معاني القرآن — الفراء

عن الكتاب
وقوله :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً...﴾
فإنما ضرب المثل - والله أعلم - للفعل لا لأعيان الرجال، وإنما هو مَثَل للنفاق ؛ فقال : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ؛ ولم يقل : الذين استوقدوا. وهو كما قال الله :﴿تَدُورُ أَعْيُنُهْم كالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. وقوله :﴿ما خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فالمعنى - والله أعلم - : إلا كبعثِ نفس واحدة ؛ ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا كما قال :﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ أراد القِيَم والأجسام، وقال :﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ فكان مجموعا إذا أراد تشبيه أعيان الرجال ؛ فأجر الكلام على هذا. وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحَّدا في شِعْر فأَجِزْه. ِ وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو أيضا يراد به الفعل فأجزه ؛ كقولك : ما فِعْلك إلا كفعل الحَمِير، وما أفعالكم إلا كفعل الذِّئب ؛ فابنِ على هذا، ثم تُلْقِى الفعلَ فتقول : ما فعلك إلا كالحَمِير وكالذِّئب.
وإنما قال الله عزّ وجلّ :﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لأن المعنى ذهب إلى المنافقين فجمع لذلك. ولو وُحِّد لكان صوابا ؛ كقوله :﴿إنّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الأَثِيمِ. كالْمُهْلِ تغْلِي في الْبُطُونِ﴾ و " يَغْلِى " ؛ فمن أنّث ذهب إلى الشجرة، ومن ذَكَّر ذهب إلى المهل. ومثله قوله عز وجل :﴿أَمَنَةً نُعَاساً تَغْشَى طَائفَةً منْكُمْ﴾ للأَمَنة، " ويَغْشَى " للنعاس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى