أنت أعْطَيْتَنِيهِ، وأنت أخذتَهُ مِنِّي، إن تُبقِ لي نفسي أحمدُك على بلائك. ففعل ذلك حتى أهلك ماله كلَّه، فقال إبليس: يا ربِّ، إنّ أيوب لا يُبالي بماله؛ فسلِّطني على جسده. ف

سورة غافر — الآية ١٦

عن شَهْر بن حَوْشَب -من طريق ابن أبي حسين- أنه حدَّثه قال: كان يُقال: إذا كان يوم القيامة مُدَّت الأرضُ مَدَّ الأديم، ثم حشر اللهُ مَن فيها مِن الجن والإنس، ثم أخذوا مصافَّهم من الأرض، ثم نزل أهل السماء بمثل مَن في الأرض، ومثلهم معهم مِن الجن والإنس، ثم أخذوا مصافَّهم من الأرض، حتى إذا كانوا على رؤوس الخلائق أضاءت الأرضُ لوجوههم، فيخرّ أهل الأرض ساجدين، ثم أخذوا مصافّهم، ثم ينزل أهل السموات السبع على قدر ذلك من التضعيف. قال: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة:١٧]، تحمله الملائكة على كواهلها بأيْدٍ وعزّة وحُسن وجمال، حتى إذا استوى على كرسيه نادى: ﴿لمن الملك اليوم﴾؟! فلم يجبه أحد، فيعطفها على نفسه، فقال: ﴿لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾

على هذا القول الذي قاله الحسن، وقتادة، فالآية عامة كالتي قبلها، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٧‏/‏٦٢١)، ثم قال: «ويشبه أن لها سببًا من رجل قال ذلك لأبويه. فلمّا فرغ من ذكر الموفق عقّب بذكر هذا العاق». ورجَّح (٧‏/‏٦٢٢) العموم، وانتقد القول بنزولها في ابن أبي بكر مستندًا للسياق، فقال: «والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات، ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره من المؤمنين، والدليل القاطع على ذلك قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾، وكان عبد الرحمن رحمه الله من أفضل الصحابة، ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غَناءٌ، ويكفيه مقامه مع مروان يوم اليمامة وغيره». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٨). ثم قال ابنُ عطية (٧‏/‏٦٢٣): «وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في مُشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيرًا مِن الوقوع في مثلها»

اختُلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿إلا أصحاب اليمين﴾ على أقوال: الأول: أنهم المسلمون الصالحون. الثاني: أنهم أطفال المسلمين. الثالث: أنهم الملائكة. ولم يذكر ابنُ جرير (٢٣‏/‏٤٥٠) غير القول الثاني والثالث، ثم قال معلقًا عليهما: «وإنما قال مَن قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين، ومَن قال: هم الملائكة؛ لأنّ هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين: ﴿ما سلككم في سقر﴾؟ إلا أنهم لم يَقتَرفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سَقر؛ لأن كلّ مَن دَخل من بني آدم ممن بلغ التكليف، ولزمه فرض الأمر والنهي، قد عَلم أنّ أحدًا لا يُعاقب إلا على المعصية». وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏٤٦٤) في الآية قولًا آخر، حكاه عن الضَّحّاك، أنه قال: «هم الذين سَبَقتْ لهم من الله الحُسنى»

سورة الحاقة — الآية ٢٥

عن أُبَيّ بن كعب -من طريق أبي العالية الرياحي- قال:... وإذا كان [الرجلُ] في الشرِّ رأسًا يدعو إليه، ويأمر به، ويكثر عليه تبعه؛ نودي باسمه واسم أبيه، فيتقدّم إلى حسابه، ويُخرج له كتابٌ أسود بخط أسود، في باطنه الحسنات، وفي ظهره السيئات، فيبدأ بالحسنات، فيقرأها، فيفرح، ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد رُدَّت عليك. فيسوَدُّ وجهه، ويعلوه الحزن، ويقنط من الخير. ثم يقلب كتابه، فيقرأ سيئاته، فلا يزداد إلا حزنًا، ولا يزداد وجهه إلا سوادًا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد ضُعِّفت عليك. فيعظم للنار حتى إن فخذه لَيكون مسيرة أيام، وجلده مقدار أربعين ذراعًا، وتزرقُّ عيناه، ويسوَدُّ لونه، ويُكسى سرابيل القطران، ثم تُخلع كتفه اليسرى فتُجعل وراء ظهره، ثم يُعطى كتابه بشماله، ويُقال له: انطلق إلى أصحابك، فأخبرهم أنّ لِكلِّ إنسانٍ منهم مثل هذا. فينطلق وهو يقول: ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه﴾. قال الله: ﴿خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه﴾. فيُسلك فيها سبعون ذراعًا، ﴿فاسلكوه﴾ كما قال الله، فيُسلك فيها سلكًا تدخل مِن فيه حتى تخرج مِن دبره، فيأتي أصحابه، فيقول: هل تعرفوني؟ فيقولون: ما ندري! ولكن قد نرى ما بك من الخزي، فمن أنت؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان، إنّ لكل إنسان منكم مثلَ هذا. ثم ينصب للناس، وتبدو فضائحه حتى يُعيَّر، فيتمنى أن لو قد انطُلِق به إلى النار استحياءً مِمّا يبدو منه

سورة التوبة — الآية ٦

عن أبي هريرة، قال: كُنّا عند عمر بن الخطاب إذ جاءه رجلٌ يسأله عن القرآن: أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقام عمر، فأخذ بمجامع ثوبه حتى قاده إلى علي بن أبي طالب، فقال: يا أبا الحسن، أما تسمع ما يقول هذا؟ قال: وما يقول؟ قال: جاءني يسألني عن القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقال علي: هذه كلمة، وسيكون لها ثمرة، لو وُلِّيتُ مِن الأمرِ ما وُلِّيتَ ضربتُ عُنقَه

سورة يوسف — الآية ٢٤

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قوله: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾، فأَكَبَّت عليه تُطِيعه مَرَّة، وتُخِيفُه مَرَّة أخرى، وتدعوه إلى لَذَّةٍ، وهي مِن حاجة الرجال في جمالها وحُسْنِها ومُلْكِها، وهو شابٌّ مُقْتَبِلٌ يَجِدُ مِن شَبَقِ الرِّجال ما يجد الرجال، حتّى رَقَّ لها مِمّا يرى مِن كَلَفِها به، ولم يَتَخَوَّف منها حتى هَمَّ بها وهَمَّت به، حتى دخلوا في بعض بيوته، فلمّا هَمَّ وتَهَيَّأ لذلك رأى برهانَ ربه، فانكشف عنها هارِبًا

سورة النحل — الآية ٦٧

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ يعني بالثمرات: لأنها جماعة ثمر. يعني بالسكر: ما حرم من الشراب مما يسكرون من ثمره، يعني: النخيل والأعناب، ﴿ورِزْقًا حَسَنًا﴾ يعني: طيبًا -نسختها الآية التي في المائدة، كقوله عز وجل: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥]، يعني: طيبة بها أنفسهم- بما لا يسكر منها من الشراب وثمرتها؛ فهذا الرزق الحسن

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٥١٧) القول بأن الرحمة المطر، وعلّق عليه، فقال: «قالت فرقة: أراد بالرحمة: المطر، وعدد النعمة بعينها بلفظين الثاني منهما يؤكد الأول». ثم ذكر قولًا آخر أنها الشمس، وعلّق عليه، فقال: «وقالت فرقة: الرحمة في هذا الموضع: الشمس، فذلك تعديد نعمة غير الأولى، وذلك أن المطر إذا ألمّ بعد القنط حسُن موقعه، فإذا دام سئم، فتجيء الشمس بعده عظيمة الموضع»

اختُلِف في هذا المثل على قولين: الأول: أنه مثل ضربه الله ﷻ لنفسه، وللأوثان؛ فالله سبحانه وتعالى هو المالك لكل شيء، وينفق كيف يشاء، والأوثان مملوكة عاجزة، لا تقدر على شيء، فهل يستوى هذا وهذا؟! وهذا قول مجاهد، والضحاك. والثاني: أنه مثل ضربه الله عز وجل للمؤمن والكافر؛ فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر، والمرزوق الرزق الحسن فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا هو المؤمن. وهذا قول ابن عباس، وقتادة. ورجَّحَ ابنُ عطية، ومثله ابنُ تيمية (٤‏/‏١٧٠)، وكذا ابن القيم القول الأول استنادًا إلى السياق، والدلالة العقلية، فقال ابن عطية (٥‏/‏٣٨٨): «هذا التأويل أصوب؛ لأن الآية تكون من معنى ما قبلها وبعدها في تبيين أمر الله والرد على الأصنام». وقال ابنُ القيم (٢‏/‏١١٤-١١٥): «القول الأول أشبه بالمراد؛ فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، ثم قال: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾، ومن لوازم هذا المَثَل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقًا حسنًا، والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، فهذا مما نبه عليه المثل، وأرشد إليه، فذكره ابن عباس منبهًا على إرادته، لا أنّ الآية اختصت به، فتأمله فإنك تجده كثيرًا في كلام ابن عباس، وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظن الظّانّ أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قوله». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٠٧) القول الثاني استنادًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «إنما اخترنا القول الذي اخترناه في المثل الأول لأنه -تعالى ذكره- مَثَّل مَثَل الكافر بالعبد الذي وصف صفته، ومَثَّل مَثَل المؤمن بالذي رزقه رزقًا حسنًا فهو ينفق مما رزقه سرًّا وجهرًا، فلم يجز أن يكون ذلك لله مثلًا؛ إذ كان الله إنما مثل الكافر الذي لا يقدر على شيء بأنه لم يرزقه رزقًا ينفق منه سرًّا، ومثل المؤمن الذي وفقه الله لطاعته فهداه لرشده فهو يعمل بما يرضاه الله، كالحر الذي بسط له في الرزق فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا، والله -تعالى ذكره- هو الرازق غير المرزوق، فغير جائز أن يمثل إفضاله وجوده بإنفاق المرزوق الرزق الحسن». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥‏/‏٣٨٨) على القول الثاني بقوله: «التمثيل على هذا التأويل إنما وقع في جهة الكافر فقط، جعل له مثلًا، ثم قرن بالمؤمن المرزوق، إلا أن يكون المرزوق ليس بمؤمن، وإنما هو مثال للمؤمن، فيقع التمثيل من جهتين»