محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٧ من سورة البقرة في ١١٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٧ من سورة البقرة

١١٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ﴾
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا وقد علمت أن الهاء والميم من قوله : مَثَلُهُمْ كناية جماعة من الرجال أو الرجال والنساء. «والذي » دلالة على واحد من الذكور ؟ فكيف جعل الخبر عن واحد مثلاً لجماعة ؟ وهلاّ قيل : مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارا وإن جاز عندك أن تمثل الجماعة بالواحد فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبته صورهم وتمام خلقهم وأجسامهم أن يقول : كأن هؤلاء، أو كأن أجسام هؤلاء، نخلة.
قيل : أما في الموضع الذي مثل ربنا جل ثناؤه جماعة من المنافقين بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلاً فجائز حسن، وفي نظائره كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك : تَدُورُ أعْيُنُهُمْ كالّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ يعني كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، وكقوله : ما خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ بمعنى إلا كبعث نفس واحدة.
وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال في طول وتمام الخلق بالواحدة من النخيل، فغير جائز ولا في نظائره لفرق بينهما.
فأما تمثيل الجماعة من المنافقين بالمستوقد الواحد، فإنما جاز لأن المراد من الخبر عن مثل المنافقين الخبر عن مثل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون من اعتقاداتهم الرديئة، وخلطهم نفاقهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر. والاستضاءةُ وإن اختلفت أشخاص أهلها معنى واحد لا معان مختلفة. فالمثل لها في معنى المَثَل للشخص الواحد من الأشياء المختلفة الأشخاص. وتأويل ذلك : مثل استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد ﷺ، وبما جاء به قولاً وهم به مكذّبون اعتقادا، كمثل استضاءة الموقد نارا. ثم أسقط ذكر الاستضاءة وأضيف المثل إليهم، كما قال نابغة بني جعدة :
وكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ خِلالَتُهُ كأبي مَرْحَبِ
يريد كخلالة أبي مرحب، فأسقط «خلالة »، إذ كان فيما أظهر من الكلام دلالة لسامعيه على ما حذف منه. فكذلك القول في قوله : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا لما كان معلوما عند سامعيه بما أظهر من الكلام أن المثل إنما ضرب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم حسن حذف ذكر الاستضاءة وإضافة المثل إلى أهله. والمقصود بالمثل ما ذكرنا، فلما وصفنا جاز وحسن قوله : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد، إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى. وأما إذا أريد تشبيه الجماعة من أعيان بني آدم أو أعيان ذوي الصور والأجسام بشيء، فالصواب من الكلام تشبيه الجماعة بالجماعة والواحد بالواحد، لأن عين كل واحد منهم غير أعيان الآخرين. ولذلك من المعنى افترق القول في تشبيه الأفعال والأسماء، فجاز تشبيه أفعال الجماعة من الناس وغيرهم إذا كانت بمعنى واحد بفعل الواحد، ثم حذف أسماء الأفعال، وإضافة المثل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل، فيقال : ما أفعالكم إلا كفعل الكلب، ثم يحذف فيقال : ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب، وأنت تعني : إلا كفعل الكلب وإلا كفعل الكلاب. ولم يجز أن تقول : ما هم إلا نخلة، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطول والتمام. وأما قوله : اسْتَوْقَدَ نارا فإنه في تأويل أوقد، كما قال الشاعر :
وَدَاعٍ دَعَايا مَنْ يُجِيبُ إلى النّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
يريد : فلم يجبه. فكان معنى الكلام إن مثل استضاءة هؤلاء المنافقين في إظهارهم لرسول الله ﷺ وللمؤمنين بألسنتهم من قولهم : آمنا بالله وباليوم الاَخر وصدقنا بمحمد، وبما جاء به، وهم للكفر مستبطنون فيما الله فاعل بهم، مثل استضاءة موقد نار بناره حتى أضاءت له النار ما حوله، يعني ما حول المستوقد.
وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن «الذي » في قوله : كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا بمعنى «الذين » كما قال جل ثناؤه : وَالّذِي جاءَ بالصّدْقِ وصَدّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتّقُونَ. وكما قال الشاعر :
فَإنّ الّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْهُمْ الْقَوْمُ كُلّ الْقَوْمِ يَا أمّ خَالِدِ
قال أبو جعفر : والقول الأول هو القول لما وصفنا من العلة، وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين الذي في الآيتين وفي البيت، لأن «الذي » في قوله : وَالّذِي جاءَ بِالصّدقِ قد جاءت الدلالة على أن معناها الجمع، وهو قوله : أولَئِكَ هُمُ المُتّقُونَ وكذلك الذي في البيت، وهو قوله : دماؤهم. وليست هذه الدلالة في قوله : كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا. فذلك فرق ما بين «الذي » في قوله : كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا وسائر شواهده التي استشهد بها على أن معنى «الذي » في قوله : كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا بمعنى الجماعة، وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فروي عن ابن عباس فيه أقوال أحدها ما :
حدثنا به محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : ضرب الله للمنافقين مثلاً فقال : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق. والآخر ما :
حدثنا به المثنى به إبراهيم، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا إلى آخر الآية. هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم في ظلمات، يقول في عذاب. والثالث ما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ : زعم أن أناسا دخلوا في الإسلام مَقْدَم النبي ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشرّ. فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وأما النور فالإيمان بما جاء به محمد ﷺ، وكانت الظلمة نفاقهم. والاَخر ما :
حدثني به محمد بن سعيد، قال : حدثني أبي سعيد بن محمد، قال : حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس قوله : مَثَلَهُمُ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَارا إلى : فَهُمُ لاَ يَرْجِعُونَ ضربه الله مثلاً للمنافق، وقوله : ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ قال : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة : فهي ضلالتهم وكفرهم، يتكلمون به وهم قوم كانوا على هدى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك. وقال آخرون بما.
حدثني به بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلّمَا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ وإن المنافق تكلم بلا إلَه إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين وغازي بها المسلمين ووارث بها المسلمين وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت سُلبها المنافق لأنه لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في علمه.
وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ هي لا إلَه إلا الله أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا ونكحوا النساء وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني أبو نميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قوله : كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ قال : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به وأما الظلمات، فهي ضلالتهم وكفرهم.
وقال آخرون بما :
حدثني به محمد بن عمرو الباهلي، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى بن ميمون، قال : حدثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله : مَثَلَهُمُ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أَضَاءَتْ ما حَوْلَهُ قال : أما إضاءة النار : فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى وذهاب نورهم : إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا أبو حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ : أما إضاءة النار : فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى وذهاب نورهم : إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
حدثني القاسم، قال : حدثني الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال : ضرب مثل أهل النفاق فقال : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا قال : إنما ضوء النار ونورها ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، كذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله : كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا إلى آخر الآية. قال : هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا، فذهب الله بنورهم، فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة والضحاك، وما رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. وذلك أن الله جل ثناؤه إنما ضرب هذا المثل للمنافقين الذين وصف صفتهم وقصّ قصصهم من لدن ابتدأ بذكرهم بقوله : مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَا باللّهِ وبَاليَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)، وقد علمتَ أن"الهاء والميم" من قوله"مثلهم" كناية جِمَاعٍ - من الرجال أو الرجال والنساء - و"الذي" دلالة على واحد من الذكور؟ فكيف جعَل الخبر عن واحد مَثلا لجماعة؟ وهلا قيل: مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارًا؟ وإن جاز عندك أن تمثلَ الجماعةَ بالواحد، فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبتْه صُوَرهم وتمامُ خلقهم وأجسامهم، أن يقول: كأنّ هؤلاء، أو كأنّ أجسامَ هؤلاء، نخلةٌ؟
قيل: أما في الموضع الذي مثَّل ربُّنا جل ثناؤه جماعةً من المنافقين، بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسنٌ، وفي نظائره (١) كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك: (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) [سورة الأحزاب: ١٩]، يعني كَدَوَرَان عيْنِ الذي يُغشى عليه من الموت - وكقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [سورة لقمان: ٢٨] بمعنى: إلا كبَعْث نفسٍ واحدة.
وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال، في الطول وتمام الخلق، بالواحدة من النخيل، فغير جائز، ولا في نظائره، لفرق بينهما.
فأما تمثيلُ الجماعة من المنافقين بالمستوقِدِ الواحد، فإنما جاز، لأن المرادَ من
(١) "وفي نظائره"، أي هو في نظائره جائز حسن أيضًا. ومثلها ما يأتي بعد أسطر في قوله"ولا في نظائره"، حذف فيهما جميعًا.
الخبر عن مَثَل المنافقين، الخبرُ عن مَثَل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون - من اعتقاداتهم الرَّديئة، وخلطهم نفاقَهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر. والاستضاءَةُ - وإن اختلفت أشخاص أهلها - معنًى واحد، لا معانٍ مختلفة. فالمثل لها في معنى المثَل للشخص الواحد، من الأشياء المختلفة الأشخاص.
وتأويل ذلك: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد ﷺ وبما جاء به، قولا وهُم به مكذبون اعتقادًا، كمثَل استضاءة المُوقِد نارًا. ثم أسقط ذكر الاستضاءة، وأضيف المثَلُ إليهم، كما قال نابغةُ بني جَعْدَة:
وَكَيْفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْخِلالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ (١)
يريد: كخلالة أبي مَرْحب، فأسقط "خلالة"، إذ كان فيما أظهرَ من الكلام، دلالةٌ لسامعيه على ما حذف منه. فكذلك القول في قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)، لما كان معلومًا عند سامعيه بما أظهرَ من الكلام، أنّ المثلَ إنما ضُرِب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم - حَسُن حذفُ ذكر الاستضاءة، وإضافة المثل إلى أهله. والمقصود بالمثل ما ذكرنا. فلما وَصَفنا، جاز وحَسُنَ قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)، ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد، إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى.
وأما إذا أريدَ تشبيهُ الجماعة من أعيان بني آدم - أو أعيان ذوي الصور والأجسام، بشيء - فالصَّواب من الكلام تشبيهُ الجماعة بالجماعة، والواحدُ بالواحد، لأن عينَ كل واحد منهم غيرُ أعيان الآخرين.
ولذلك من المعنى، افترق القولُ في تشبيه الأفعال والأسماء. فجاز تشبيهُ أفعال الجماعة من الناس وغيرهم - إذا كانت بمعنى واحدٍ - بفعل الواحد،
(١) الشعر للنابغة الجعدي. اللسان (رحب) و (خلل). والخلة والخلالة: الصداقة المختصة التي ليس في علاقتها خلل. وأبو مرحب: كنية الظل، يريد أنها تزول كما يزول الظل، لا تبقى به مودة.
ثم حذف أسماء الأفعال وإضافة المثَل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل. فيقال: ما أفعالكم إلا كفِعل الكلب، ثم يحذف فيقال: ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب، - وأنت تعني: إلا كفعل الكلب، وإلا كفعل الكلاب. ولم يَجُزْ أن تقول: ما هم إلا نخلة، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطُّول والتمام.
وأما قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا)، فإنه في تأويل: أوقدَ، كما قال الشاعر:
وَدَاعٍ دَعَا:
يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَىفَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ (١)
يريد: فلم يُجبه. فكان معنى الكلام إذًا: مَثلُ استضاءة هؤلاء المنافقين - في إظهارهم لرسول الله ﷺ وللمؤمنين بألسنتهم، من قولهم: آمنَّا بالله وباليوم الآخر، وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به، وهم للكفر مستبطنون - فيما الله فاعل بهم (٢) مثل استضاءة موقِد نارٍ بناره، حتى أضاءت له النارُ ما حوله، يعني: ما حول المستوقِدِ.
وقد زعم بعضُ أهل العربية من أهل البصرة: أن"الذي" في قوله:"كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا" بمعنى الذين، كما قال جل ثناؤه: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [سورة الزمر: ٣٣]، وكما قال الشاعر:
فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْهُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (٣)
قال أبو جعفر: والقول الأول هو القول، لما وصفنا من العِلة. وقد أغفل قائل
(١) الشعر لكعب بن سعد الغنوي. الأصمعيات: ١٤، وأمالي القالي ٢: ١٥١، وهي من حسان قصائد الرثاء.
(٢) سياق عبارته: "مثل استضاءة هؤلاء... فيما الله فاعل بهم، مثل استضاءة.. ".
(٣) الشعر للأشهب بن رميلة. الخزانة ٢: ٥٠٧ - ٥٠٨، والبيان ٤: ٥٥، وسيبويه ١: ٩٦، والمؤتلف والمختلف للآمدي: ٣٣، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض، في كتابه"مختار أشعار القبائل". وروايته: "وإن الألى". ولا شاهد فيه. وهم يقولون إن النون حذفت من"الذين"، فصارت"الذي" لطول الكلام وللتخفيف، وهي بمعنى الجمع لا المفرد. وفلج: واد بين البصرة وحمى ضرية، كانت فيه هذه الوقعة التي ذكرها.
ذلك فرقَ ما بين"الذي" في الآيتين وفي البيت. لأن"الذي" في قوله:"والذي جاء بالصدق"، قد جاءت الدّلالة على أن معناها الجمع، وهو قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، وكذلك "الذي" في البيت، وهو قوله "دماؤهم". وليست هذه الدلالة في قوله:"كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا". فذلك فَرْق ما بين"الذي" في قوله:"كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا"، وسائر شواهده التي استشهد بها على أنّ معنى"الذي" في قوله:"كمثل الذي استوْقَدَ نَارًا" بمعنى الجماع. وغير جائز لأحد نقل الكلمة - التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى - إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها.
ثم اختلفت أهل التأويل في تأويل ذلك. فرُوِي عن ابن عباس فيه أقوال:
أحدها- ما:
٣٨٦- حدثنا به محمد بن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ضرب الله للمنافقين مَثلا فقال: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) أي يُبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خَرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكُفرهم ونفاقِهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق. والآخر- ما:
٣٨٧- حدثنا به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى آخر الآية: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلام، فيناكحُهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ، كما سلب صاحب النار ضَوءَه. (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) يقول: في عذاب.
والثالث: ما-
٣٨٨- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)، زَعم أنَّ أناسًا دخلوا في الإسلام مَقدَم النبي ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة فأوقد نارًا فأضاءت له ما حوله من قَذًى أو أذًى فأبصره حتى عرف ما يتَّقي، فبينا هو كذلك، إذ طَفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يتَّقي من أذًى. فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلالَ من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذْ كفَر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشرّ. وأما النُّور، فالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وكانت الظلمة نفاقهم. والآخر: ما-
٣٨٩- حدثني به محمد بن سعيد، قال: حدثني أبي سعيد بن محمد (١) قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى"فهم لا يرجعون"، ضرَبه الله مثلا للمنافق. وقوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) قال: أما النور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة، فهي ضلالتهُم وكفرهم يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدًى ثم نُزع منهم، فعتَوْا بعد ذلك.
وقال آخرون: بما-
٣٩٠- حدثني به بِشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)، وإن المنافقَ تكلم
(١) في المطبوعة"محمد بن سعيد"، "سعيد بن محمد". وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، ومن مراجع التراجم. وانظر شرح هذا السند مفصلا: ٣٠٥.
بلا إله إلا الله، فأضاءت له في الدنيا، فناكَح بها المسلمين، وغازي بها المسلمين (١)، ووارثَ بما المسلمين، وَحقن بها دَمه وماله. فلما كان عند الموت، سُلبها المنافق، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في علمه.
٣٩١- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله" هي: لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون.
٣٩٢- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني أبو تُميلة، عن عبيد بن سليمان (٢)، عن الضحاك بن مزاحم، قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله"، قال: أما النّور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمات، فهي ضلالتهم وكفرهم.
وقال آخرون بما:-
٣٩٣- حدثني به محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله"، قال: أما إضاءة النار، فإقبالهم إلى المؤمنين والهدَى; وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
(١) في المطبوعة: "وعاد بها المسلمين"، والصواب من المخطوطة وابن كثير في تفسيره، والدر المنثور، كما سيأتي في التخريج.
(٢) أبو تميلة، بضم التاء المثناة وفتح الميم: هو يحيى بن واضح الأنصاري المروزي الحافظ، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وهو ثقة، وثقه ابن معين وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم، ووهم أبو حاتم، إذ نسب إلى البخاري أنه ذكره في الضعفاء. وما كان ذلك، والبخاري ترجمه في الكبير ٤/٢/ ٣٠٩، فلم يذكر فيه جرحًا، ولم يذكره في كتاب الضعفاء الصغير. وقال الذهبي في الميزان ٣: ٣٠٥ حين ذكر كلام أبي حاتم: "فلم أر ذلك، ولا كان ذلك. فإن البخاري قد احتج به". ووقع في مطبوعة الطبري هنا"أبو نميلة" بالنون، وهو خطأ مطبعي. و"عبيد بن سليمان": هو الباهلي الكوفي أبو الحارث، ذكره ابن حبان في الثقات، وذكر ابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٨ أنه سأل عنه أباه، فقال: "لا بأس به".
٣٩٤- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حُذيفة، عن شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله"، أما إضاءة النار، فإقبالُهم إلى المؤمنين والهدَى; وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
٣٩٥- حدثني القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.
٣٩٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ضَرب مثلَ أهل النفاق فقال:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا"، قال: إنما ضوءُ النار ونورُها ما أوقَدَتها، فإذا خمدت ذهب نورُها. كذلك المنافق، كلما تكلّم بكلمة الإخلاص أضاءَ له، فإذا شك وقع في الظلمة.
٣٩٧- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد، في قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا" إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاءَ الإيمانُ في قلوبهم، كما أضاءَت النارُ لهؤلاء الذين استوقدوا، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون (١).
وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة، والضحاك، وما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وذلك: أن الله جلّ ثناؤه إنما ضرَب هذا المثل للمنافقين - الذين وَصَف صفتَهم وقص قصصهم، من لدُن ابتدأ بذكرهم بقوله:"ومن الناس مَنْ يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هُمْ بمؤمنين" - لا المعلنين بالكفر المجاهرين
(١) الأخبار ٣٨٦ - ٣٩٧: هذه الآثار السالفة جميعًا، وما سيأتي إلى قوله تعالى (فهم لا يرجعون) بالأرقام ٣٩٨ - ٤٠٤ ساقها ابن كثير ١: ٩٧ - ٩٩، والدر المنثور ١: ٣٢ - ٣٣، وفتح القدير ١: ٣٥.
بالشرْك (١). ولو كان المثل لمن آمنَ إيمانًا صحيحًا ثم أعلن بالكفر إعلانا صحيحًا - على ما ظنّ المتأول قولَ الله جل ثناؤه: (كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءَتْ ما حولَه ذهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) : أن ضوءَ النار مثلٌ لإيمانهم الذي كان منهم عندَهُ على صحةٍ، وأن ذهاب نورهم مثلٌ لارتدادهم وإعلانهم الكفر على صحة - لم يكن (٢). هناك من القوم خداعٌ ولا استهزاءٌ عند أنفسهم ولا نفاقٌ. وأنَّى يكون خداعٌ ونفاقٌ ممن لم يُبد لك قولا ولا فعلا إلا ما أوجبَ لك العلم بحاله التي هو لك عليها، وبعزيمة نفسه التي هو مقيم عليها؟ إنّ هذا بغير شَكّ من النفاق بَعيدٌ، ومن الخداع بريءٌ. وإذْ كان القومُ لم تكن لهم إلا حالتان (٣) : حالُ إيمان ظاهر، وحال كفر طاهر، فقد سقط عن القوم اسمُ النفاق. لأنهم في حال إيمانهم الصحيح كانوا مؤمنين، وفي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين. ولا حالةَ هناك ثالثةً كانوا بها منافقين.
وفي وَصْف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفاق، ما ينبئ عن أن القول غيرُ القول الذي زعمه من زَعم: أن القوم كانوا مؤمنين، ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه، إلا أنْ يكون قائلُ ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيمانهم الذي كانوا عليه، إلى الكفر الذي هو نفاق. وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَك صحته إلا بخبر مستفيض، أو ببعض المعاني الموجبة صحتَه. فأما في ظاهر الكتاب فلا دلالة على صحته، لاحتماله من التأويل ما هو أولى به منه.
فإذْ كان الأمر على ما وصفنا في ذلك، فأولى تأويلات الآية بالآية: مثل استضاءَة المنافقين - بما أظهروا بألسنتهم لرسول الله ﷺ من الإقرار به، وقولهم له وللمؤمنين: آمنَّا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، حتى حُكم لهم بذلك
(١) في المطبوعة: "أي، لا المعلنين"، وفي المخطوطة: "المعالنين بالكفر"، وسياق عبارته"إنما ضرب الله هذا المثل للمنافقين.. لا المعلنين بالكفر".
(٢) السياق: "ولو كان المثل لمن آمن إيمانًا صحيحًا.. لم يكن هنالك من القوم.. "
(٣) في المطبوعة: "فإن كان القوم... "، وهو خطأ.
في عاجل الدنيا بحكم المسلمين: في حَقن الدماء والأموال، والأمن على الذرية من السِّباء، وفي المناكحة والموارثة - كمثل استضاءة الموقِد النار بالنارَ، حتى إذا ارتفق بضيائها، وأبصرَ ما حوله مُستضيئًا بنوره من الظلمة، خَمدت النارُ وانطفأت، (١) فذهب نورُه، وعاد المستضيء به في ظلمة وَحيْرة.
وذلك أن المنافق لم يزل مستضيئًا بضوء القول الذي دَافع عنه في حَياته القتلَ والسِّباءَ، مع استبطانه ما كان مستوجبًا به القتلَ وسلبَ المال لو أظهره بلسانه - تُخيِّل إليه بذلك نفْسُه أنه بالله ورسوله والمؤمنين مستهزئ مخادعٌ، حتى سوّلت له نفسُه - إذْ وَرَد على ربه في الآخرة - أنه ناج منه بمثل الذي نجا به في الدنيا من الكذب والنفاق. أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذْ نعتهم، ثم أخبر خبرَهم عند ورودهم عليه: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [سورة المجادلة: ١٨]، ظنًّا من القوم أن نجاتهم من عذاب الله في الآخرة، في مثل الذي كان به نجاؤهم من القتل والسباء وسلب المال في الدنيا (٢) : من الكذب والإفك، وأنّ خداعهم نافعُهم هنالك نفعَه إياهم في الدنيا، حتى عايَنوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم في غرور وضلال، واستهزاء بأنفسهم وخداع، إذْ أطفأ الله نورَهم يوم القيامة، فاستنظروا المؤمنين ليقتبسوا من نورهم فقيل لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا واصلوْا سَعيرًا. فذلك حينَ ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، كما انطفأت نار المستوقِدِ النارَ بعد إضاءتها له، فبقي في ظلمته حيران تائهًا، يقول الله جل ثناؤه: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "حتى ارتفق بضيائها وأبصر ما حوله... حتى خمدت النار"، وهي عبارة مختلة، صوابها ما أثبتناه.
(٢) في المطبوعة: "كان به نجاتهم من القتل"، وهما سواء في المعنى.
مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [سورة الحديد: ١٣-١٥].
فإن قال لنا قائل: إنك ذكرتَ أنّ معنى قول الله تعالى ذكره"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت مَا حَوله": خَمدتْ وانطفأتْ، وليس ذلك بموجود في القرآن. فما دلالتك على أنّ ذلك معناه؟
قيل: قد قلنا إنّ من شأن العرب الإيجاز والاختصار، إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفتْ وتركتْ، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:
عَصَيْتُ إليهَا الْقَلْبَ، إِنِّي لأمرِهَاسَمِيعٌ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابها! (١)
يعني بذلك: فما أدري أرشدٌ طِلابُها أم غَيٌّ، فحذف ذكر"أم غيٌّ"، إذ كان فيما نطق به الدلالة عليها، وكما قال ذو الرمة في نعت حمير:
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ، أو حِينَ، نصَّبتْلَهُ مِن خَذَا آذَانِهَا وَهْو جَانح (٢)
(١) ديوان الهذليين ١: ٧١، وسيأتي في تفسير آية آل عمران: ١١٣ (٤: ٣٤ بولاق) ورواية الطبري للبيت في الموضعين لا يستقيم بها معنى، ورواية ديوانه: عَصَانِي إِلَيْهَا الْقَلْبُ إِنِّي لأَمْرِهِ
ويروى"دعاني إليها.. "، وهما روايتان صحيحتان. وتمام معنى البيت في الذي يليه: فَقُلْتُ لِقَلْبِي:
يَا لَكَ الْخَيْرُ! إِنَّمَايُدَلِّيكَ لِلْمَوْتِ الْجَدِيدِ حِبَابُهَا
فهو يؤامر قلبه، ولكنه أطاعه.
(٢) ديوانه: ١٠٨ وسيأتي في تفسير آية يونس: ٧٧ (١١: ١٠١ بولاق)، وآية سورة النبأ: ١٠ (٣٠: ٣ بولاق). يصف عانة حمر، وقفت ترقب مغيب الشمس، حتى إذا غربت انطلقت مسرعة إلى مورد الماء الذي تنوى إليه. وقوله: "لبسن الليل" يعني الحمر، حين غشيهن الليل وهن مترقبات مغيب الشمس. ونصبت: رفعت وأقامت آذانها. وخذيت الأذن خذًّا: استرخت من أصلها مقبلة على الخدين، وذلك يصيب الحمر في الصيف من حر الشمس والظمأ. ونصبت خذا آذانها، استعدادًا للعدو إلى الماء. وجنح الليل فهو جانح: أقبل، وهو من جنح الطائر: إذا كسر من جناحيه ثم أقبل كالواقع اللاجئ إلى موضع. وهو وصف جيد لإقبال الظلام من جانب الأفق. وأراد الطبري أن ذا الرمة أراد أن يقول: أو حين أقبل الليل، نصبت له من خذا آذانها، وهو جانح. ولا ضرورة توجب ما قال به من الحذف في هذا البيت.
يعني: أو حين أقبل الليل، في نظائر لذلك كثيرة، كرهنا إطالة الكتاب بذكرها. فكذلك قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله"، لمَّا كان فيه وفيما بعدَه من قوله:"ذهب الله بنورهم

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾
[ يقال : مثل ومثل ومثيل - أيضا - والجمع أمثال، قال الله تعالى :﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣](١).
وتقدير هذا المثل : أن الله سبحانه، شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتَأنَّس بها فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر ؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء(٢) المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع، والله أعلم.
وقد حكى هذا الذي قلناه فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي ثم قال : والتشبيه هاهنا في غاية الصحة ؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين.
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
والصواب : أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، رحمه الله، هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] ؛ فلهذا وجه [ ابن جرير ](٣) هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.
قال : وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال :﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي : كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى :﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وقال تعالى :﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقال بعضهم : تقدير الكلام : مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم : المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون : الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر :
وإن الذي حانت بفلج دماؤهمهم القوم كل القوم يا أم خالد(٤)
قلت : وقد التفت في أثناء المثل من الواحد(٥) إلى الجمع، في قوله تعالى :﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام، وقوله تعالى :﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي : ذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق، ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى سبل(٦) خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرا ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم ﴿عُمْيٌ﴾ في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى :﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه :
قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى :﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ زعم أن ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبيّ الله ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فأضاءت ما حوله من قذى، أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه(٧) فبينا(٨) هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق : كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، و[ عرف ](٩) الخير والشر، فبينا(١٠) هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر.
وقال مجاهد :﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾(١١) أما إضاءة النار فإقبالهم(١٢) إلى المؤمنين، والهدى.
وقال عطاء الخرساني في قوله :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال : هذا مثل المنافق، يبصر أحيانًا ويعرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب.
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن عكرمة، والحسن والسدي، والرّبيع بن أنس نحو قول عطاء الخرساني.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخر الآية، قال : هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا(١٣) ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال العوفي، عن ابن عباس، في هذه الآية، قال : أما النور : فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأمَّا الظلمة : فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى، ثمّ نزع منهم، فعتوا بعد ذلك.
وأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال : هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العِزّ، كما سُلِب صاحب النار ضَوءه.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص، بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.
وقال الضحاك [ في قوله ](١٤) ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ فهي(١٥) لا إله إلا الله ؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال سعيد، عن قتادة في هذه الآية : إن المعنى : أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت،
سلبها المنافق ؛ لأنه(١٦) لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله(١٧).
﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ يقول : في عذاب إذا ماتوا.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم(١٨) ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق.
وقال السدي في تفسيره بسنده :﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ فكانت الظلمة نفاقهم.
وقال الحسن البصري :﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ فذلك(١٩) حين يموت المنافق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق(٢٠) به قول : لا إله إلا الله(٢١). ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ قال السدي بسنده :﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ فهم خرس عمي(٢٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يقول : لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه، وكذا قال أبو العالية، وقتادة بن دعامة.
﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ قال ابن عباس : أي لا يرجعون إلى هدى، وكذلك(٢٣) قال الرّبيع بن أنس.
وقال السدي بسنده :﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ إلى الإسلام.
وقال قتادة :﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يتوبون(٢٤) ولا هم يذكرون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا : مؤمنون خُلّص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفار خلص، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون، وهم قسمان : خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لُمَعٌ من الإيمان وتارة يخبو(١٥) وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه(١٦) من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن(١٧) وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور، بالمصباح(١٨) في الزجاجة التي كأنها كوكب دُرّي، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.
ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب، في قوله :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٣٩].
ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط، وهم الذين قال [ الله ](١٩) فيهم :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين : داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣].
وقال بعده :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨](٢٠) وقد قسم الله(٢١) المؤمنين في أول الواقعة وآخرها(٢٢) وفي سورة الإنسان، إلى قسمين : سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.
فتلخص(٢٣) من مجموع هذه الآيات الكريمات : أن المؤمنين صنفان : مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان : دعاة ومقلدون، وأن المنافقين - أيضًا - صنفان : منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي ﷺ :«ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعها : من إذا حَدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»(٢٤).
استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق. إما عَمَلي لهذا الحديث، أو اعتقادي، كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء، كما تقدم، وكما سيأتي، إن شاء الله. قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان، عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد، قال : قال رسول الله ﷺ :«القلوب أربعة : قلب أجرد، فيه مثل السراج يُزْهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مُصَفَّح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة، يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم، فأي المدّتين(٢٥) غلبت على الأخرى غلبت عليه»(٢٦). وهذا إسناد جيد حسن.
وقوله :﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى :﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال : لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ابن عباس(٢٧) أي إنّ الله على كل ما أراد بعباده من نقمة، أو عفو، قدير.
وقال ابن جرير : إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، و[ أنه ](٢٨) على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾ قادر، كما أن معنى ﴿عَلِيمٌ﴾ عالم.
[ وذهب ابن جرير الطبري ومن تبعه من كثير من المفسرين أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون " أو " في قوله تعالى :﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بمعنى الواو، كقوله تعالى :﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أو تكون للتخبير، أي : اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، قاله القرطبي. أو للتساوي مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري : أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله : سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.
قلت : وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة - ومنهم - ومنهم - ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى أن قال :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ الآية [النور: ٣٩، ٤٠]، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب ](٢٩).


١ زيادة من جـ، ط..
٢ في جـ: "هم".
.

٣ زيادة من و..
٤ البيت للأشهب بن رميلة، كما في اللسان، مادة "فلج"..
٥ في جـ، ط، ب، أ، و: "الوحدة"..
٦ في طـ، ب: "سبيل"..
٧ في جـ، ط، ب: "منها"..
٨ في أ، و: "فبينما"..
٩ زيادة من جـ..
١٠ في أ، و: "فبينما"..
١١ في جـ: "ما حوله ذهب الله بنورهم"..
١٢ في جـ، ط، ب: "فإقباله"..
١٣ في جـ: "استوقد نارا"..
١٤ زيادة من جـ، ط، ب..
١٥ في جـ: "فهو".
.

١٦ في جـ: "لأنها"..
١٧ في جـ: "علمه"..
١٨ في جـ: "طعنوا بكفرهم به"..
١٩ في جـ: "فبذلك"..
٢٠ في جـ: "يصدقه"..
٢١ في طـ، ب، و: "إلا هو"..
٢٢ في جـ: "عمي خرس"..
٢٣ في جـ، ط، ب، أ: "وكذا"..
٢٤ في جـ: "لا يؤمنون".
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾
[يُقَالُ: مَثَلٌ وَمِثْلٌ وَمَثِيلٌ -أَيْضًا-وَالْجَمْعُ أَمْثَالٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٣] (١).
وَتَقْدِيرُ هَذَا الْمَثَلِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، شبَّههم فِي اشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَصَيْرُورَتِهِمْ بَعْدَ التَّبْصِرَةِ إِلَى الْعَمَى، بِمَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ وَانْتَفَعَ بِهَا وَأَبْصَرَ بِهَا مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وتَأنَّس بِهَا فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ طُفِئَتْ نَارُهُ، وَصَارَ فِي ظَلَامٍ شَدِيدٍ، لَا يُبْصِرُ وَلَا يَهْتَدِي، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ، أَبْكَمُ لَا يَنْطِقُ، أَعْمَى لَوْ كَانَ ضِيَاءً لَمَا أَبْصَرَ؛ فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ (٢) الْمُنَافِقُونَ فِي اسْتِبْدَالِهِمُ الضَّلَالَةَ عِوَضًا عَنِ الْهُدَى، وَاسْتِحْبَابِهِمُ الغَيّ عَلَى الرّشَد. وَفِي هَذَا الْمَثَلِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ حَكَى هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ السُّدِّيِّ ثُمَّ قَالَ: وَالتَّشْبِيهُ هَاهُنَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ بِإِيمَانِهِمُ اكْتَسَبُوا أَوَّلًا نُورًا ثُمَّ بِنِفَاقِهِمْ ثَانِيًا أَبْطَلُوا ذَلِكَ النُّورَ فَوَقَعُوا فِي حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ فَإِنَّهُ لَا حَيْرَةَ أَعْظَمُ مِنْ حَيْرَةِ الدِّينِ.
وَزَعَمَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمَضْرُوبَ لَهُمُ الْمَثَلُ هَاهُنَا لَمْ يُؤْمِنُوا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨].
وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْهُمْ فِي حَالِ نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنَّهُ كَانَ حَصَلَ لَهُمْ إِيمَانٌ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سُلبوه وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرِ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، هذه الآية هاهنا وهي
(١) زيادة من جـ، ط.
(٢) في جـ: "هم".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٣] ؛ فَلِهَذَا وَجَّهَ [ابْنُ جَرِيرٍ] (١) هَذَا الْمَثَلَ بِأَنَّهُمُ استضاؤوا بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ كَلِمَةِ الْإِيمَانِ، أَيْ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أَعْقَبَهُمْ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: وَصَحَّ ضَرْبُ مَثَلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، كَمَا قَالَ: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١٩] أَيْ: كَدَوَرَانِ عَيْنَيِ الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الْجُمُعَةِ: ٥]، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: مَثَلُ قِصَّتِهِمْ كَقِصَّةِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُسْتَوْقِدُ وَاحِدٌ لِجَمَاعَةٍ مَعَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي هَاهُنَا بِمَعْنَى الَّذِينَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْهُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (٢)
قُلْتُ: وَقَدِ الْتَفَتَ فِي أَثْنَاءِ الْمَثَلِ مِنَ الْوَاحِدِ (٣) إِلَى الْجَمْعِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ وَهَذَا أَفْصَحُ فِي الْكَلَامِ، وَأَبْلَغُ فِي النِّظَامِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أَيْ: ذَهَبَ عَنْهُمْ مَا يَنْفَعُهُمْ، وَهُوَ النُّورُ، وَأَبْقَى لَهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ، وَهُوَ الْإِحْرَاقُ وَالدُّخَانُ ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وَهُوَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشَّكِّ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى سُبُلِ (٤) خَيْرٍ وَلَا يَعْرِفُونَهَا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ ﴿صُمٌّ﴾ لَا يَسْمَعُونَ خَيْرًا ﴿بُكْمٌ﴾ لَا يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ ﴿عُمْيٌ﴾ فِي ضَلَالَةِ وَعَمَايَةِ الْبَصِيرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الْحَجِّ: ٤٦] فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُونَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْهِدَايَةِ الَّتِي بَاعُوهَا بِالضَّلَالَةِ.
ذِكْرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ:
قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ زَعَمَ أَنَّ نَاسًا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ مَقْدَم نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ نَافَقُوا، فَكَانَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رجُل كَانَ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَوْقَدَ نَارًا، فَأَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ مِنْ قَذَى، أَوْ أَذَى، فَأَبْصَرَهُ حَتَّى عَرَفَ مَا يَتَّقِي مِنْهُ (٥) فَبَيْنَا (٦) هُوَ كَذَلِكَ إِذْ طَفِئَتْ نَارُهُ، فَأَقْبَلَ لَا يَدْرِي مَا يَتَّقِي مِنْ أَذَى، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ: كَانَ فِي ظُلْمَةِ الشِّرْكِ فَأَسْلَمَ، فَعَرَفَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَ [عَرَفَ] (٧) الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَبَيْنَا (٨) هُوَ كَذَلِكَ إِذْ كَفَرَ، فصار لا يعرف الحلال من
(١) زيادة من و.
(٢) البيت للأشهب بن رميلة، كما في اللسان، مادة "فلج".
(٣) في جـ، ط، ب، أ، و: "الوحدة".
(٤) في طـ، ب: "سبيل".
(٥) في جـ، ط، ب: "منها".
(٦) في أ، و: "فبينما".
(٧) زيادة من جـ.
(٨) في أ، و: "فبينما".
الْحَرَامِ، وَلَا الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ (١) أَمَّا إِضَاءَةُ النَّارِ فإقبالهم (٢) إلى المؤمنين، والهدى.
وقال عطاء الخرساني فِي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قَالَ: هَذَا مَثَلُ الْمُنَافِقِ، يُبْصِرُ أَحْيَانًا وَيَعْرِفُ أَحْيَانًا، ثُمَّ يُدْرِكُهُ عَمَى الْقَلْبِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ، والرّبيع بن أنس نحو قول عطاء الخرساني.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: هَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ. كَانُوا قَدْ آمَنُوا حَتَّى أَضَاءَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، كَمَا أَضَاءَتِ النَّارُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا (٣) ثُمَّ كَفَرُوا فَذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ فَانْتَزَعَهُ، كَمَا ذَهَبَ بِضَوْءِ هَذِهِ النَّارِ فَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: أَمَّا النُّورُ: فَهُوَ إِيمَانُهُمُ الَّذِي كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، وأمَّا الظُّلْمَةُ: فَهِيَ ضَلَالَتُهُمْ وَكُفْرُهُمُ الَّذِي كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، وَهُمْ قَوْمٌ كَانُوا عَلَى هُدًى، ثُمَّ نُزِعَ مِنْهُمْ، فَعَتَوْا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ فَيُشْبِهُ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَزُّونَ بِالْإِسْلَامِ، فَيُنَاكِحُهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَيُوَارِثُونَهُمْ وَيُقَاسِمُونَهُمُ الْفَيْءَ، فَلَمَّا مَاتُوا سَلَبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ العِزّ، كَمَا سُلِب صَاحِبَ النَّارِ ضَوءه.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فَإِنَّمَا ضَوْءُ النَّارِ مَا أَوْقَدْتَهَا، فَإِذَا خَمَدَتْ ذَهَبَ نُورُهَا، وَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، كُلَّمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَضَاءَ لَهُ، فَإِذَا شَكَّ وَقَعَ فِي الظُّلْمَةِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ [فِي قَوْلِهِ] (٤) ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أَمَّا نُورُهُمْ فَهُوَ إِيمَانُهُمُ الَّذِي تَكَلَّمُوا بِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ فَهِيَ (٥) لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ أَضَاءَتْ لَهُمْ فَأَكَلُوا بِهَا وَشَرِبُوا وَأَمِنُوا فِي الدُّنْيَا، وَنَكَحُوا النِّسَاءَ، وَحَقَنُوا دِمَاءَهُمْ، حَتَّى إِذَا مَاتُوا ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ الْمُنَافِقَ تَكَلَّمَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَأَضَاءَتْ لَهُ الدُّنْيَا، فَنَاكَحَ بِهَا الْمُسْلِمِينَ، وَغَازَاهُمْ بِهَا، وَوَارَثَهُمْ بِهَا، وَحُقِنَ بِهَا دَمُهُ وماله، فلما كان عند الموت،
(١) في جـ: "ما حوله ذهب الله بنورهم".
(٢) في جـ، ط، ب: "فإقباله".
(٣) في جـ: "استوقد نارا".
(٤) زيادة من جـ، ط، ب.
(٥) في جـ: "فهو".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم ذكر مثلهم الكاشف لها غاية الكشف، فقال :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
أي : مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا، أي : كان في ظلمة عظيمة، وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره، ولم تكن عنده معدة، بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله، ونظر المحل الذي هو فيه، وما فيه من المخاوف وأمنها، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك، إذ ذهب الله بنوره، فذهب عنه النور، وذهب معه السرور، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة، فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة : ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، والظلمة الحاصلة بعد النور، فكيف يكون حال هذا الموصوف ؟ فكذلك هؤلاء المنافقون، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين، ولم تكن صفة لهم، فانتفعوا بها(١)  وحقنت بذلك دماؤهم، وسلمت أموالهم، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك(٢)  إذ هجم عليهم الموت، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب، وحصل لهم ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظُلَمُ(٣)  المعاصي على اختلاف أنواعها، وبعد ذلك ظلمة النار [ وبئس القرار ]. فلهذا قال تعالى [ عنهم ] :﴿صُمٌّ﴾
١ - في ب: ما استضاءوا بها مؤقتا وانتفعوا فحقنت..
٢ - في ب: هم كذلك..
٣ - في ب: وظلمة..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٧ - ٢٠} ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا، أي: كان في ظلمة عظيمة، وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره، ولم تكن عنده معدة، بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله، ونظر المحل الذي هو فيه، وما فيه من المخاوف وأمنها، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك، إذ ذهب الله بنوره، فذهب عنه النور، وذهب معه السرور، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة، فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، والظلمة الحاصلة بعد النور، فكيف يكون حال هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين، ولم تكن صفة لهم، فانتفعوا بها (١) وحقنت بذلك دماؤهم، وسلمت أموالهم، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك (٢) إذ هجم عليهم الموت، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب، وحصل لهم ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلم (٣) المعاصي على اختلاف أنواعها، وبعد ذلك ظلمة النار [وبئس القرار].
فلهذا قال تعالى [عنهم] :﴿صُمٌّ﴾ أي: عن سماع الخير، ﴿بُكْمٌ﴾ [أي] : عن النطق به، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعا منهم.
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: أو مثلهم كصيب، أي: كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل بكثرة، ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمات المطر، ﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو الضوء [اللامع] المشاهد مع (٤) السحاب.
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ البرق في تلك الظلمات ﴿مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: وقفوا.
فهكذا حال (٥) المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعده ووعيده، فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، ويجعل (٦) أصابعه في أذنيه (٧) خشية الموت، فهذا تمكن له (٨) السلامة. وأما المنافقون فأنى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم، قدرة وعلما فلا يفوتونه ولا يعجزونه، بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها أتم الجزاء.
ولما كانوا مبتلين بالصمم، والبكم، والعمى المعنوي، ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ أي: الحسية، ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية، ليحذروا، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا معارض.
(١) في ب: ما استضاءوا بها مؤقتا وانتفعوا فحقنت.
(٢) في ب: هم كذلك.
(٣) في ب: وظلمة.
(٤) في ب: من.
(٥) في ب: حالة.
(٦) في ب: فيجعل.
(٧) كذا في ب، وفي أ: أذنه.
(٨) في ب: ربما حصلت له.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
أي أوقد مثل استجاب بمعنى أجاب، وقيل: هو على بابه وهو استدعاء الإيقاد. والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النّظير. ويقال: مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول السائر: المثل مضربه بمورده مثل، والمراد به هنا الصفة. والنار: جوهر لطيف مضيء حار محرق، واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطرابا.
فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
لمّا: كلمة تدل على وجود شيء لوجود غيره.وأضاءت وضاءت لغتان بمعنى.ويجوز في «ما» أن تكون موصولة، وأن تكون نكرة موصوفة، وأن تكون صلة.وحول الشيء: ما دار من جوانبه. وتأليفه للدوران والإطافة.
ذَهَبَ
الذّهاب بالمرور أو الزّوال أو الإبطال، تفسيرات.والإذهاب: الحمل عليه، وكذلك الذّهاب به.
بِنُورِهِمْ
النور: الضوء النّور: نقيض الظّلمة، واشتقاقه من النّار.
وَتَرَكَهُمْ
يجوز أن يكون ترك بمعنى صيّر، وأن يكون بمعنى طرح وخلّى.
فِي ظُلُماتٍ
جمع ظلمة، وهي مرض ينافي النّور. وقيل:عدم النّور وكذلك الظّلام، واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا، أي ما منعك وما شغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرّؤية.

إعراب الآية ١٧ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة البقرة (٢) : آية ١٧]

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)
ابتداء. كَمَثَلِ الَّذِي خبره والكاف بمعنى مثل والَّذِي خفض بالإضافة.
اسْتَوْقَدَ ناراً صلته. فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ «ما» : في موضع نصب بمعنى الذي وكذا إن كانت نكرة إلّا أنّ النعت يلزمها إذا كانت نكرة وإن كانت زائدة فلا موضع لها.
وحَوْلَهُ: ظرف مكان والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وأذهب نورهم بمعنى واحد. وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ وقرأ أبو السّمال وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ «١» بإسكان اللام حذف الضمة لثقلها، ومن أثبتها فللفرق بين الاسم والنعت، ويقال:
«ظلمات» بفتح اللام. قال البصريون: أبدل من الضمة فتحة لأنّها أخفّ، وقال الكسائي: ظلمات جمع الجمع جمع ظلم: لا يُبْصِرُونَ فعل مستقبل في موضع الحال.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٨]

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)
على إضمار مبتدأ أي هم صمّ: بُكْمٌ عُمْيٌ وفي قراءة عبد الله «٢» وحفصة «٣» صمّا بكما عميا «٤» لأنّ المعنى وتركهم غير مبصرين صما بكما عميا، ويكون أيضا بمعنى أعني.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٩]

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩)
الأصل عند البصريين «٥» صيوب ثم أدغم مثل ميّت، وعند الكوفيين الأصل صويب ثم أدغم ولو كان كما قالوا لما جاز إدغامه كما لا يجوز إدغام طويل. وجمع صيّب صيايب والتقدير في العربية: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو كمثل صيب. فِيهِ ظُلُماتٌ ابتداء. وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ معطوف عليه. يَجْعَلُونَ مستأنف وإن شئت كان حالا من الهاء التي في «فيه» فإن قيل: كيف يكون حالا ولم يعد على الهاء شيء؟ فالجواب أنّ
(١) انظر المحتسب ١/ ٥٦، ومختصر ابن خالويه (٢).
(٢) عبد الله بن مسعود بن الحارث الهذلي، أحد السابقين للإسلام والبدريين، عرض القرآن على النبي صلّى الله عليه وسلّم (ت ٣٢ هـ). ترجمته في غاية النهاية ١/ ٤٥٨.
(٣) حفصة بنت عمر بن الخطاب، جليلة، من أزواج الرسول صلّى الله عليه وسلّم. روى لها البخاري ومسلم في الصحيحين (ت ٤٥ هـ). ترجمتها في الإصابة تر (٢٩٦) ج ٤/ ٢٧٣.
(٤) انظر مختصر ابن خالويه (٢)، ومعاني الفراء ١/ ٦.
(٥) انظر الإنصاف مسألة ١١٥، والبحر المحيط ١/ ٢١٨. [.....]
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٧ من سورة البقرة

٤ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢١ قولًا
١
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآية، قال: إنّ أُناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَمَ النبي - ﷺ - المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مَثَلُهم كمَثَل رجل كان في ظُلْمة، فأوقد نارًا، فأضاءت له ما حوله من قَذًى أو أذًى، فأبصره حتى عرف ما يتَّقِي، فبينا هو كذلك إذ طُفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يَتَّقي من أذى، فكذلك المنافق، كان في ظلمة الشرك، فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر؛ فهم صُمٌّ بُكْمٌ، فَهُمُ الخُرْس، فهُم لا يرجعون إلى الإسلام، وأما النور فالإيمان بما جاء به محمد - ﷺ -، وكانت الظلمة نفاقهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨، ٣٤٨ - ٣٤٩.
٢
وعن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٥١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآية، قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمنافقين أنّهم كانوا يَعْتَزُّون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفَيْء، فلما ماتوا سَلَبَهم الله ذلك العِزَّ، كما سلب صاحب النار ضوءَه، ﴿وتركهم في ظلمات﴾ يقول: في عذاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٣٣٧، وابن أبي حاتم ١/ ٥٠، ٥٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والصابوني في كتاب المائتين.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾، قال: ضربه الله مَثَلًا للمنافق. وقوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، قال: أمّا النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظُّلْمَة فهي ضلالتهم وكفرهم الذي يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هُدًى، ثم نُزِع منهم، فعَتَوْا بعد ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٣٣٨.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآية، قال: ضرب الله مَثَلًا للمنافقين، يُبْصِرون الحق، ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظُلْمَة الكفر أطْفَئُوه بكفرهم ونفاقهم، فتركهم فيظلمات الكفر، فهم لا يُبصرون هُدًى، ولا يستقيمون على حق١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٢ -، وابن جرير ١/ ٣٣٦، وابن أبي حاتم ١/ ٥٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ تيمية (١/ ١٦٢) مستندًا إلى دلالة السُّنَّة، وأقوال السّلف أنّ هذا المَثَل هو لمن كان فيهم آمَنَ ثم كفر، فقال: «وهؤلاء الذين يُعْطَوْن في الآخرة نورًا ثم يطفأ، ولهذا قال: ﴿فهم لا يرجعون﴾ إلى الإسلام في الباطن، وقال قتادة ومقاتل: لا يرجعون عن ضلالهم. وقال السدي: لا يرجعون إلى الإسلام. يعني: في الباطن، وإلا فهم يظهرونه، وهذا المثل إنما يكون في الدنيا». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (١/ ٢٩٦). وما رجَّحاه انتقده ابنُ جرير (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لو كان المَثَل لِمَن آمن إيمانًا صحيحًا ثم أعلن بالكفر إعلانًا صحيحًا، لم يكن هناك من القوم خداع ولا استهزاء عند أنفسهم ولا نفاق، وإذ كان القوم لم تكن لهم إلا حالتان: حال إيمان ظاهر، وحال كفر ظاهر، فقد سقط عن القوم اسم النفاق؛ لأنهم في حال إيمانهم الصحيح كانوا مؤمنين، وفي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين، ولا حالة هناك ثالثة كانوا بها منافقين، وفي وصف الله -جلَّ ثناؤُه- إياهم بصفة النفاق ما يُنبِئُ عن أنّ القول غير القول الذي زعمه من زعم: أنّ القوم كانوا مؤمنين، ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه، إلا أن يكون قائل ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيمانهم الذي كانوا عليه إلى الكفر الذي هو نفاق. وذلك قول إن قاله لم تدرك صحته إلا بخبر مستفيض، أو ببعض المعاني الموجبة صحته، فأما في ظاهر الكتاب فلا دلالة على صحته، لاحتماله من التأويل ما هو أولى به منه». ونقل ابن عطية (١/ ١٣٥) قولين آخرين، فقال: «وقالت فرقة: إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار، وانصرافهم إلى مردتهم، وارتكاسهم عندهم كذهابها. وقالت فرقة: إن المنافقين كانوا عند رسول الله - ﷺ - والمؤمنين في منزلة بما أظهروه، فلما فضحهم الله، وأعلم بنفاقهم، سقطت المنزلة، فكان ذلك كله بمنزلة النار وانطفائها».
٦
عن سعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، وعطاء: نزلت في اليهود، وانتظارهم خروج النبي - ﷺ -، وإيمانهم به، واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلمّا خرج كفروا به، وذلك بأنّ قريظة والنضير و[بني] قَيْنُقاع قَدِموا من الشام إلى يثرب، حتى انقطعت النُّبُوَّة من بني إسرائيل، وأَفْضَت إلى العرب، فدخلوا المدينة يشهدون لمحمد - ﷺ - بالنبوة، وأنّ أمّته خير الأمم، وكان يغشاهم رجل من بني إسرائيل يُقال له: عبد الله بن هَيْبان -قبل أن يُوحى إلى رسول الله - ﷺ -- كلّ سنة، فيَعِظُهم على طاعة الله تعالى، وإقامة التوراة، والإيمان بمحمد - ﷺ - رسولًا إذا خرج: فلا تَفَرَّقوا عنه، وانصروه، وقد كنت أطْمَع أن أُدْرِكَه. ثمّ مات قبل خروج النبي - ﷺ -، فقَبِلُوا منه، ثم لَمّا خرج رسول الله - ﷺ - كَفَرُوا به، فضرب الله لهم هذا المَثَل١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٦٠، وتفسير البغوي ١/ ٦٩ مختصرًا عن عطاء، ومحمد بن كعب.
٧
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾، قال: هذا مَثَل ضربه الله للمنافق، إنّ المنافق تكلم بـ «لا إله إلا الله»، فناكَح بها المسلمين، ووارَث بها المسلمين، وعادَّ بها المسلمين، وحَقَن بها دمَه ومالَه، فلمّا كان عند الموت لم يكن لها أصلٌ في قلبه، ولا حقيقة في عمله، فسُلِبها المنافق عند الموت، فتُرِك في ظُلُماتٍ وعمًى، يَتَسَكَّع فيها كما كان أعمى في الدنيا عن حق الله وطاعته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٣٣٩، وعبد الرزاق ١/ ٣٩ بنحوه من طريق معمر، وكذا ابن جرير ١/ ٣٣٩، وابن أبي حاتم ١/ ٥١ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن الضحّاك، ومقاتل، نحوه١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٦٠، وتفسير البغوي ١/ ٦٨.
٩
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: ضَرب مثلَ أهل النفاق، فقال: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾، قال: إنما ضوءُ النار ونورُها ما أوقَدْتَها، فإذا خمدت ذهب نورُها. كذلك المنافق، كلما تكلّم بكلمة الإخلاص أضاءَ له، فإذا شك وقع في الظلمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٣٤٠.
١٠
عن عطاء الخراساني -من طريق أبي شيبة شعيب بن رزيق- في قوله: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا﴾، قال: هذا مَثَل المنافق، يُبصِر أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٥٠.
١١
وعن عكرمة، والحسن، نحوه١٢
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٥٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) مستندًا إلى الدلالات العقلية الآثارَ الدالَّة على أن المراد بالنور في المثل ما حصل في الدنيا للمنافقين من حقن دمائهم وأموالهم، وسائر وجوه الانتفاع كالمناكحة والموارثة إلخ، مُعَلِّلًا ذلك بقوله: «وذلك أن الله -جلَّ ثناؤُه- إنّما ضرب هذا المَثَل للمنافقين الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾، لا للمُعالِنين بالكفر المجاهرين بالشرك، ولو كان المَثَل لمن آمن إيمانًا صحيحًا ثم أعلن بالكفر إعلانًا صحيحا... لم يكن هناك من القوم خداع ولا استهزاء عند أنفسهم ولا نفاق... وإن كان القوم لم تكن لهم إلا حالتان: حال إيمان ظاهر، وحال كفر ظاهر، فقد سقط عن القوم اسم النفاق». وما رجَّحه ابنُ جرير انتقده ابنُ تيمية (١/ ١٦٢ - ١٦٤) مستندًا إلى مخالفته دلالة ألفاظ الآية، فقال بقوله: «وأما قول من قال: المراد بالنور: ما حصل في الدنيا من حقن دمائهم وأموالهم، فلفظ الآية يدل على خلاف ذلك، فإنه قال: ﴿وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾، ويوم القيامة يكونون في العذاب، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ولَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أنفُسَكُمْ﴾ الآية [الحديد: ١٣ - ١٤]، وقد قال غير واحد من السلف: إنّ المنافق يُعْطى يوم القيامة نورًا ثم يُطْفَأ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا﴾ [التحريم: ٨]. قال المفسرون: إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله أن يتم لهم نورهم، ويبلغهم به الجنة... ، فلهذا أُعْطُوا نورًا ثم طَفِئ؛ لأنهم في الدنيا دخلوا في الإيمان ثم خرجوا منه؛ ولهذا ضرب الله لهم المثل بذلك، وهذا المثل هو لمن كان فيهم آمن ثم كفر، وهؤلاء الذين يعطون في الآخرة نورًا ثم يُطْفَأ، ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾». وقد انتَقَد ابنُ كثير (١/ ٢٩٦) ترجيحَ ابن جرير بقوله: «وزعم ابنُ جرير أنّ المضروب لهم المثل هاهنا لم يُؤْمِنُوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨]. والصواب: أنّ هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير؟ هذه الآية هاهنا، وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]؛ فلهذا وجَّه ابنُ جرير هذا المَثَل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي: في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة».
١٢
قال يحيى بن سلّام: قال الحسن: يعني: مَثَلُهم كمَثَل رجل يمشي في ليلة مظلمة، في يده شُعْلَة من نار، فهو يُبْصِر بها موضع قدميه، فبينما هو كذلك إذ أُطْفِئَت ناره؛ فلم يُبْصِر كيف يمشي، وإنّ المنافق تكلم بقول: لا إله إلا الله؛ فناكح بها المسلمين، وحَقَن دمه وماله، فلمّا كان عند الموت سلبه الله إياها. قال يحيى: لأنه لم يكن لها حقيقة في قلبه١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٢٤ -.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ثم ضرب الله للمنافقين مَثَلًا، فقال - عز وجل -: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله﴾، طَفِئت ناره، يقول الله - عز وجل -: مَثَل المنافق إذا تَكَلَّم بالإيمان كان له نور بمنزلة المستوقِد نارًا يمشي بضوئها ما دامت ناره تَتَّقِد، فإذا ترك الإيمان كان في ظُلْمَة كظُلْمَة من طَفِئَت نارُه؛ فقام لا يهتدي ولا يُبْصِر، فذلك قوله سبحانه: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، يعني: بإيمانهم، نظيرها في سورة النور: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾، يعني به: الإيمان، وقال سبحانه في الأنعام: ﴿وجعلنا له نورا يمشي به في الناس﴾، يعني: يهتدي به الذين تكلموا به١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩١ - ٩٢.
١٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿كمثل الذي استوقد نارًا﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاءَ الإيمانُ في قلوبهم، كما أضاءَت النارُ لهؤلاء الذين استوقدوا، ثم كفروا، فذهب الله بنورهم، فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٣٤١.
١٥
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾، قال: فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص -بلا إله الا الله- أضاء له، فإذا شَكَّ وقع في الظُّلْمَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٥٠ (١٥٩).
١٦
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّاأضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾، قال: أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهُدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى الكافرين والضلالة، وإضاءة البرق وإظلامه على نحو ذلك المثل١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص ١٩٧، وأخرجه ابن جرير ١/ ٣٤٠، وابن أبي حاتم ١/ ٥١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٧
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾، قال: أما النّور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمات فهي ضلالتهم وكفرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٣٣٩، وابن أبي حاتم ١/ ٥١ - ٥٢ من طريق علي بن الحكم.
١٨
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- ﴿وتركهم في ظلمات﴾، قال: هم أهل النار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٥٢ (١٦٦).
١٩
قال الضحاك: لَمّا أضاءت النارُ أرسل الله عليها ريحًا عاصِفًا، فأطفأها، فكذلك اليهود كُلَّما أوقدوا نارًا لحرب محمد - ﷺ - أطفأها الله١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٦١.
٢٠
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- في قوله: ﴿وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾، قال: فذلك حين يموت المنافق، فيُظْلِم عليه عملُه؛ عملُ السوء، فلا يجد له عملًا من خيرٍ عَمِلَ به يَصْدُقُ به قولَ: لا إله إلا هو١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٥٢ (١٧٠).
٢١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وتركهم في ظلمات﴾ يعني: الشرك، ﴿لا يبصرون﴾ الهُدى. ثم نعتهم فقال سبحانه: ﴿صم بكم عمي﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٩٢.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٧ من سورة البقرة

٤٠ وقفةً في هذه الآية

  • "ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون" بعضهم يتعجب من عدم تعجيل العقوبة للمنافقين وما درى أن أعظم عقوبة لهم حرمانهم من نور الهداية.

    — عبدالله بلقاسم

  • {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم} : "لم يقل ذهب بنارهم، لان فيها الإشراق والإحراق فذهب بالإشراق وأبقى عليهم الإحراق".

    — فوائد القرآن

  • " كمثل الذي استوقد نارا " " استوقد " الألف والسين والتاء للطلب فهذه النار مستعارة كما كان الإيمان المدّعى مستعاراً ولم يكن نابعاً من دواخلهم.

    — ابو حمزة الكناني

  • (ذهب الله بنورهم وتركهم!) هذه قصة المنتكس باختصار.

    — وليد العاصمي

  • الأمثال المضروبة في القرآن قسمان: قسم يصرح فيه بتسميته مثلًا، كقوله: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا)، وقسم لا يصرح فيه باسم المثل: كقوله تعالى: ﱹ3 4 5ﱸ في ثلاثة مواضع من القرآن، وكقول يوسف: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) (يوسف).

    — ابن تيمية

  • في قوله تعالى: (ظلمات ورعد وبرق) جمع الظلمات، وأفرد الرعد والبرق! إن المقتضى للرعد والبرق واحد وهو: السحاب، والمقتضى للظلمة متعدد وهو: الليل والسحاب والمطر؛ فجمع لذلك.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • تأمل في قوله تعالى عن المنافقين: (ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) كيف قال: (بنورهم) فجعله واحدًا، ولما ذكر (ظلمات) جمعها؛ لأن الحق واحد -وهو الصراط المستقيم- بخلاف طرق الباطل، فإنها متعددة متشعبة؛ ولهذا يفرد الله الحق ويجمع الباطل كقوله: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) .

    — ابن قيم الجوزية (ابن القيم)

  • قال:(بنورهم) ولم يقل: (بنارهم)؛ لأن النار فيها الإحراق والإشراق، فذهب بما فيه الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيه الأذى والإحراق، وكذلك حال المنافقين! ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم.

    — ابن قيم الجوزية (ابن القيم)

  • "ذهب الله بنورهم.." نور القلب بيد الله لا بيد أحد غيره.. فاطلبه في طاعة الله تجده..

    — محاسن التاويل

  • تطبيقات تدبرية سورة البقرة أية 17

    — عائض القرني

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 17 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سورة البقرة (17)

    — محمد الربيعة

و٢٨ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٧ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(17) Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allāh took away their light and left them in darkness [so] they could not see.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال