ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٦٢) أن قوله: ﴿قُلْ مَن كانَ فِي الضَّلالَةِ... ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون بمعنى الدعاء والابتهال، كأنه يقول: الأضلُّ منا ومنكم مدّ الله له حتى يؤول ذلك إلى عذابه. والآخر: أن يكون بمعنى الخبر، كأنه يقول: مَن كان ضالًّا مِن الأُمَم فعادة الله فيه أنه يمد له ولا يُعاجله حتى يفضي ذلك إلى عذابه في الآخرة. ثم قال: «فاللام في قوله:﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ على المعنى الأول لام رغبة في صيغة أمر، وعلى المعنى الثاني لام أمر دخلت على معنى الخبر ليكون أوكد وأقوى، وهذا موجود في كلام العرب وفصاحتها»

علَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٣٥١) على هذه الأقوال بقوله: «وهذه الأقوال كلّها صحيحة؛ فإنّ المراد بالسابقين: هم المُبادِرون إلى فعل الخيرات كما أُمروا، كما قال تعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد:٢٢]، فمَن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإنّ الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١١-١٢]»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿واجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: واجعلوا بيوتكم مساجد تصلون فيها. وثانيها: واجعلوا مساجدكم قِبَلَ الكعبة. وثالثها: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٢‏/‏٢٦٠)، وكذا ابنُ عطية (٤‏/‏٥١٧) القولَ الأولَ -وهو قول ابن عباس من طريق عكرمة، والضحاك، وأبي مالك، ومجاهد، والربيع، وزيد بن أسلم، وإبراهيم النخعيّ-، استنادًا إلى الأغلب من الاستعمالِ في كلامِ العرب، والدلالة العقلية، فقال ابنُ جرير: «ذلك أن الأغلب من معاني البيوت -وإن كانت المساجد بيوتًا-: البيوت المسكونة، إذا ذكرت باسمها المطلق دون المساجد؛ لأنّ المساجد لها اسم هي به معروفة خاصٌّ لها، وذلك: المساجد. فأمّا البيوت المطلقة بغير وصلها بشيء، ولا إضافتها إلى شيء: فالبيوت المسكونة. وكذلك القِبْلة، الأغلب من استعمال الناس إيّاها في قِبَلِ المساجد وللصلوات. فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به، دون الخفيّ المجهول، ما لم تأت دلالة تدل على غير ذلك، ولم يكن على قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ دلالةٌ تقطع العذرَ بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب؛ لم يَجُزْ لنا توجيهه إلى غير الظاهر الذي وصفنا. وكذلك القول في قوله: ﴿قِبْلة﴾»

وجَّه ابنُ جرير (١٨‏/‏٣٥١-٣٥٢ بتصرف) هذا القول الذي قاله ابن عباس من طرق خصيف عن عكرمة، والأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير، والسدي عن أبي صالح، وقاله أبو سعيد الخدري، وأبو مالك، وأبو صالح، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، فقال: «فإن قال قائل: أوَكان أُخرِج من الجنة؛ فيُقال له: نحن نعيدك إليها؟ قيل: لذلك وجهان: أحدهما: أنه إن كان أبوه آدم -صلى الله عليهما- أُخرج منها فكأن ولده بإخراج الله إيّاه منها قد أخرجوا منها، فمن دخلها فكأنما يرد إليها بعد الخروج. والثاني أن يقال: إنه كان ﷺ دخلها ليلة أسري به، كما روي عنه أنه قال: «دخلت الجنة، فرأيت فيها قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب». ونحو ذلك مِن الأخبار التي رُوِيت عنه بذلك، ثم رد إلى الأرض، فيقال له: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك﴾ لَمُصَيِّرُك إلى الموضع الذي خرجتَ منه مِن الجنة إلى أن تعود إليه». وعلَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٦٢٠) على توجيه ابن جرير بقوله: «وإنما قال هذا من حيث تعطي لفظة»المعاد«أنّ المخاطب قد كان في حال يعود إليها، وهذا وإن كان مما يظهر في اللفظة فيتوجه أن يُسَمّى»معادًا«ما لم يكن المرء فيه مجوزًا؛ ولأنها أحوال تابعة للمعاد الذي هو النشور من القبور»

سورة الأنبياء — الآية ٧٢

تفسير الحسن البصري، قوله: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة﴾: ابن ابن

اختلف أهل التأويل في معنى: الحكمة التي ذكرها الله في هذا الموضع على قولين: أحدهما: السُّنَّة. والآخر: المعرفة بالدين، والفقه فيه. وذَهَبَ ابنُ جرير (٢‏/‏٥٧٧) إلى الأوّل مُستندًا إلى اللغة، وأقوالِ السّلفِ، فقال: «الصواب من القول عندنا في الحكمة: أنّها العلم بأحكام الله التي لا يُدْرَك علمها إلا ببيان الرسول ﷺ، والمعرفة بها، وما دلَّ عليه ذلك من نظائره، وهو عندي مأخوذ من الحُكْم الذي بمعنى الفَصْل بين الحق والباطل، بمنزلة: الجِلسة والقِعدة، من: الجلوس والقعود، يُقال منه: إن فلانًا لَحَكيم بَيِّن الحكمة، يعني به: إنّه لبَيِّن الإصابة في القول والفعل، وإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم كتابَك الذي تنزله عليهم، وفَصْلِ قضائك وأحكامك التي تعلمه إياها». ووافقَهَ ابن كثير (٢‏/‏٩٧)، وقال: «والحكمة، يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين. ولا منافاة»

سورة التكوير — الآية ٢٤

عن مجاهد، قال: سمعتُ ابن الزُّبير: يقرؤها: ﴿وما هُوَ عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، فسألتُ ابن عباس فقال: ضنين، قال: وكان ابن مسعود يقرؤها: «بِظَنِينٍ»

علّق ابنُ عطية (٥‏/‏١٤٧) على قول ابن جريج بقوله: «وهذا قريب من الأول». يعني: قول ابن عباس من طريق ابن أبي هذيل

علَّق ابن عطية (٨‏/‏٦٩٩) على هذا الأثر بقوله: «فنِعْم ما ذهب إليه ابن عباس، ونِعْم ما تمَّم ابن جبير رضي الله عنهم»

سورة البقرة — الآية ١٧

وعن عكرمة، والحسن، نحوه