جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ﴾
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا وقد علمت أن الهاء والميم من قوله : مَثَلُهُمْ كناية جماعة من الرجال أو الرجال والنساء. «والذي » دلالة على واحد من الذكور ؟ فكيف جعل الخبر عن واحد مثلاً لجماعة ؟ وهلاّ قيل : مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارا وإن جاز عندك أن تمثل الجماعة بالواحد فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبته صورهم وتمام خلقهم وأجسامهم أن يقول : كأن هؤلاء، أو كأن أجسام هؤلاء، نخلة.
قيل : أما في الموضع الذي مثل ربنا جل ثناؤه جماعة من المنافقين بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلاً فجائز حسن، وفي نظائره كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك : تَدُورُ أعْيُنُهُمْ كالّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ يعني كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، وكقوله : ما خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ بمعنى إلا كبعث نفس واحدة.
وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال في طول وتمام الخلق بالواحدة من النخيل، فغير جائز ولا في نظائره لفرق بينهما.
فأما تمثيل الجماعة من المنافقين بالمستوقد الواحد، فإنما جاز لأن المراد من الخبر عن مثل المنافقين الخبر عن مثل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون من اعتقاداتهم الرديئة، وخلطهم نفاقهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر. والاستضاءةُ وإن اختلفت أشخاص أهلها معنى واحد لا معان مختلفة. فالمثل لها في معنى المَثَل للشخص الواحد من الأشياء المختلفة الأشخاص. وتأويل ذلك : مثل استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد ﷺ، وبما جاء به قولاً وهم به مكذّبون اعتقادا، كمثل استضاءة الموقد نارا. ثم أسقط ذكر الاستضاءة وأضيف المثل إليهم، كما قال نابغة بني جعدة :
وكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ خِلالَتُهُ كأبي مَرْحَبِ
يريد كخلالة أبي مرحب، فأسقط «خلالة »، إذ كان فيما أظهر من الكلام دلالة لسامعيه على ما حذف منه. فكذلك القول في قوله : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا لما كان معلوما عند سامعيه بما أظهر من الكلام أن المثل إنما ضرب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم حسن حذف ذكر الاستضاءة وإضافة المثل إلى أهله. والمقصود بالمثل ما ذكرنا، فلما وصفنا جاز وحسن قوله : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد، إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى. وأما إذا أريد تشبيه الجماعة من أعيان بني آدم أو أعيان ذوي الصور والأجسام بشيء، فالصواب من الكلام تشبيه الجماعة بالجماعة والواحد بالواحد، لأن عين كل واحد منهم غير أعيان الآخرين. ولذلك من المعنى افترق القول في تشبيه الأفعال والأسماء، فجاز تشبيه أفعال الجماعة من الناس وغيرهم إذا كانت بمعنى واحد بفعل الواحد، ثم حذف أسماء الأفعال، وإضافة المثل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل، فيقال : ما أفعالكم إلا كفعل الكلب، ثم يحذف فيقال : ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب، وأنت تعني : إلا كفعل الكلب وإلا كفعل الكلاب. ولم يجز أن تقول : ما هم إلا نخلة، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطول والتمام. وأما قوله : اسْتَوْقَدَ نارا فإنه في تأويل أوقد، كما قال الشاعر :
وَدَاعٍ دَعَايا مَنْ يُجِيبُ إلى النّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
يريد : فلم يجبه. فكان معنى الكلام إن مثل استضاءة هؤلاء المنافقين في إظهارهم لرسول الله ﷺ وللمؤمنين بألسنتهم من قولهم : آمنا بالله وباليوم الاَخر وصدقنا بمحمد، وبما جاء به، وهم للكفر مستبطنون فيما الله فاعل بهم، مثل استضاءة موقد نار بناره حتى أضاءت له النار ما حوله، يعني ما حول المستوقد.
وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن «الذي » في قوله : كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا بمعنى «الذين » كما قال جل ثناؤه : وَالّذِي جاءَ بالصّدْقِ وصَدّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتّقُونَ. وكما قال الشاعر :
| فَإنّ الّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ | هُمْ الْقَوْمُ كُلّ الْقَوْمِ يَا أمّ خَالِدِ |
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فروي عن ابن عباس فيه أقوال أحدها ما :
حدثنا به محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : ضرب الله للمنافقين مثلاً فقال : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق. والآخر ما :
حدثنا به المثنى به إبراهيم، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا إلى آخر الآية. هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم في ظلمات، يقول في عذاب. والثالث ما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ : زعم أن أناسا دخلوا في الإسلام مَقْدَم النبي ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشرّ. فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وأما النور فالإيمان بما جاء به محمد ﷺ، وكانت الظلمة نفاقهم. والاَخر ما :
حدثني به محمد بن سعيد، قال : حدثني أبي سعيد بن محمد، قال : حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس قوله : مَثَلَهُمُ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَارا إلى : فَهُمُ لاَ يَرْجِعُونَ ضربه الله مثلاً للمنافق، وقوله : ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ قال : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة : فهي ضلالتهم وكفرهم، يتكلمون به وهم قوم كانوا على هدى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك. وقال آخرون بما.
حدثني به بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلّمَا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ وإن المنافق تكلم بلا إلَه إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين وغازي بها المسلمين ووارث بها المسلمين وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت سُلبها المنافق لأنه لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في علمه.
وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ هي لا إلَه إلا الله أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا ونكحوا النساء وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني أبو نميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قوله : كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ قال : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به وأما الظلمات، فهي ضلالتهم وكفرهم.
وقال آخرون بما :
حدثني به محمد بن عمرو الباهلي، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى بن ميمون، قال : حدثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله : مَثَلَهُمُ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أَضَاءَتْ ما حَوْلَهُ قال : أما إضاءة النار : فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى وذهاب نورهم : إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا أبو حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ : أما إضاءة النار : فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى وذهاب نورهم : إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
حدثني القاسم، قال : حدثني الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال : ضرب مثل أهل النفاق فقال : مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا قال : إنما ضوء النار ونورها ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، كذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله : كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا إلى آخر الآية. قال : هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا، فذهب الله بنورهم، فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة والضحاك، وما رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. وذلك أن الله جل ثناؤه إنما ضرب هذا المثل للمنافقين الذين وصف صفتهم وقصّ قصصهم من لدن ابتدأ بذكرهم بقوله : مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَا باللّهِ وبَاليَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُ