تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً. . .﴾
قال ابن عرفة : كيف شبه ( الجمع )(١) بالواحد. فأجيب بأنّه كلية روعي فيها آحادها، أو المراد بالموصول الجمع أو هو واحد بالنوع لا بالشخص، والتشبيه يستدعي مشبها ومشبها به ووجه التشبيه نتيجته، كما أن القياس التمثيلي يقتضي فرعا وأصلا وعلة جامعة ونتيجة وهي الحكم، فالمشبه المنافقون والمشبه به مستوقد النار. ووجه التشبيه حكى فيه ابن عطية خمسة أقوال ( ونتيجته )(٢) هو الخسران والندم(٣).
قوله تعالى :﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ. . .﴾
قال السهيلي في الروض : إن قلت : لم عداه هنا بالباء. وقال في سورة الأحزاب :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت﴾(٤) فعداه بنفسه ؟
فأجاب بأن الباء تقتضي الصاحب، فإذا قلت : ذهبت بزيد، فأنت أذهبته وذهبت معه والنور محبوب شرعا فناسب إسناد الذهاب إليه باعتبار الفهم والتصور وإن كان في حق الله تعالى محالا لكنه على معنى يليق به، كما وصف نفسه بالمجيء في قوله :﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾(٥) والرّجس مذموم شرعا وطبعا فناسب إبعاده عنه ( وعدم )(٦) إسناده إليه ) )(٧).
قال ابن عرفة : وفي ( التعدية )(٨) بالباء التي للمصاحبة نوع زيادة وإشعاره ( بدوام )(٩) الذهاب، وملازمته بسبب ملازمة فاعل الذهاب له، فلا يزال ذاهبا عنهم فهو أشد في عقوبتهم حتى لا يتصور رجوعه ( إليهم )(١٠) بوجه. وتكلم الطيبى ( هنا )(١١) ( في الضياء )(١٢) والنور(١٣).
قال الزمخشري : النور ضوء النهار وضوء كل شيء، وهو نقيض الظلمة، والضياء إفراط الإنارة، فالنور عنده زيادة في الضياء(١٤). قال تعالى :﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً. . .﴾(١٥) وقدره صاحب المثل السائر(١٦) بأنّ الضياء هنا ( مثبت )(١٧) والنور منفي(١٨).
والقاعدة استعمال الأخص في الثبوت والأعم في النفي فإذا ثبت أعلى الضياء فأحرى أدناه، وإذا انتفى أقل النور ( ومبادِئُهُ )(١٩) فأحرى أكثره أعلاه.
وتعقب عليه صاحب الفلك الدائر(٢٠) بأن يعقوب ابن السكيت(٢١) نص في ( إصلاح )(٢٢) المنطق على أن الضياء هو النور لا فرق بينهما(٢٣).
وقال بعضهم : قول : من قال : إن القمر مستمد من نور الشمس مخالف لمذهب أهل السنة، ولا يتم إلا على مذهب الطبائعية. ورد بعضهم على الفخر الخطيب في سورة النور عند قول الله تعالى :﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾(٢٤) قال فيها : إن النور هو الضوء الفياض من الشمس(٢٥).
( قال )(٢٦) : ما يتمّ إلا على القول بالطّبع والطبيعة.
وأجاب ابن عرفة بأنه أخطأ في العبارة فقط، ومراده أنه نور يخلقه الله في القمر عند مقابلة الشمس، ومذهب أكثر أهل السنة أن الظلمة أمر وجودي، وذهب الحكماء والفلاسفة إلى أنها أمر عدمي.
قوله تعالى :﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ. . .﴾(٢٧)
١ - ج: الجميع..
٢ - ج: ونتيجة..
٣ - قال ابن عطية: واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد نارا... ثم ذكر الأقوال الخمسة، فانظرها، المحرر الوجيز: ١/١٣١..
٤ - سورة الأحزاب، الآية: ٣٣..
٥ - سورة الفجر، الآية: ٢٢..
٦ - أ: نقص، ج: وعاد..
٧ - انتهاء النقص من أ، الذي ابتدأ بعد التصحيح رقم ٥٦٢..
٨ - د: تعديه..
٩ - هـ: بعدم..
١٠ - أ: إليه..
١١ - هـ: نقص..
١٢ - أ: في هذا الضياء، د: على الضياء..
١٣ - قال الطيبي: النار والنور أحدهما مشتق من الآخر من حيث إنه قل ما ينفك أحدهما عن الآخر ولهذا قال: نقتبس من نوركم، فاستعمل فيه الاقتباس الذي هو النار فتوح الغيب، مخطوط رقم ٦٥٦٧، ص ٥٥و..
١٤ - الكشاف: ١/١٩٧..
١٥ - سورة يونس، الآية: ٥..
١٦ - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لضياء الدين بن الأثير المتوفى ٦٣٧هـ الكتاب مطبوع في أربع مجلدات بدار النهضة بمصر حققه د. أحمد الحوفي و د. بدوي طبانة. والكتاب مبني على مقدمة ومقالتين: المقدمة في أصول كلم البيان والمقالتان في فروعه..
١٧ - ج: مشبه..
١٨ - قال ابن الأثير: فالغرض من قوله تعالى: ذهب الله بنورهم إنما هو إزالة النور عنهم أصلا فهو إذا أزاله فقد أزال الضوء، المثل السائر: ٢/٢١٠..
١٩ - أ: نقص..
٢٠ - الفلك الدائر على المثل السائر لعز الدين عبد الحميد بن هبة الله المدائني المعتزلي الشيعي توفي ٦٥٥هـ..
٢١ - أبو يوسف يعقوب بن إسحاق ويعرف بابن السكيت. لغوي ونحوي معروف توفي في الخامس من رجب ٢٤٤هـ/ ١٧ أكتوبر ٨٥٨م، من مؤلفاته إصلاح المنطق، كتاب الألفاظ، شرح ديوان الخنساء. انظر دائرة المعارف الإسلامية ١/٢٠٠ -٢٠١..
٢٢ - د: نقص..
٢٣ - انظر ابن السكيت، إصلاح المنطق: ص ١٣٠..
٢٤ - سورة النور، الآية: ٣٥..
٢٥ - مفاتيح الغيب: ٧/٢٢٤..
٢٦ - أ هـ: نقص..
٢٧ - لم يذكر الأبي في تقييده تفسير هذه الآية في حين أن البسيلي ذكر في تقييديه الكبير والصغير ما يلي: وتركهم في ظلمات: الآمدي: منع المعتزلة وصفه تعالى بالترك وأجازه أهل السنة لقوله تعالى: وتركهم في ظلمات..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى