فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿مثلهُمْ﴾ مرتفع بالابتداء، وخبره إما الكاف في قوله ﴿كَمَثَلِ﴾ لأنها اسم : أي مثل، مثل كما في قول الأعشى :
أتنتهون ولن تنهى ذوى شططكالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
وقول امرئ القيس :
ورحنا بِكَابنِ الماء يجنب وسطناتصوّب فيه العين طوراً وترتقي
أراد مثل الطعن وبمثل ابن الماء، ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً، أي مثلهم مستنير كمثل، فالكاف على هذا حرف. والمثل : الشبه، والمثلان : المتشابهان و ﴿الذى﴾ موضوع موضع الذين : أي كمثل الذين استوقدوا، وذلك موجود في كلام العرب، كقول الشاعر :
وإن الذي حانت بفلج دماؤهمهم القوم كل القوم يا أمّ خالد
ومنه ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] ومنه ﴿والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون﴾ [الزمر: ٣٣]. ووقود النار : سطوعها وارتفاع لهبها، و ﴿استوقد﴾ بمعنى أوقد مثل استجاب بمعنى أجاب، فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش. ومنه قول الشاعر :
ودَاعٍ دَعا يا من يُجيب إلى الندافلم يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ
أي : يجبه. والإضاءة فرط الإنارة، وفعلها يكون لازماً ومتعدياً. و ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ قيل ما زائدة. وقيل هي موصولة في محل نصب على أنها مفعول أضاءت وحوله منصوب على الظرفية، و ﴿ذَهَبَ﴾ من الذهاب، وهو زوال الشيء. و ﴿تركهم﴾ أي : أبقاهم ﴿في ظلمات﴾ جمع ظلمة. وقرأ الأعمش بإسكان اللام على الأصل. وقرأ أشهب العقيلي بفتح اللام، وهي عدم النور.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً﴾ قال : هذا مثل ضربه الله للمنافقين كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله العزّ كما سلب صاحب النار ضوءه ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ يقول : في عذاب ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ فهم لا يسمعون الهدى، ولا يبصرونه ولا يعقلونه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً﴾ قالوا : إن ناساً دخلوا في الإسلام عند مقدم النبي ﷺ المدينة ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد ناراً فأضاءت ما حوله من قذى وأذى فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينما هو كذلك إذا طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى. فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك، فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشرّ، فبينما هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشرّ، فهم صم بكم هم الخرس، فهم لا يرجعون إلى الإسلام.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً﴾ قال : ضربه الله مثلاً للمنافق، وقوله ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ قال : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمة فهو ضلالهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرجا أيضاً عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، والحسن والسدي، والربيع بن أنس نحو ما تقدم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى