عن أنس أن أبا طلحة قال: غُشِّينا ونحنُ في مصافِّنا يومَ أحد. حدَّث أنّه كان مِمَّن غَشِيَه النعاسُ يومئذ، قال: فجعل سيفي يسقط مِن يدي وآخذُه، ويسقطُ وآخذُه. فذلك قوله: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾، والطائفةُ الأخرى المنافقون ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم؛ أجبنُ قوم، وأرعبُه، وأخذلُه للحق؛ ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾، كَذَّبَهم، إنّما هم أهل شك وريبة في الله[[أخرجه البخاري (٤٠٦٨، ٤٥٦٢)، والترمذي (٣٠٠٧، ٣٠٠٨)، والنسائي في الكبرى (١١٠٨٠، ١١١٩٨، ١١١٩٩)، وابن أبي شيبة ١٤/٣٩٩، ٤٠٦، ٤٠٧، وابن جرير ٦/١٦١، ١٦٢، وابن المنذر (١٠٨٦)، وابن أبي حاتم ٣/٧٩٣، وابن حبان (٧١٨٠)، والطبراني (٤٦٩٩، ٤٧٠٠، ٤٧٠٨)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٢١)، والبيهقي في الدلائل ٣/٢٧٢-٢٧٤. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]][[c=١٤٤٠]]
عن عروة بن الزبير -من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان- قال: لَمّا حضرت الوليد بن المغيرة الوفاة دعا بنيه، وكانوا ثلاثة: هشام بن الوليد، والوليد بن الوليد، وخالد بن الوليد، فقال: يا بني، أوصيكم بثلاث، فلا تضيعوا فيهن: دمي في خزاعة فلا تطُلُّنَّه، واللهِ، إنِّي لأعلم أنهم منه برآء، ولكني أخشى أن تسبوا به بعد اليوم، ورِباي في ثقيف، فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعقاري عند أبي أُزَيْهِر الدَّوْسِيّ فلا يفوتنكم به. قال محمد بن إسحاق: ولما أسلم أهل الطائف كلَّم خالد بن الوليد بن المغيرة رسول الله ﷺ لِما كان أبوه أوصاه. قال محمد بن إسحاق: فذكر لي بعض أهل العلم: أنّ هؤلاء الآيات نزلت في تحريم ما بقي من الربا بأيدي الناس، نزلت في طلب خالد بن الوليد ذلك الربا: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ إلى آخر القصة فيها
قال الحسن البصري، في قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا﴾ إلى قوله: ﴿والله عليم حكيم﴾: إنّ رسول الله ﷺ كان حين غزوة تبوك نزل بين ظهراني الأنصار، وبنى مسجد قباء، وهو الذي أُسِّس على التقوى، وكان المنافقون مِن الأنصار بَنَوْا مسجِدًا، فقالوا: نميل به، فإن أتانا محمدٌ فيه وإلا لم [... ]، ونخلو فيه لحوائجِنا، ونبعث إلى أبي عامر الرّاهب -لِمُحارب مِن محاربي الأنصار كان يُقال له: أبو عامر الراهب، وكان رسول الله ﷺ أسره- فيأتينا، فنستشيره في أمورنا. فلمّا بَنَوا المسجد؛ وهو الذي قال الله عز وجل: ﴿الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين﴾ أي: بين جماعة المؤمنين ﴿وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ يعني: أبا عامر، فجعل رسول الله ﷺ ينتظر الوحي لا يأتيهم ولا يأتونه، فلمّا طال ذلك عليه دعا بقميصه ليأتيهم، فإنّه ليَزُرَّهُ عليه إذ أتاه جبريل، فقال: ﴿لا تقم فيه أبدا﴾ يعني: ذلك المسجد، ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ يعني: مسجد قباء ﴿أحق أن تقوم فيه﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا جاؤُكَ﴾ يعني: كعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب، وكعب بن أسيد، وأبو ياسر، وغيرهم ﴿حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ يعني: اليهود، قالوا: انطلِقوا بنا إلى محمد فنشتمه علانيةً كما نشتمه في السّر. فأَتَوه، فقالوا: السّام. يعنون بالسّام: السآمة والفترة، ويقولون: تَسأمون، يعني: تتزكون دينكم، فقالت عائشة رضي الله عنها: عليكم السّام، والذّام، والفان، يا إخوان القِردة والخنازير. فكَره النبيُّ ﷺ قول عائشة، وقال النبي ﷺ: «مهلًا، يا عائشة، عليكِ بالرّفق؛ فإنه ما وُضِع في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه». فقال جبريل عليه السلام: إنّه لا يُسَلِّمون عليك، ولكنهم يشتمونك. فلمّا خَرجت اليهود مِن عند النبيِّ ﷺ، قال بعضهم لبعض: إن كان محمدٌ لا يعلم ما نقول له؛ فالله يَعلمه، ولو كان نبيًّا لأَعلَمه الله ما نقول، ولعاقَبَنا. فذلك قوله: ﴿ويَقُولُونَ فِي أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾
رجَّح ابنُ جرير (٥/٥٦٧-٥٦٨) هذا القول الذي قال به أبو العالية من طريق داود بن أبي هند مستندًا إلى السياق، فقال: «لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأَوْلى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها؛ إذ كانت في سياق واحد». ورجَّح أنّ معنى ازديادهم الكفر: ما أصابوا في كفرهم من المعاصي، مستندًا إلى القرآن؛ لأن الله قال: ﴿لن تقبل توبتهم﴾، فكان معلومًا أنه معنيٌّ به: لن تقبل توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم، لا من كفرهم؛ لأن الله -تعالى ذكره- وعد أن يقبل التوبة من عباده، ولما كان الكفر بعد الإيمان أحد تلك الذنوب التي وعد قبول التوبة منها علم أن المعنى الذي لا تقبل التوبة منه غير المعنى الذي يقبل التوبة منه، والذي لا يقبل منه التوبة هو الازدياد على الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره، فأما إن تاب فإن الله -كما وصف به نفسه- غفور رحيم"". وعلَّق ابنُ عطية (٢/٢٨٠) على هذا القول بقوله: «وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم»
ذكر ابن جرير (٦/١٠) القول بأن تَبْوِئة رسول الله ﷺ المؤمنين مقاعد للقتال هي غدوُّه ﷺ يوم الجمعة إلى التدبير مع الناس واستشارتهم. وعلَّق ابن عطية (٢/٣٤٠) على ذلك بقوله: «ولا سيما أن غدوّ النبي ﷺ إنما كان ورأيه ألا يخرج الناس، فكان لا يَشُكّ في نَفْسه أنْ يقسم أقطار المدينة على قبائل الأنصار». ثم نقل ابن عطية أقوالًا أخرى في معنى الغدوّ، ووجَّه أحدها، فقال: «وقال غير الطبري: بل نهوض النبي ﷺ يوم الجمعة بعد الصلاة هو غدوّه، وبوّأ المؤمنين في وقت حضور القتال. وقيل: ذلك في ليلته، وسماه غدوًّا إذ كان قد اعتزم التدبير، والشروع في الأمر من وقت الغدوّ. قال القاضي أبو محمد: ولا سيما أنّ صلاة الجمعة ربما كانت قبل الزوال، حسبما وردت بذلك أحاديث، فيجيء لفظ الغدوّ متمكِّنًا. وقيل: إن الغدوّ المذكور هو غدوة يوم السبت إلى القتال، ومن حيث لم يكن في تلك الليلة موافقا للغدوّ فهو كأنه كان في أهله، وبوأ المسلمين بأمْرِه الرماةَ وبغير ذلك من تدبيره مصافّ الناس»
اختُلِف في تفسير قوله: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثا﴾ على خمسة أقوال: الأول: إن يدعون من دونه إلا اللات، والعزى، ومناة، فسمّاهُنَّ الله إناثًا بتسمية المشركين إياهُنَّ بتسمية الإناث. والثاني: إن يدعون من دونه إلا مواتًا لا روح فيه. والثالث: عنى بذلك أنّ المشركين كانوا يقولون: إنّ الملائكة بنات الله. والرابع: إنّ أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم: إناثًا، فأنزل الله ذلك كذلك. والخامس: الإناث في هذا الموضع: الأوثان. ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٤٩٠) القول الأول الذي قاله أبو مالك، والسدي، وابن زيد مستندًا إلى الأغلب في لغة العرب، فقال: «لأنّ الأظهر من معاني الإناث في كلام العرب ما عُرِف بالتأنيث دون غيره؛ فإذ كان ذلك كذلك فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه». وانتَقَد ذلك ابنُ عطية (٣/٢٣) مستندًا إلى خلاف الواقع، فقال: «ويَرِد على هذا أنها كانت تُسَمَّي بأسماء مذكرة كثيرة». وعلَّق بعد ذكره الخلاف بقوله: «وهذا على اختلافه يقضي بتعييرهم بالتأنيث، وأنّ التأنيث نقص وخساسة بالإضافة إلى التذكير»
عن سالم أبي النضر -من طريق محمد بن إسحاق- أنّه حدث: أنّ موسى لَمّا نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قومُ بلعم إلى بلعم، فقالوا له: يا بلعم، إنّ هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا، ويقتلنا، ويُحِلُّها بني إسرائيل، ويسكنها، وإنّا قومُك، وليس لنا منزل، وأنت رجلٌ مُجابُ الدعوة، فاخرج وادعُ الله عليهم. فقال: ويلَكم، نبيُّ الله معه الملائكة والمؤمنون، كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم مِن الله ما أعلم؟! قالوا: ما لنا مِن منزل. فلم يزالوا به يُرَقِّقونه، ويتَضَرَّعون إليه حتى فتنوه، فافْتُتِن. فركب حمارةً له متوجهًا إلى الجبل الذي يُطْلِعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل: حُسْبانَ، فلمّا سار عليها غيرَ كثير رَبَضَتْ به، فنزل عنها، فضربها، حتى إذا أذْلَقها قامتْ، فرَكِبَها، فلم تَسِرْ به كثيرًا حتى رَبَضَتْ به، ففعل بها مثل ذلك، فقامتْ، فركبها، فلم تَسِر به كثيرًا حتى رَبَضَتْ به، فضربها حتى إذا أذلقها أذِنَ الله لها، فكلَّمَتْهُ حُجَّةً عليه، قالت: ويحك، يا بلعمُ، أين تذهب؟! أما ترى الملائكة أمامي تَرُدُّني عن وجهي هذا؟! أتذهب إلى نبيِّ الله والمؤمنين تدعو عليهم؟! فلم ينزع عنها يضربها، فخلّى اللهُ سبيلًها حين فعل بها ذلك. قال: فانطلقت به، حتى إذا أشرفت على رأس جبل حُسْبانَ، على عسكر موسى وبني إسرائيل؛ جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشيء إلا صرف به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل. قال: فقال له قومه: أتدري -يا بلعم- ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيءٌ قد غلب الله عليه. قال: واندَلَعَ لسانُه، فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذَهَبَتِ الآنَ مِنِّي الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جَمِّلُوا النساء، وأعطوهن السِّلَع، ثم أرسِلُوهُنَّ إلى العسكر يَبِعْنَها فيه، ومُرُوهُنَّ فلا تمنعُ امرأةٌ نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى منهم واحدٌ كُفِيتُموهم. ففعلوا، فلمّا دخل النساءُ العسكرَ مَرَّت امرأةٌ مِن الكنعانيين -اسمها: كسى ابنة صور رأس أُمَّتِه- برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو زمرى بن شَلُومَ، رأسُ سِبْطِ شَمْعُون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فقام إليها، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها، حتى وقف بها على موسى عليه السلام، فقال: إنِّي أظنُّك ستقول: هذه حرام عليك؟ فقال: أجل، هي حرام عليك، لا تقربها. قال: فواللهِ، لا نطيعك في هذا، فدخل بها قُبَّتَه، فوقع عليها. وأرسل اللهُ الطاعونَ في بني إسرائيل، وكان فِنْحاصُ بن العَيْزارِ بن هارون صاحبَ أمر موسى، وكان رجلًا قد أُعْطِي بَسْطَةً في الخلق، وقُوَّةً في البطش، وكان غائبًا حين صنع زمرى بن شَلُومَ ما صنع، فجاء والطاعون يَحُوسُ في بني إسرائيل، فأُخْبِر الخبر، فأخذ حربته، وكانت من حديدٍ كلها، ثم دخل عليه القُبَّة وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحييه، وكان بِكْرَ العَيْزارِ، وجعل يقول: اللَّهُمَّ، هكذا نفعل بمن يعصيك. ورُفِع الطاعون، فحُسِب مَن هَلَك مِن بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فِنْحاصُ، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفًا، والمُقَلِّل يقول: عشرون ألفًا في ساعة من النهار. فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فِنْحاصَ بن العَيْزارِ بن هارون مِن كل ذبيحة ذبحوها القِبَةَ والذراعَ واللَّحْيَ؛ لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبِكْرَ مِن كل أموالهم وأنفسهم؛ لأنه كان بِكرَ العَيْزارِ. ففي بَلْعَمَ بن باعورا أنزل الله على محمد ﷺ: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ يعني: بَلْعَمَ، ﴿فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾ إلى قوله: ﴿لعلهم يتفكرون﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا﴾، وذلك أنّ الله تعالى أنزل بمكة على نبيّه ﷺ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا: واللّات والعُزّى، ما أمره وأمرنا عند إلهه الذي يعبده إلا واحد، ولولا أنّه ابتدع هذا الأمر مِن تلقاء نفسه لكان ربّه الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن اتّبعه كما فعل بسليمان بن داود، وبعيسى ابن مريم والحواريين، وكيف أخبرهم بمصيرهم، فأمّا محمد فلا علم له بما يُفعل به ولا بنا! إنّ هذا لهو الضّلال كلّ الضّلال. فشقّ على المسلمين نزول هذه الآية، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما للنبي ﷺ: ألا تخبرنا ما اللهُ فاعل بك؟ فقال: «ما أحدث الله إلَيَّ أمرٌ بعد». فلما قدم المدينة قال عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين: كيف تتّبعون رجلًا لا يدري ما يفعل الله به، ولا بمن اتبعه؟ وضحكوا من المؤمنين، وعلم الله ما في قلوب المؤمنين مِن الحُزن، وعَلِم فَرَح المشركين من أهل مكة، وفَرَح المنافقين من أهل المدينة، فأنزل الله تعالى بالمدينة بعد ما رجع النبي ﷺ من الحُدَيبية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، فنَسَخَت هذه الآية قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، فأخبر الله تعالى نبيّه ﷺ بما يفعل به، فنزلت هذه الآية على النبي ﷺ، فلمّا سمع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين بنزول هذه الآية على النبي ﷺ، وأنّ الله قد غفر له ذنبه، وأنّه يفتح له على عدّوه، ويهديه صراطًا مستقيمًا، وينصره نصرًا عزيزًا، قال لأصحابه: يزعم محمدٌ أنّ الله غفر له ذنبه، وينصره على عدّوه! هيهات هيهات، لقد بقي له من العدّو أكثر وأكثر، فأين فارس والروم وهم أكثر عدوًّا وأشدّ بأسًا وأعزّ عزيزًا؟! ولن يظهر عليهم محمد، أيظنّ محمد أنهم مِثل هذه العصابة التي قد نزل بين أظهرهم وقد غلبهم بكذبه وأباطيله، وقد جعل لنفسه مخرجًا، ولا علم له بما يُفعل به ولا بمن اتّبعه، إنّ هذا لهو الخلاف المبين. فخرج النبي ﷺ على أصحابه، فقال: «لقد نزلت عليّ آية لَهِي أحبُّ إلَيَّ مِمّا بين السماء والأرض». فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية، فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد علمنا الآن مالك عند الله، وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ فنزلت سورة الأحزاب [٤٧]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يعني: عظيمًا، وهي الجنة. وأنزل: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ [الفتح:٥]
اختُلِف في صفة إسرائه ﷺ، أكان بجسده وروحه، أم بروحه فقط؟ على قولين: الأول: أنّ الإسراء كان بجسده وروحه، يقظة لا منامًا. وهذا قول الجمهور. واختلف أصحاب هذا القول هل دخل ﷺ بيت المقدس، وصلّى فيه أم لا؟ على قولين، الثاني منهما قول حذيفة. والثاني: أنّ الإسراء كان بروحه فقط، وكانت الرؤيا منامية. وهذا قول عائشة، ومعاوية، وجوَّزه الحسن، وابن إسحاق. وعلَّقَ ابنُ كثير (٨/٤٠٠بتصرف) على قول حذيفة، فقال: «هذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنهما نفي، وما أثبته غيرُه عن رسول الله ﷺ مِن ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة ببيت المقدس، مُقدَّمٌ على قوله». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥/٤٣٥بتصرف) على القول الثاني بقوله: «وركوب البُراق على قول هؤلاء يكون مِن جملة ما رأى في النوم». ثم قال: «واحتُجَّ لقول عائشة بقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾، وهذا يحتمل القول الآخر؛ لأنه يقال لرؤية العين: رؤيا، واحتُجَّ أيضًا بأن في بعض الأحاديث: «فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام». وهذا يحتمل أن يُرَدَّ من الإسراء إلى نوم. واعتُرِضَ قول عائشة بأنها كانت صغيرة لم تشاهد، ولا حدَّثت عن النبي ﷺ، وأما معاوية فكان كافرًا في ذلك الوقت، غير مشاهد للحال، صغيرًا، ولم يحدِّث عن النبي ﷺ». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٤٤٦-٤٤٧)، وكذا ابنُ عطية (٥/٤٣٥)، ومثلهما ابنُ كثير (٨/٤٣١-٤٣٢) قولَ الجمهور استنادًا إلى القرآن، وأقوال السلف، ودلالة العقل، وهو الظاهر مِن كلام ابن تيمية (٤/١٩٤). قال ابنُ عطية: «الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامِيَّة ما أمكن قريشًا أن تُشَنِّع، ولا فُضِّل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني: لا تحدِّث الناسَ بهذا فيكذبوك. إلى غير هذا من الدلائل». وقال ابنُ كثير (٨/٤٣١-٤٣٢بتصرف): «الحق أنّه ﷺ أُسْرِي به يقظةً لا منامًا، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾، فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مُسْتَعْظَمًا، ولَما بادرت كفارُ قريش إلى تكذيبه، ولَما ارتَدَّت جماعةٌ مِمَّن كان قد أسلم. وأيضًا فإنّ العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال تعالى: ﴿أسرى بعبده ليلا﴾، وقال تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به. رواه البخاري. وقال تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾، والبصر مِن آلات الذّات، لا الروح. وأيضًا فإنه حُمِل على البُراق، وهو دابة بيضاء، براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه». وبنحوهما قال ابنُ جرير