جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ﴾
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا وقد علمت أن الهاء والميم من قوله : مَثَلُهُمْ كناية جماعة من الرجال أو الرجال والنساء. «والذي » دلالة على واحد من الذكور ؟ فكيف جعل الخبر عن واحد مثلاً لجماعة ؟ وهلاّ قيل : مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارا وإن جاز عندك أن تمثل الجماعة بالواحد فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبته صورهم وتمام خلقهم وأجسامهم أن يقول : كأن هؤلاء، أو كأن أجسام هؤلاء، نخلة.
قيل : أما في الموضع الذي مثل ربنا جل ثناؤه جماعة من المنافقين بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلاً فجائز حسن، وفي نظائره كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك : تَدُورُ أعْيُنُهُمْ كالّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ يعني كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، وكقوله : ما خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ بمعنى إلا كبعث نفس واحدة.
وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال في طول وتمام الخلق بالواحدة من النخيل، فغير جائز ولا في نظائره لفرق بينهما.
فأما تمثيل الجماعة من المنافقين بالمستوقد الواحد، فإنما جاز لأن المراد من الخبر عن مثل المنافقين الخبر عن مثل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون من اعتقاداتهم الرديئة، وخلطهم نفاقهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر. والاستضاءةُ وإن اختلفت أشخاص أهلها معنى واحد لا معان مختلفة. فالمثل لها في معنى المَثَل للشخص الواحد من الأشياء المختلفة الأشخاص. وتأويل ذلك : مثل استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد ﷺ، وبما جاء به قولاً وهم به مكذّبون اعتقادا، كمثل استضاءة الموقد نارا. ثم أسقط ذكر الاستضاءة وأضيف المثل إليهم، كما قال نابغة بني جعدة :
وكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ خِلالَتُهُ كأبي مَرْحَبِ
يريد كخلالة أبي مرحب، فأسقط «خلالة »، إذ كان فيما أظهر من الكلام دلالة لسامعيه على ما حذف منه. فكذلك القول في قوله : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا لما كان معلوما عند سامعيه بما أظهر من الكلام أن المثل إنما ضرب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم حسن حذف ذكر الاستضاءة وإضافة المثل إلى أهله. والمقصود بالمثل ما ذكرنا، فلما وصفنا جاز وحسن قوله : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد، إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى. وأما إذا أريد تشبيه الجماعة من أعيان بني آدم أو أعيان ذوي الصور والأجسام بشيء، فالصواب من الكلام تشبيه الجماعة بالجماعة والواحد بالواحد، لأن عين كل واحد منهم غير أعيان الآخرين. ولذلك من المعنى افترق القول في تشبيه الأفعال والأسماء، فجاز تشبيه أفعال الجماعة من الناس وغيرهم إذا كانت بمعنى واحد بفعل الواحد، ثم حذف أسماء الأفعال، وإضافة المثل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل، فيقال : ما أفعالكم إلا كفعل الكلب، ثم يحذف فيقال : ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب، وأنت تعني : إلا كفعل الكلب وإلا كفعل الكلاب. ولم يجز أن تقول : ما هم إلا نخلة، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطول والتمام. وأما قوله : اسْتَوْقَدَ نارا فإنه في تأويل أوقد، كما قال الشاعر :
وَدَاعٍ دَعَايا مَنْ يُجِيبُ إلى النّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
يريد : فلم يجبه. فكان معنى الكلام إن مثل استضاءة هؤلاء المنافقين في إظهارهم لرسول الله ﷺ وللمؤمنين بألسنتهم من قولهم : آمنا بالله وباليوم الاَخر وصدقنا بمحمد، وبما جاء به، وهم للكفر مستبطنون فيما الله فاعل بهم، مثل استضاءة موقد نار بناره حتى أضاءت له النار ما حوله، يعني ما حول المستوقد.
وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن «الذي » في قوله : كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا بمعنى «الذين » كما قال جل ثناؤه : وَالّذِي جاءَ بالصّدْقِ وصَدّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتّقُونَ. وكما قال الشاعر :
| فَإنّ الّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ | هُمْ الْقَوْمُ كُلّ الْقَوْمِ يَا أمّ خَالِدِ |
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فروي عن ابن عباس فيه أقوال أحدها ما :
حدثنا به محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : ضرب الله للمنافقين مثلاً فقال : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق. والآخر ما :
حدثنا به المثنى به إبراهيم، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا إلى آخر الآية. هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم في ظلمات، يقول في عذاب. والثالث ما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ : زعم أن أناسا دخلوا في الإسلام مَقْدَم النبي ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشرّ. فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وأما النور فالإيمان بما جاء به محمد ﷺ، وكانت الظلمة نفاقهم. والاَخر ما :
حدثني به محمد بن سعيد، قال : حدثني أبي سعيد بن محمد، قال : حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس قوله : مَثَلَهُمُ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَارا إلى : فَهُمُ لاَ يَرْجِعُونَ ضربه الله مثلاً للمنافق، وقوله : ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ قال : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة : فهي ضلالتهم وكفرهم، يتكلمون به وهم قوم كانوا على هدى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك. وقال آخرون بما.
حدثني به بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلّمَا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ وإن المنافق تكلم بلا إلَه إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين وغازي بها المسلمين ووارث بها المسلمين وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت سُلبها المنافق لأنه لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في علمه.
وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ هي لا إلَه إلا الله أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا ونكحوا النساء وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني أبو نميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قوله : كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ قال : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به وأما الظلمات، فهي ضلالتهم وكفرهم.
وقال آخرون بما :
حدثني به محمد بن عمرو الباهلي، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى بن ميمون، قال : حدثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله : مَثَلَهُمُ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أَضَاءَتْ ما حَوْلَهُ قال : أما إضاءة النار : فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى وذهاب نورهم : إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا أبو حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ : أما إضاءة النار : فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى وذهاب نورهم : إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
حدثني القاسم، قال : حدثني الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال : ضرب مثل أهل النفاق فقال : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا قال : إنما ضوء النار ونورها ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، كذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله : كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا إلى آخر الآية. قال : هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا، فذهب الله بنورهم، فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة والضحاك، وما رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. وذلك أن الله جل ثناؤه إنما ضرب هذا المثل للمنافقين الذين وصف صفتهم وقصّ قصصهم من لدن ابتدأ بذكرهم بقوله : مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَا باللّهِ وبَاليَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)، وقد علمتَ أن"الهاء والميم" من قوله"مثلهم" كناية جِمَاعٍ - من الرجال أو الرجال والنساء - و"الذي" دلالة على واحد من الذكور؟ فكيف جعَل الخبر عن واحد مَثلا لجماعة؟ وهلا قيل: مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارًا؟ وإن جاز عندك أن تمثلَ الجماعةَ بالواحد، فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبتْه صُوَرهم وتمامُ خلقهم وأجسامهم، أن يقول: كأنّ هؤلاء، أو كأنّ أجسامَ هؤلاء، نخلةٌ؟
قيل: أما في الموضع الذي مثَّل ربُّنا جل ثناؤه جماعةً من المنافقين، بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسنٌ، وفي نظائره (١) كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك: (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) [سورة الأحزاب: ١٩]، يعني كَدَوَرَان عيْنِ الذي يُغشى عليه من الموت - وكقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [سورة لقمان: ٢٨] بمعنى: إلا كبَعْث نفسٍ واحدة.
وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال، في الطول وتمام الخلق، بالواحدة من النخيل، فغير جائز، ولا في نظائره، لفرق بينهما.
فأما تمثيلُ الجماعة من المنافقين بالمستوقِدِ الواحد، فإنما جاز، لأن المرادَ من
وتأويل ذلك: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد ﷺ وبما جاء به، قولا وهُم به مكذبون اعتقادًا، كمثَل استضاءة المُوقِد نارًا. ثم أسقط ذكر الاستضاءة، وأضيف المثَلُ إليهم، كما قال نابغةُ بني جَعْدَة:
| وَكَيْفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْ | خِلالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ (١) |
وأما إذا أريدَ تشبيهُ الجماعة من أعيان بني آدم - أو أعيان ذوي الصور والأجسام، بشيء - فالصَّواب من الكلام تشبيهُ الجماعة بالجماعة، والواحدُ بالواحد، لأن عينَ كل واحد منهم غيرُ أعيان الآخرين.
ولذلك من المعنى، افترق القولُ في تشبيه الأفعال والأسماء. فجاز تشبيهُ أفعال الجماعة من الناس وغيرهم - إذا كانت بمعنى واحدٍ - بفعل الواحد،
وأما قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا)، فإنه في تأويل: أوقدَ، كما قال الشاعر:
وَدَاعٍ دَعَا:
| يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى | فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ (١) |
وقد زعم بعضُ أهل العربية من أهل البصرة: أن"الذي" في قوله:"كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا" بمعنى الذين، كما قال جل ثناؤه: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [سورة الزمر: ٣٣]، وكما قال الشاعر:
| فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ | هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (٣) |
(٢) سياق عبارته: "مثل استضاءة هؤلاء... فيما الله فاعل بهم، مثل استضاءة.. ".
(٣) الشعر للأشهب بن رميلة. الخزانة ٢: ٥٠٧ - ٥٠٨، والبيان ٤: ٥٥، وسيبويه ١: ٩٦، والمؤتلف والمختلف للآمدي: ٣٣، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض، في كتابه"مختار أشعار القبائل". وروايته: "وإن الألى". ولا شاهد فيه. وهم يقولون إن النون حذفت من"الذين"، فصارت"الذي" لطول الكلام وللتخفيف، وهي بمعنى الجمع لا المفرد. وفلج: واد بين البصرة وحمى ضرية، كانت فيه هذه الوقعة التي ذكرها.
ثم اختلفت أهل التأويل في تأويل ذلك. فرُوِي عن ابن عباس فيه أقوال:
أحدها- ما:
٣٨٦- حدثنا به محمد بن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ضرب الله للمنافقين مَثلا فقال: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) أي يُبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خَرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكُفرهم ونفاقِهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق. والآخر- ما:
٣٨٧- حدثنا به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى آخر الآية: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلام، فيناكحُهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ، كما سلب صاحب النار ضَوءَه. (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) يقول: في عذاب.
٣٨٨- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)، زَعم أنَّ أناسًا دخلوا في الإسلام مَقدَم النبي ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة فأوقد نارًا فأضاءت له ما حوله من قَذًى أو أذًى فأبصره حتى عرف ما يتَّقي، فبينا هو كذلك، إذ طَفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يتَّقي من أذًى. فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلالَ من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذْ كفَر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشرّ. وأما النُّور، فالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وكانت الظلمة نفاقهم. والآخر: ما-
٣٨٩- حدثني به محمد بن سعيد، قال: حدثني أبي سعيد بن محمد (١) قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى"فهم لا يرجعون"، ضرَبه الله مثلا للمنافق. وقوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) قال: أما النور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة، فهي ضلالتهُم وكفرهم يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدًى ثم نُزع منهم، فعتَوْا بعد ذلك.
وقال آخرون: بما-
٣٩٠- حدثني به بِشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)، وإن المنافقَ تكلم
٣٩١- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله" هي: لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون.
٣٩٢- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني أبو تُميلة، عن عبيد بن سليمان (٢)، عن الضحاك بن مزاحم، قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله"، قال: أما النّور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمات، فهي ضلالتهم وكفرهم.
وقال آخرون بما:-
٣٩٣- حدثني به محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله"، قال: أما إضاءة النار، فإقبالهم إلى المؤمنين والهدَى; وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
(٢) أبو تميلة، بضم التاء المثناة وفتح الميم: هو يحيى بن واضح الأنصاري المروزي الحافظ، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وهو ثقة، وثقه ابن معين وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم، ووهم أبو حاتم، إذ نسب إلى البخاري أنه ذكره في الضعفاء. وما كان ذلك، والبخاري ترجمه في الكبير ٤/٢/ ٣٠٩، فلم يذكر فيه جرحًا، ولم يذكره في كتاب الضعفاء الصغير. وقال الذهبي في الميزان ٣: ٣٠٥ حين ذكر كلام أبي حاتم: "فلم أر ذلك، ولا كان ذلك. فإن البخاري قد احتج به". ووقع في مطبوعة الطبري هنا"أبو نميلة" بالنون، وهو خطأ مطبعي. و"عبيد بن سليمان": هو الباهلي الكوفي أبو الحارث، ذكره ابن حبان في الثقات، وذكر ابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٨ أنه سأل عنه أباه، فقال: "لا بأس به".
٣٩٥- حدثني القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.
٣٩٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ضَرب مثلَ أهل النفاق فقال:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا"، قال: إنما ضوءُ النار ونورُها ما أوقَدَتها، فإذا خمدت ذهب نورُها. كذلك المنافق، كلما تكلّم بكلمة الإخلاص أضاءَ له، فإذا شك وقع في الظلمة.
٣٩٧- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد، في قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا" إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاءَ الإيمانُ في قلوبهم، كما أضاءَت النارُ لهؤلاء الذين استوقدوا، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون (١).
وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة، والضحاك، وما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وذلك: أن الله جلّ ثناؤه إنما ضرَب هذا المثل للمنافقين - الذين وَصَف صفتَهم وقص قصصهم، من لدُن ابتدأ بذكرهم بقوله:"ومن الناس مَنْ يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هُمْ بمؤمنين" - لا المعلنين بالكفر المجاهرين
وفي وَصْف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفاق، ما ينبئ عن أن القول غيرُ القول الذي زعمه من زَعم: أن القوم كانوا مؤمنين، ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه، إلا أنْ يكون قائلُ ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيمانهم الذي كانوا عليه، إلى الكفر الذي هو نفاق. وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَك صحته إلا بخبر مستفيض، أو ببعض المعاني الموجبة صحتَه. فأما في ظاهر الكتاب فلا دلالة على صحته، لاحتماله من التأويل ما هو أولى به منه.
فإذْ كان الأمر على ما وصفنا في ذلك، فأولى تأويلات الآية بالآية: مثل استضاءَة المنافقين - بما أظهروا بألسنتهم لرسول الله ﷺ من الإقرار به، وقولهم له وللمؤمنين: آمنَّا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، حتى حُكم لهم بذلك
(٢) السياق: "ولو كان المثل لمن آمن إيمانًا صحيحًا.. لم يكن هنالك من القوم.. "
(٣) في المطبوعة: "فإن كان القوم... "، وهو خطأ.
وذلك أن المنافق لم يزل مستضيئًا بضوء القول الذي دَافع عنه في حَياته القتلَ والسِّباءَ، مع استبطانه ما كان مستوجبًا به القتلَ وسلبَ المال لو أظهره بلسانه - تُخيِّل إليه بذلك نفْسُه أنه بالله ورسوله والمؤمنين مستهزئ مخادعٌ، حتى سوّلت له نفسُه - إذْ وَرَد على ربه في الآخرة - أنه ناج منه بمثل الذي نجا به في الدنيا من الكذب والنفاق. أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذْ نعتهم، ثم أخبر خبرَهم عند ورودهم عليه: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [سورة المجادلة: ١٨]، ظنًّا من القوم أن نجاتهم من عذاب الله في الآخرة، في مثل الذي كان به نجاؤهم من القتل والسباء وسلب المال في الدنيا (٢) : من الكذب والإفك، وأنّ خداعهم نافعُهم هنالك نفعَه إياهم في الدنيا، حتى عايَنوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم في غرور وضلال، واستهزاء بأنفسهم وخداع، إذْ أطفأ الله نورَهم يوم القيامة، فاستنظروا المؤمنين ليقتبسوا من نورهم فقيل لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا واصلوْا سَعيرًا. فذلك حينَ ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، كما انطفأت نار المستوقِدِ النارَ بعد إضاءتها له، فبقي في ظلمته حيران تائهًا، يقول الله جل ثناؤه: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ
(٢) في المطبوعة: "كان به نجاتهم من القتل"، وهما سواء في المعنى.
فإن قال لنا قائل: إنك ذكرتَ أنّ معنى قول الله تعالى ذكره"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت مَا حَوله": خَمدتْ وانطفأتْ، وليس ذلك بموجود في القرآن. فما دلالتك على أنّ ذلك معناه؟
قيل: قد قلنا إنّ من شأن العرب الإيجاز والاختصار، إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفتْ وتركتْ، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:
| عَصَيْتُ إليهَا الْقَلْبَ، إِنِّي لأمرِهَا | سَمِيعٌ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابها! (١) |
| فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ، أو حِينَ، نصَّبتْ | لَهُ مِن خَذَا آذَانِهَا وَهْو جَانح (٢) |
ويروى"دعاني إليها.. "، وهما روايتان صحيحتان. وتمام معنى البيت في الذي يليه: فَقُلْتُ لِقَلْبِي:
| يَا لَكَ الْخَيْرُ! إِنَّمَا | يُدَلِّيكَ لِلْمَوْتِ الْجَدِيدِ حِبَابُهَا |
(٢) ديوانه: ١٠٨ وسيأتي في تفسير آية يونس: ٧٧ (١١: ١٠١ بولاق)، وآية سورة النبأ: ١٠ (٣٠: ٣ بولاق). يصف عانة حمر، وقفت ترقب مغيب الشمس، حتى إذا غربت انطلقت مسرعة إلى مورد الماء الذي تنوى إليه. وقوله: "لبسن الليل" يعني الحمر، حين غشيهن الليل وهن مترقبات مغيب الشمس. ونصبت: رفعت وأقامت آذانها. وخذيت الأذن خذًّا: استرخت من أصلها مقبلة على الخدين، وذلك يصيب الحمر في الصيف من حر الشمس والظمأ. ونصبت خذا آذانها، استعدادًا للعدو إلى الماء. وجنح الليل فهو جانح: أقبل، وهو من جنح الطائر: إذا كسر من جناحيه ثم أقبل كالواقع اللاجئ إلى موضع. وهو وصف جيد لإقبال الظلام من جانب الأفق. وأراد الطبري أن ذا الرمة أراد أن يقول: أو حين أقبل الليل، نصبت له من خذا آذانها، وهو جانح. ولا ضرورة توجب ما قال به من الحذف في هذا البيت.