محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥٤ من سورة آل عمران في ١١٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥٤ من سورة آل عمران

١١٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿ثُمّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نّعَاساً يَغْشَىَ طَآئِفَةً مّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ يَقُولُونَ هَل لّنَا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنّ الأمْرَ كُلّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِيَ أَنْفُسِهِم مّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىَ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ﴾
يعني بذلك جل ثناؤه : ثم أنزل الله أيها المؤمنون من بعد الغمّ الذي أثابكم ربكم بعد غمّ تقدمه قبله أمنة، وهي الأمان على أهل الإخلاص منكم واليقين، دون أهل النفاق والشك. ثم بين جلّ ثناؤه عن الأمنة التي أنزلها عليهم ما هي ؟ فقال : نعاسا، بنصب النعاس على الإبدال من الأمنة.
ثم اختلفت القراء في قراءة قوله :﴿يَغْشَى﴾ فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض الكوفيين بالتذكير بالياء :﴿يَغْشَى﴾. وقرأ جماعة من قراء الكوفيين بالتأنيث :﴿تَغْشَى﴾ بالتاء. وذهب الذين قرأوا ذلك بالتذكير إلى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من المؤمنين دون الأمنة، فذكره بتذكير النعاس. وذهب الذين قرءوا ذلك بالتأنيث إلى أن الأمنة هي التي تغشاهم، فأنثوه لتأنيث الأمنة.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراء الأمصار غير مختلفتين في معنى ولا غيره، لأن الأمنة في هذا الموضع هي النعاس، والنعاس : هو الأمنة. وسواء ذلك، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الحقّ في قراءته، وكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله :﴿إنّ شَجَرَةَ الزّقُومِ طعَامُ الأثِيمِ كالمُهْلِ تَغْلي في البُطُونِ﴾ و ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ منّي تُمْنَى﴾ ﴿وَهُزّي إلَيْكِ بِجذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ﴾.
فإن قال قائل : وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عزّ وجلّ فيما افترقتا فيه من صفتهما، فآمنت إحداهما بنفسها حتى نعست، وأهمت الأخرى نفسها حتى ظنت بالله غير الحقّ ظنّ الجاهلية ؟ قيل : كان سبب ذلك فيما ذكر لنا، كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أن المشركين انصرفوا يوم أُحُد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبيّ ﷺ بدرا من قابل، فقال لهم :«نعم » فتخوّف المسلمون أن ينزلوا المدينة، فبعث رسول الله ﷺ رجلاً، فقال :«انْظُر فإنْ رأيتهم قَعدُوا على أثْقَالهم وجَنَبُوا خُيُولَهُمْ، فإنّ القَوْمَ ذَاهِبُونَ، وإنْ رأيْتُهمْ قد قعدوا على خيولهم وجَنَبُوا على أثقالهم، فإنّ القَوْم يَنْزِلُونَ المَدِينَةَ، فاتّقُوا الله واصْبِرُوا ! » ووطنهم على القتال¹ فلما أبصرهم الرسول تعدوا على الأثقال سراعا عجالاً، نادى بأعلى صوته بذهابهم¹ فلما رأى المؤمنون ذلك صدّقوا نبيّ الله ﷺ، فناموا، وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم، فقال الله جلّ وعزّ يذكر حين أخبرهم النبي ﷺ إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمنَةً نُعاسا يَغْشَى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ويَظُنّونَ باللّهِ غيرِ الحَقّ ظَنّ الجاهِلِيّة﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : أمنهم يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن¹ ﴿يَغْشَى طائِفَةً مِنْكُمْ وطَائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفُسُهُم يَظُنّونَ باللّهِ غير ظَنّ الجاهِلِيّةِ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، قال : كنت فيمن أنزل عليه النعاس يوم أُحد أمنة، حتى سقط من يدي مرارا.
قال أبو جعفر : يعني : سوطه، أو سيفه.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال : رفعت رأسي يوم أُحد، فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا تحت حجفته يميد من النعاس.
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال : كنت فيمن صبّ عليه النعاس يوم أُحد.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : حدثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة : أنه كان يومئذٍ ممن غشيه النعاس، قال : كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه من النعاس.
حُدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : ذكر لنا والله أعلم عن أنس أن أبا طلحة حدثهم أنه كان يومئذٍ ممن غشيه النعاس، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه ويسقط، والطائفة الأخرى : المنافقون، ليس لهم همة إلا أنفسهم ﴿يَظُنونَ باللّهِ غيرَ الحَقّ ظَنّ الجاهِلِيّةِ﴾. . . الآية كلها.
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال : حدثنا ضرار بن صرد، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه قال : سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله عزّ وجلّ :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاسا﴾ قال : ألقي علينا النوم يوم أُحد.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاسا﴾. . . الاَية، وذاكم يوم أُحد، كانوا يومئذٍ فريقين¹ فأما المؤمنون فغشاهم الله النعاس أمنة منه ورحمة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، نحوه.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :﴿أمَنَةً نُعاسا﴾ قال : ألقي عليهم النعاس، فكان ذلك أمنة لهم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، قال : قال عبد الله : النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاسا﴾ قال : أنزل النعاس أمنة منه على أهل اليقين به، فهم نيام لا يخافون.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :﴿أمَنَةً نُعاسا﴾ قال : ألقى الله عليهم النعاس، فكان أمنة لهم. وذكر أن أبا طلحة قال : ألقي عليّ النعاس يومئذٍ، فكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا إسحاق بن إدريس، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، وهشام بن عروة بن الزبير أنهما قالا : لقد رفعنا رءوسنا يوم أُحد، فجعلنا ننظر، فما منهم من أحد إلا وهو يميل بجنب حجفته قال : وتلا هذه الاَية :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاسا﴾.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ باللّهِ غيرَ الحَقّ ظَن الجاهِلِيّة﴾.


يعني بذلك جلّ ثناؤه : وطائفة منكم أيها المؤمنون قد أهمتهم أنفسهم، يقول : هم المنافقون لا همّ لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظنّ الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكا في أمر الله، وتكذيبا لنبيه ﷺ، وَمَحْسَبَةً منهم أن الله خاذل نبيه، ومعل عليه أهل الكفر به، يقولون : هل لنا من الأمر شيء. كالذي :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : والطائفة الأخرى : المنافقون، ليس لهم همّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه، وأخذله للحقّ، يظنون بالله غير الحقّ ظنونا كاذبة، إنما هم أهل شكّ وريبة في أمر الله، يقولون :﴿لَوْ كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبرزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ القَتْلُ إلى مَضَاجِعِهِم﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : والطائفة الأخرى : المنافقون ليس لهم همة إلا أنفسهم، يظنون بالله غير الحقّ ظنّ الجاهلية، يقولون :﴿لَوْ كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُنا﴾ قال الله عزّ وجلّ :﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضَاجِعِهِمْ﴾. . . الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفُسُهُمْ﴾ قال : أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفسُهُمْ﴾ إلى آخر الاَية، قال : هؤلاء المنافقون.
وأما قوله :﴿ظَنّ الجاهِلِيّةِ﴾ فإنه يعني أهل الشرك. كالذي :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿ظَنّ الجاهِلِيّة﴾ قال : ظنّ أهل الشرك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :﴿ظَنّ الجاهِلِيّة﴾ قال : ظنّ أهل الشرك.
وفي رفع قوله :﴿وَطائِفَةٌ﴾ وجهان : أحدهما أن تكون مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله :﴿قَدْ أهَمّتْهُمْ﴾، والآخر بقوله :﴿يَظُنّونَ باللّهِ غيرَ الحَقّ﴾ ولو كانت منصوبة كان جائزا، وكانت الواو في قوله :﴿وَطائفَةٌ﴾ ظرفا للفعل، بمعنى : وأهمت طائفة أنفسهم، كما قال :﴿وَالسّماءَ بَنَيْناها بأيْدٍ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَقُولُونَ هَلْ لنَا مِنَ الأمْرِ مِن شَيّءٍ قُلْ إنّ الأمْرَ كُلّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ شَيّءٌ ما قُتِلْنَا هَهُنا﴾ :
يعني بذلك : الطائفة المنافقة التي قد أهمتهم أنفسهم، يقولون : ليس لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله، ولو كان لنا من الأمر شيء ما خرجنا لقتال من قاتلنا فقتلونا. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قيل لعبد الله بن أبيّ : قتل بنو الخزرج اليوم ! قال : وهل لنا من الأمر من شيء ؟ قل إن الأمر كله لله.
وهذا أمر مبتدأ من الله عزّ وجلّ، يقول لنبيه محمد ﷺ : قل ي
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ثم أنزل الله، أيها المؤمنون من بعد الغم الذي أثابكم ربكم بعد غم تقدمه قبله ="أمنة"، وهي الأمان، (١) على أهل الإخلاص منكم واليقين، دون أهل النفاق والشك.
* * *
ثم بين جل ثناؤه، عن"الأمنة" التي أنزلها عليهم، ما هي؟ فقال ="نعاسًا"، بنصب"النعاس" على الإبدال من"الأمنة".
* * *
ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله:"يغشى".
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة والبصرة وبعض الكوفيين بالتذكير بالياء: (يَغْشَى).
* * *
وقرأ جماعة من قرأة الكوفيين بالتأنيث: (تَغْشَى) بالتاء.
* * *
وذهب الذين قرأوا ذلك بالتذكير، إلى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من
(١) انظر تفسير"الأمن" فيما سلف ٣: ٢٩ / ٤: ٨٧.
المؤمنين دون الأمَنة، فذكَّره بتذكير"النعاس".
وذهب الذين قرأوا ذلك بالتأنيث، إلى أنّ الأمَنة هي التي تغشاهم فأنثوه لتأنيث"الأمنة".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، غير مختلفتين في معنى ولا غيره. لأن"الأمنة" في هذا الموضع هي النعاس، والنعاس هو الأمنة. فسواء ذلك، (١) وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته. وكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأثِيمِ كَالْمُهْلِ تَغْلِي فِي الْبُطُونِ) [سورة الدخان: ٤٣-٤٥] و (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ تُمْنَى) [سورة القيامة: ٣٧]، (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ) [سورة مريم: ٢٥]. (٢).
* * *
فإن قال قائل: وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عز وجل فيما افترقتا فيه من صفتهما، فأمِنت إحداهما بنفسها حتى نعست، وأهمَّت الأخرى أنفسها حتى ظنت بالله غير الحق ظن الجاهلية؟
قيل: كان سبب ذلك فيما ذكر لنا، كما:-
٨٠٧٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبي ﷺ بدرًا من قابلٍ، فقال نعم! نعم! فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة، فبعث رسول الله ﷺ رجلا فقال:
(١) في المطبوعة: "وسواء ذلك" بالواو، والصواب من المخطوطة.
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٠.
"انظر، فإن رأيتهم قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم، (١) فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا أثقالهم، (٢) فإن القوم ينزلون المدينة، فاتقوا الله واصبروا" ووطَّنهم على القتال. فلما أبصرهم الرسولُ قعدوا على الأثقال سراعًا عجالا نادى بأعلى صوته بذهابهم. فلما رأى المؤمنون ذلك صدَّقوا نبي الله ﷺ فناموا، وبقى أناس من المنافقين يظنون أنّ القوم يأتونهم. فقال الله جل وعز، يذكر حين أخبرهم النبي ﷺ إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ويظنون بالله غير الحقّ ظن الجاهلية".
٨٠٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: أمَّنهم يومئذ بنعاس غشَّاهم. وإنما ينعُسُ من يأمن ="يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية".
٨٠٧٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن أنزل عليه النعاس يوم أحد أمنة، حتى سقط من يدي مرارًا = قال أبو جعفر: يعني سوطه، أو سيفه.
٨٠٧٥- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحُد، فجعلت ما أرى أحدًا من القوم إلا تحت حجفته يميد من النعاس. (٣).
(١) الأثقال جمع ثقل (بفتحتين) : وهو متاع المسافر، وعنى به الإبل التي تحمل المتاع. وجنب الفرس والأسير وغيره: قاده إلى جنبه.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة والدر المنثور ٢: ٨٧: "وجنبوا على أثقالهم"، والصواب الذي لا شك فيه حذف"على".
(٣) "الحجفة": ضرب من الترسة، تتخذ من جلود الإبل مقورة، يطارق بعضها على بعض، ليس فيه خشب، وهي الحجفة والدرقة."ماد يميد": مال وتحرك واضطرب.
٨٠٧٦- حدثنا ابن بشار وابن المثني قالا حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن صبَّ عليه النعاس يوم أحد.
٨٠٧٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أنس بن مالك: عن أبي طلحة: أنه كان يومئذ ممن غشِيه النعاس، قال: كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه، من النعاس.
٨٠٧٨- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا، والله أعلم، عن أنس: أن أبا طلحة حدثهم: أنه كان يومئذ ممن غشيه النعاس، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، ويسقط = والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همَّة إلا أنفسهم،"يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية"، الآية كلها.
٨٠٧٩- حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال، حدثنا ضرار بن صُرد قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه قال: سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله عز وجل:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمَنةً نعاسًا". قال: ألقي علينا النوم يوم أحد.
٨٠٨٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا"، الآية، وذاكم يوم أحد، كانوا يومئذ فريقين، فأما المؤمنون فغشّاهم الله النعاس أمنةً منه ورحمة.
٨٠٨١- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، نحوه.
٨٠٨٢- حدثنا المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"أمنة نعاسًا"، قال: ألقي عليهم النعاس، فكان ذلك أمنةً لهم.
٨٠٨٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال، قال عبد الله: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.
٨٠٨٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا"، قال: أنزل النعاس أمنة منه على أهل اليقين به، فهم نيامٌ لا يخافون. (١)
٨٠٨٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"أمنة نعاسًا"، قال: ألقى الله عليهم النعاس، فكان"أمنة لهم". وذكر أن أبا طلحة قال: ألقي عليًّ النعاس يومئذ، فكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي.
٨٠٨٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة = وهشام بن عروة، عن عروة، عن الزبير، أنهما قالا لقد رفعنا رءوسنا يوم أحد، فجعلنا ننظر، فما منهم من أحد إلا وهو يميل بجنب حجفته. قال: وتلا هذه الآية:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنةً نعاسًا".
* * *
(١) الأثر: ٨٠٨٤- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٦٧.

القول في تأويل قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"وطائفة منكم"، أيها المؤمنون ="قد أهمتهم أنفسهم"، يقول: هم المنافقون لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكًا في أمر الله، وتكذيبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، وَمحْسَبة منهم أن الله خاذل نبيه ومُعْلٍ عليه أهل الكفر به، (١) يقولون: هل لنا من الأمر من شيء. كالذي:-
٨٠٨٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: والطائفة الأخرى: المنافقون، ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبُه وأخذله للحق، يظنون بالله غير الحق ظنونًا كاذبة، إنما هم أهل شك وريبة في أمر الله: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ).
٨٠٨٨- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همة إلا أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا) قال الله عز وجل: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) الآية.
٨٠٨٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وطائفة
(١) حسب الشيء يحسبه (بكسر السين) حسبانًا (بكسر الحاء) ومحسبة ومحسبة (بكسر السين وفتحها)، ظنه طنًا.
قد أهمتهم أنفسهم"، قال: أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوُّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبةٌ. (١)
٨٠٩٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وطائفة قد أهمتهم أنفسهم" إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المنافقون.
* * *
وأما قوله:"ظنّ الجاهلية"، فإنه يعني أهل الشرك. كالذي:-
٨٠٩١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ظنّ الجاهلية"، قال: ظن أهل الشرك.
٨٠٩٢- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"ظن الجاهلية"، قال: ظن أهل الشرك.
* * *
قال أبو جعفر: وفي رفع قوله:"وطائفة"، وجهان.
أحدهما، أن تكون مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله:"قد أهمتهم".
والآخر: بقوله:"يظنون بالله غير الحق"، ولو كانت منصوبة كان جائزًا، وكانت"الواو"، في قوله:"وطائفة"، ظرفًا للفعل، بمعنى: وأهمت طائفة أنفسهم، كما قال (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) [سورة الذاريات: ٤٧]. (٢)
* * *
(١) الأثر: ٨٠٨٩- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٨٤.
(٢) قد استقصى هذا الباب من العربية، الفراء في معاني القرآن ١: ٢٤٠ - ٢٤٢.
القول في تأويل قوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك الطائفة المنافقةَ التي قد أهمَّتهم أنفسهم، يقولون: ليس لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله، ولو كان لنا من الأمر شيء ما خرجنا لقتال من قاتلنا فقتلونا. كما:-
٨٠٩٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قيل لعبد الله بن أبيّ: قُتل بنو الخزرج اليوم! قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ قيل إنّ الأمر كله لله!. (١)
* * *
وهذا أمر مبتدأ من الله عز وجل، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المنافقين:"إن الأمر كله لله"، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحبّ.
ثم عاد إلى الخبر عن ذكر نفاق المنافقين، فقال:"يُخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك" يقول: يخفي، يا محمد، هؤلاء المنافقون الذين وصفتُ لك صفتهم، في أنفسهم من الكفر والشك في الله، ما لا يبدون لك. ثم أظهر نبيَّه ﷺ على ما كانوا يخفونه بينهم من نفاقهم، والحسرة التي أصابتهم على حضورهم مع المسلمين مشهدهم بأحد، فقال مخبرًا عن قيلهم الكفرَ وإعلانهم النفاقَ بينهم:"يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا"، يعني بذلك، أنّ هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشركين إلينا، ما خرجنا
(١) في المطبوعة: "قل إن الأمر كله لله" كنص الآية، وأثبت ما في المخطوطة.
إليهم، ولا قُتل منا أحد في الموضع الذي قتلوا فيه بأحد.
* * *
وذكر أن ممن قال هذا القول، معتّب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف.
*ذكر الخبر بذلك:
٨٠٩٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، قال، قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: والله إنّي لأسمع قول معتِّب بن قشير، أخي بني عمرو بن عوف، والنعاسُ يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لوْ كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا! (١)
٨٠٩٥- حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي، عن ابن إسحاق قال، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، بمثله.
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: (قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ)، بنصب"الكل" على وجه النعت لـ"الأمر" والصفة له.
* * *
وقرأه بعض قرأة أهل البصرة: (قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) برفع"الكل"، على توجيه"الكل" إلى أنه اسم، وقوله"لله" خبره، كقول القائل:"إن الأمر بعضه لعبد الله. (٢).
* * *
وقد يجوز أن يكون"الكل" في قراءة من قرأه بالنصب، منصوبًا على البدل.
* * *
(١) لم أجد نص الخبر في سيرة ابن هشام، في خبر أحد، ولكني وجدت معناه والإشارة إليه قبل أحد في ذكر من اجتمع إلى يهود من منافقي الأنصار ٢: ١٦٩.
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٣.
قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءة عندنا، النصبُ في"الكل" لإجماع أكثر القرأة عليه، من غير أن تكون القراءة الأخرى خطأ في معنى أو عربية. ولو كانت القراءة بالرفع في ذلك مستفيضة في القرأة، لكانت سواءً عندي القراءةُ بأيِّ ذلك قرئ، لاتفاق معاني ذلك بأيَ وجهيه قرئ.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (١٥٤)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل، يا محمد، للذين وصفت لك صفتهم من المنافقين: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا مع المؤمنين مشهدهم، ولم تحضروا معهم حرب أعدائهم من المشركين، فيظهرَ للمؤمنين ما كنتم تخفونه من نفاقكم، وتكتمونه من شككم في دينكم (١) ="لبرز الذين كُتب عليهم القتل"، يقول: لظهر للموضع الذي كتب عليه مصرعه فيه، من قد كتب عليه القتل منهم، (٢) ولخرج من بيته إليه حتى يصرع في الموضع الذي كُتب عليه أن يصرع فيه. (٣).
* * *
وأما قوله:"وليبتلي الله ما في صدوركم"، فإنه يعني به: وليبتلي الله ما في صدوركم، أيها المنافقون، كنتم تبرزون من بيوتكم إلى مضاجعكم.
* * *
(١) في المطبوعة: "من شرككم في دينكم"، والصواب من المخطوطة.
(٢) انظر تفسير"برز" فيما سلف ٥: ٣٥٤.
(٣) في المطبوعة: "ويخرج من بيته"، لم يحسن قراءة المخطوطة.
ويعني بقوله:"وليبتلي الله ما في صدوركم"، وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك، فيميِّزكم = بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم = من المؤمنين. (١)
* * *
وقد دللنا فيما مضى على أنّ معاني نظائر قوله:"ليبتلي الله" و"وليعلم الله" وما أشبه ذلك، وإن كان في ظاهر الكلام مضافًا إلى الله الوصف به، فمرادٌ به أولياؤه وأهل طاعته = (٢) وأنّ معنى ذلك: وليختبر أولياءُ الله، وأهل طاعته الذي في صدوركم من الشك والمرض، فيعرفوكم، [فيميّزوكم] من أهل الإخلاص واليقين ="وليمحص ما في قلوبكم"، يقول وليتبينوا ما في قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين من العداوة أو الولاية. (٣)
* * *
"والله عليم بذات الصدور"، يقول: والله ذو علم بالذي في صدور خلقه من خير وشر، وإيمان وكفر، لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها علانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن إسحاق يقول:
٨٠٩٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ذكر الله تلاومَهم -يعني: تلاوم المنافقين - وحسرتهم على ما أصابهم، ثم قال لنبيه ﷺ قل:"لو كنتم في بيوتكم"، لم تحضروا هذا الموضع الذي أظهر الله جل ثناؤه فيه منكم ما أظهر من سرائركم، لأخرج الذي كتب عليهم القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يبتلي به ما في صدوركم ="وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور"، أي لا يخفى عليه ما في صدورهم، (٤)
(١) انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف ٧: ٢٩٧ تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر ما سلف قريبًا ص: ٢٤٦، تعليق ٢، / ثم انظر ٣: ١٦٠ - ١٦٢.
(٣) انظر تفسير"محص" فيما سلف ص: ٢٤٤.
(٤) في المطبوعة"لا يخفى عليه شيء مما في صدورهم"، وفي المخطوطة"لا يخفى عليه شيء ما في صدورهم"، وضرب بالقلم على"شيء"، ولكن الناشر آثر إثباتها، وجعل"ما""مما"، والصواب المطابق لنص السيرة هو ما أثبت.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى مُمْتَنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمَنَة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مسْتَلْئمو السلاح في حال هَمِّهم وغَمِّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان(١) كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر :﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [ وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ ] (٢) [الأنفال: ١١].
وقال [ الإمام ](٣) أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم وكيع(٤) عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود قال : النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان.
قال البخاري : قال(٥) لي خليفة : حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، رضي الله عنه، قال : كنت فيمن تَغَشاه(٦) النعاس يوم أحُد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه.
هكذا رواه في المغازي معلقا. ورواه في كتاب التفسير مُسْنَدًا عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال : غَشينا النعاس ونحن في مَصَافنا يوم أحد. قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه.
وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم، من حديث حَمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة قال : رفعت رأسي يوم أحُد، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد(٧) تحت جَحَفَتِه من النعاس. لفظ الترمذي، وقال : حسن صحيح.
ورواه النسائي أيضا، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن أبي قتيبة، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس قال : قال أبو طلحة : كنت فيمن ألقي عليه النعاس - الحديث(٨).
وهكذا رُوي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه(٩).
وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك ؛ أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحُد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، قال : والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هَمٌّ إلا أنفسهُم، أجبن قوم وأرعنه، وأخْذَله للحق ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كَذَبَةَ، أهل(١٠) شك وريب في الله، عز وجل(١١).
هكذا رواه بهذه الزيادة، وكأنها من كلام قتادة، رحمه الله، وهو كما قال ؛ فإن الله عز وجل يقول :﴿ثُمَّ أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ يعني : أهل الإيمان واليقين والثبات(١٢) والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله ويُنْجِز له مأموله، ولهذا قال :﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني : لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كما قال في الآية الأخرى :﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا [ وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ](١٣) [الفتح: ١٢] وهكذا هؤلاء، اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنَّها الفيصلة(١٤) وأن الإسلام قد باد وأهلُه، هذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ﴿يَقُولُونَ﴾ في تلك الحال :﴿هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الله تعالى :﴿قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ثم فَسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله :﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أي : يسرون (١٥) هذه المقالة عن رسول الله ﷺ.
قال [ محمد ](١٦) بن إسحاق بن يسار : فحدثني يحيى بن عباد(١٧) بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال : قال الزبير : لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال : فوالله إني لأسمع قول مُعْتَب بن قُشَير، ما أسمعه إلا كالحلم، [ يقول ](١٨) ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله [ تعالى ](١٩) ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول مُعتَب. رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى :﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي : هذا قدر مقدر من الله عز وجل، وحكم حَتْم لا يحاد(٢٠) عنه، ولا مناص منه.
وقوله :﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي : يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيثَ من الطيب، ويظهر أمْرَ المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي : بما يختلج(٢١) في الصدور من السرائر والضمائر.
١ في جـ، ر، أ، و: "الإيمان"..
٢ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية"..
٣ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٤ في جـ، ر، أ، و: "ووكيع"..
٥ في أ، و: "وقال"..
٦ في جـ، ر: "يغشاه"..
٧ في جـ، ر: "يمتد"..
٨ صحيح البخاري (٤٥٦٢، ٤٠٦٨) وسنن الترمذي برقم (٣٠٠٧، ٣٠٠٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨٠)..
٩ في ر: "عنهما"..
١٠ في جـ، ر، أ، و: "كذبة، إنما هم أهل"..
١١ دلائل النبوة للبيهقي (٣/٢٧٣)..
١٢ في ر: "والبيان"..
١٣ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية..
١٤ في ر: "الفضيلة"..
١٥ في أ: "أي لا يسرون"..
١٦ زيادة من جـ، ر، أ، و..
١٧ في أ: "عباد الله"..
١٨ زيادة من ر..
١٩ زيادة من ر، وفي جـ، أ: "عز وجل"..
٢٠ في ر، أ، و: "مجيد"..
٢١ في جـ، ر، أ: "يتخالج"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿ثُمَّ أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾
يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنا عَلَى عِبَادِهِ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّكِينَةِ والأمَنَة، وَهُوَ النُّعَاسُ الَّذِي غَشِيَهُمْ وَهُمْ مسْتَلْئمو السِّلَاحِ فِي حَالِ هَمِّهم وغَمِّهم، وَالنُّعَاسُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَمَانِ (١) كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ] (٢)﴾ [الْأَنْفَالِ: ١١].
وَقَالَ [الْإِمَامُ] (٣) أَبُو مُحَمَّدٍ عبد الرحمن ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حدثنا أبو نعيم وَكِيعٌ (٤) عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ مِنَ اللَّهِ، وَفِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ (٥) لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشاه (٦) النُّعَاسُ يَوْمَ أحُد، حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا، يَسْقُطُ وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ.
هَكَذَا رَوَاهُ فِي الْمُغَازِي مُعَلَّقًا. وَرَوَاهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مُسْنَدًا عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: غَشينا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافنا يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عن أنس، عن
(١) في جـ، ر، أ، و: "الإيمان".
(٢) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(٣) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٤) في جـ، ر، أ، و: "ووكيع".
(٥) في أ، و: "وقال".
(٦) في جـ، ر: "يغشاه".
أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أحُد، وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ وَمَا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا يميد (١) تحت جَحَفَتِه مِنَ النُّعَاسِ. لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي قُتَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: كُنْتُ فِيمَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ -الْحَدِيثَ (٢).
وَهَكَذَا رُوي عَنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (٣).
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أحُد، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ، قَالَ: وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى الْمُنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا أنفسهُم، أَجْبَنُ قَوْمٍ وَأَرْعَنُهُ، وأخْذَله لِلْحَقِّ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كَذَبَةَ، أَهْلُ (٤) شَكٍّ وَرَيْبٍ فِي اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ (٥).
هَكَذَا رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَكَأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ وَالثَّبَاتِ (٦) وَالتَّوَكُّلِ الصَّادِقِ، وَهُمُ الْجَازِمُونَ بِأَنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُ رَسُولَهُ ويُنْجِز لَهُ مَأْمُولَهُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يَعْنِي: لَا يَغْشَاهُمُ النُّعَاسُ مِنَ الْقَلَقِ وَالْجَزَعِ وَالْخَوْفِ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا [وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا] (٧)﴾ [الْفَتْحِ: ١٢] وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ، اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا ظَهَرُوا تِلْكَ السَّاعَةِ أنَّها الْفَيْصَلَةُ (٨) وَأَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ بَادَ وأهلُه، هَذَا شَأْنُ أَهْلِ الرَّيْبِ وَالشَّكِّ إِذَا حَصَلَ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ الْفَظِيعَةِ، تَحْصُلُ لَهُمْ هَذِهِ الظُّنُونُ الشَّنِيعَةُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ ﴿يَقُولُونَ﴾ فِي تِلْكَ الْحَالِ: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ثُمَّ فَسر مَا أَخْفَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أَيْ: يُسِرُّونَ (٩) هَذِهِ الْمَقَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ [مُحَمَّدُ] (١٠) بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ (١١) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ الزُّبَيْرُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اشْتَدَّ الْخَوْفُ عَلَيْنَا، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا النَّوْمَ، فَمَا مِنَّا مِنْ رَجُلٍ إِلَّا ذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لِأَسْمَعُ قول مُعْتَب بن
(١) في جـ، ر: "يمتد".
(٢) صحيح البخاري (٤٥٦٢، ٤٠٦٨) وسنن الترمذي برقم (٣٠٠٧، ٣٠٠٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨٠).
(٣) في ر: "عنهما".
(٤) في جـ، ر، أ، و: "كذبة، إنما هم أهل".
(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٣/٢٧٣).
(٦) في ر: "والبيان".
(٧) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية.
(٨) في ر: "الفضيلة".
(٩) في أ: "أي لا يسرون".
(١٠) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(١١) في أ: "عباد الله".
قُشَير، مَا أَسْمَعُهُ إِلَّا كَالْحُلْمِ، [يَقُولُ] (١) ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فَحَفِظْتُهَا مِنْهُ، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] (٢) ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لِقَوْلِ مُعتَب. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أَيْ: هَذَا قَدَرٌ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَحُكْمٌ حَتْم لَا يُحَادُ (٣) عَنْهُ، وَلَا مَنَاصَ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: يَخْتَبِرَكُمْ بِمَا جَرَى عَلَيْكُمْ، وَلِيَمِيزَ الخبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَيُظْهِرَ أمْرَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ لِلنَّاسِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ: بِمَا يَخْتَلِجُ (٤) فِي الصُّدُورِ مِنَ السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ.
ثُمَّ قَالَ (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ أَيْ: بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا، وَإِنَّ مِنْ جَزَاء السيئةَ السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا (٦).
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: عَمّا كَانَ مِنْهُمْ مَنَ الْفِرَارِ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أَيْ: يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويحلُم عَنْ خَلْقِهِ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي شَأْنِ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَتَوَلِّيهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَّ اللَّهَ [قَدْ] (٧) عَفَا عَنْهُمْ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ وَمُنَاسِبٌ ذِكْرُهُ هَاهُنَا.
قَالَ (٨) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: لَقِيَ عبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ (٩) فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: مَا لِي أَرَاكَ جفوتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عثمانَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَبْلِغْهُ أَنِّي لَمْ أَفِرَّ يَوْمَ عَيْنَيْن (١٠) -قَالَ عَاصِمٌ: يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ-وَلَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ بَدْرٍ، وَلَمْ أَتْرُكْ سُنة عُمَرَ. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَخَبر ذَلِكَ عُثْمَانَ، قَالَ: فَقَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ: إِنِّي لَمْ أَفِرَّ يَوْمَ عَيْنَيْن (١١) فَكَيْفَ يعَيرني بذَنْب قَدْ (١٢) عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وَأَمَّا قولُهُ: إِنِّي تَخَلَّفْتُ يَوْمَ بَدْرٍ فَإِنِّي كُنْتُ أُمَرِّضُ رقَيَّة بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَتْ، وَقَدْ ضَرَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمٍ، وَمَنْ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمٍ فَقَدْ شهِد. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنِّي لَمْ أَتْرُكْ سنَّة عُمَرَ" فَإِنِّي لَا أُطِيقُهَا وَلَا هُوَ، فَأْتِهِ فَحَدِّثْهُ بذلك (١٣).
(١) زيادة من ر.
(٢) زيادة من ر، وفي جـ، أ: "عز وجل".
(٣) في ر، أ، و: "مجيد".
(٤) في جـ، ر، أ: "يتخالج".
(٥) في أ: "وقال".
(٦) في جـ، ر، أ، و: "إن من جزاء السيئة السيئة بعدها وإن من جزاء الحسنة الحسنة بعدها".
(٧) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٨) في ر، أ، و: "وقال".
(٩) في و: "عتبة".
(١٠) في جـ، ر، أ: "حنين".
(١١) في ر، أ: "حنين".
(١٢) في جـ، ر، أ، و: "بذلك وقد".
(١٣) المسند (١/٦٨).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم﴾ الذي أصابكم ﴿أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾
ولا شك أن هذا رحمة بهم، وإحسان وتثبيت لقلوبهم، وزيادة طمأنينة ؛ لأن الخائف لا يأتيه النعاس لما في قلبه من الخوف، فإذا زال الخوف عن القلب أمكن أن يأتيه النعاس.
وهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون الذين ليس لهم هم إلا إقامة دين الله، ورضا الله ورسوله، ومصلحة إخوانهم المسلمين.
وأما الطائفة الأخرى الذين ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ فليس لهم هم في غيرها، لنفاقهم أو ضعف إيمانهم، فلهذا لم يصبهم من النعاس ما أصاب غيرهم، ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء﴾ وهذا استفهام إنكاري، أي : ما لنا من الأمر -أي : النصر والظهور- شيء، فأساءوا الظن بربهم وبدينه ونبيه، وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله، وأن هذه الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين الله، قال الله في جوابهم :﴿قل إن الأمر كله لله﴾ الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي، فجميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وعاقبة(١)  النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى عليهم ما جرى.
﴿يخفون﴾ يعني المنافقين ﴿في أنفسهم ما لا يبدون لك﴾ ثم بين الأمر الذي يخفونه، فقال :﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء﴾ أي : لو كان لنا في هذه الواقعة رأي ومشورة ﴿ما قتلنا هاهنا﴾ وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر الله، وتسفيه منهم لرأي رسول الله ﷺ، ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم، فرد الله عليهم بقوله :﴿قل لو كنتم في بيوتكم﴾ التي هي أبعد شيء عن مظان القتل ﴿لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ فالأسباب -وإن عظمت- إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئا، بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة، ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم﴾ أي : يختبر ما فيها من نفاق وإيمان وضعف إيمان، ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ من وساوس الشيطان، وما تأثر عنها من الصفات غير الحميدة.
﴿والله عليم بذات الصدور﴾ أي : بما فيها وما أكنته، فاقتضى علمه وحكمته أن قدر من الأسباب، ما به تظهر مخبآت الصدور وسرائر الأمور.
١ - في ب: وعاقبته..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ﴾.
﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم﴾ الذي أصابكم ﴿أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾.
ولا شك أن هذا رحمة بهم، وإحسان وتثبيت لقلوبهم، وزيادة طمأنينة؛ لأن الخائف لا يأتيه النعاس لما في قلبه من الخوف، فإذا زال الخوف عن القلب أمكن أن يأتيه النعاس.
وهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون الذين ليس لهم هم إلا إقامة دين الله، ورضا الله ورسوله، ومصلحة إخوانهم المسلمين.
وأما الطائفة الأخرى الذين ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ فليس لهم هم في غيرها، لنفاقهم أو ضعف إيمانهم، فلهذا لم يصبهم من النعاس ما أصاب غيرهم، ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء﴾ وهذا استفهام إنكاري، أي: ما لنا من الأمر -أي: النصر والظهور- شيء، فأساءوا الظن بربهم وبدينه ونبيه، وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله، وأن هذه الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين الله، قال الله في جوابهم: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾ الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي، فجميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وعاقبة (١) النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى عليهم ما جرى.
﴿يخفون﴾ يعني المنافقين ﴿في أنفسهم ما لا يبدون لك﴾ ثم بين الأمر الذي يخفونه، فقال: ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء﴾ أي: لو كان لنا في هذه الواقعة رأي ومشورة ﴿ما قتلنا هاهنا﴾ وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر الله، وتسفيه منهم لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم﴾ التي هي أبعد شيء عن مظان القتل ﴿لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ فالأسباب -وإن عظمت- إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئا، بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة، ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم﴾ أي: يختبر ما فيها من نفاق وإيمان وضعف إيمان، ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ من وساوس الشيطان، وما تأثر عنها من الصفات غير الحميدة.
﴿والله عليم بذات الصدور﴾ أي: بما فيها وما أكنته، فاقتضى علمه وحكمته أن قدر من الأسباب، ما به تظهر مخبآت الصدور وسرائر الأمور.
ثم قال تعالى:
(١) في ب: وعاقبته.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَمَنَةً
أَمْنًا، وَعَدَمَ خَوْفٍ.
مَضَاجِعِهِمْ
مَصَارِعِهِمْ.

إعراب الآية ١٥٤ من سورة آل عمران

من كتاب: إعراب القرآن

وعيسى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وهما لغتان. مَثْوَى الظَّالِمِينَ رفع بئس.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٢]

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)
ويجوز وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ مدغما وكذا إِذْ تَحُسُّونَهُمْ. وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة أي منكم من يريد الغنيمة بقتاله ومنكم من يريد الآخرة بقتال. ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ في هذه الآية غموض في العربية وذاك أن قوله جلّ وعزّ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ليس بمخاطبة للذين عصوا وإنما هو مخاطبة للمؤمنين، وذلك أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرهم أن ينصرفوا إلى ناحية الجبل ليتحرّزوا إذ كان ليس فيهم فضل للقتال. وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ للعاصين خاصة وهم الرماة وهذا في يوم أحد كانت الغلبة بدئا للمؤمنين حتى قتلوا صاحب راية المشركين فذلك قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ فلمّا عصى الرماة النبي صلّى الله عليه وسلّم وشغلوا بالغنيمة صارت الهزيمة عليهم ثم عفا الله عنهم ونظير هذا من المضمر فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة: ٤٠] أي على أبي بكر الصدّيق قلق حتّى تبين له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسكن وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التوبة: ٤٠] للنبي صلّى الله عليه وسلّم.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٣]

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وقرأ الحسن ولا تلون «١» بواو واحدة وقد ذكرنا نظيره «٢»، وروى أبو يوسف الأعشى عن أبي بكر بن عيّاش عن عاصم ولا تلوون بضم التاء وهي لغة شاذة. فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ لمّا صاح صائح يوم أحد قتل محمد صلّى الله عليه وسلّم زال غمّهم بما أصابهم من القتل والجراح لغلط ما وقعوا فيه، وقيل: وقفهم الله جلّ وعزّ على ذنبهم فشغلوا بذلك عما أصابهم وقيل فأثابكم أن غمّ الكفار كما غموكم لكيلا تحزنوا بما أصابكم دونهم.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٤]

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)
(١) انظر مختصر ابن خالويه ٢٣، والبحر المحيط ٣/ ٨٩.
(٢) انظر إعراب الآية ٧٨- آل عمران.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٥٤ من سورة آل عمران

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

بُيُوتِكُمْ

(بُيوتكمْ) بضم الباء وإسكان الميم

ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو حفص عن عاصم رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(بُيوتِكمُ) بضم الباء وصلة الميم

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(بِيوتكمْ) بكسر الباء وإسكان الميم

قالون عن نافع هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(بِيوتِكمُ) بكسر الباء وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير

(عليهُمُ) بضم الهاء والميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(عليهِمِ) بكسر الهاء والميم

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(عليهِمُ) بكسر الهاء وضم الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

عَلَيْهِمُ

(عليهُمُ) بضم الهاء والميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(عليهِمِ) بكسر الهاء والميم

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(عليهِمُ) بكسر الهاء وضم الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

كُلَّهُ

(كلَّه) بنصب اللام

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(كُلَّه) يرفع اللام

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

يَغْشَى

(تَغْشَى) بالتاء وإمالة الألف

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(يَغْشَى) بالياء وتقليل الألف

ورش عن نافع

(يَغشى) بالياء وفتح الألف

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٥٤ من سورة آل عمران

١٦ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣٧ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: قال جبريل: يا محمد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٥.
٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك﴾، قال: كان ما أخفَوْا في أنفسهم أن قالوا: ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٥.
٣
عن محمد بن السائب الكلبيِّ: كان ما أخفَوْا في أنفسهم أن قالوا: لو كُنّا على شيء من الأمر -أي: مِن الحقِّ- ما قُتِلْنا ها هنا، ولو كُنّا في بيوتنا ما أصابنا القتل١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٣٢٨-.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قل إن الأمر﴾ يعني: النصر ﴿كله لله﴾. ثُمَّ قال سبحانه: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾، يقول: يُسِرُّون في قلوبهم ما لا يُظْهِرون لك بألسنتهم، والذى أخفَوْا في أنفسهم أنهم قالوا: لو كُنّا في بيوتنا ما قُتِلنا هاهنا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٠٧-٣٠٨.
٥
عن عبّاد بن منصور، قال: سألتُ الحسن البصريَّ عن قوله: ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾. قال: ذلك المنافق؛ لَمّا قُتِل مَن قُتِل مِن أصحاب محمد ﷺ أتَوْا عبدَ الله بنَ أُبَيِّ، فقالوا له: ما ترى؟ فقال: إنّا واللهِ ما نُؤامَر، لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٥.
٦
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء﴾، قال: ذاكم يومَ أحد، كانوا يومئذٍ فريقين، فأمّا المؤمنون فغشاهم الله النعاس، والطائفة الأخرى المنافقون، وليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أجبنُ قومٍ، وأرعبُهم، وأخذلُهم للحق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٤-٧٩٥، وابن المنذر ٢‏/‏٤٥٦-٤٥٧.
٧
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: فقالوا: لو كُنّا على شيء من الأمر ما قُتِلنا هاهنا، ولو كُنّا في بيوتنا ما أصابنا القتلُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٥.
٨
عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، قال: سُئِل عن قوله: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾. قال: كَتَب الله على المؤمنين أن يُقاتِلوا في سبيله، وليس كلُّ مَن يقاتل يُقتَل، ولكن يُقتَل مَن كَتَب اللهُ عليه القتلَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٧١.
٩
قال مقاتل بن سليمان: قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿لو كنتم في بيوتكم لبرز﴾ كما تقولون: لَخَرج من البيوت ﴿الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ فمَن كتب عليه القتل لا يموت أبدًا، ومن كتب عليه الموت لا يُقْتل أبدًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٠٧-٣٠٨.
١٠
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ذكر الله تَلاوُمَهم -يعني: تلاومَ المنافقين-، وحسرتَهم على ما أصابهم، ثُمَّ قال لنبيه ﷺ: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم﴾ لم تحضروا هذا الموضع الذي أظهر الله جل وعز فيه منكم ما أظهر مِن سرائركم؛ لأخرج الذين كُتِب عليهم القتلُ إلى موطنٍ غيرِه يُصْرَعون فيه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٧٠، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٦، وابن المنذر ٢‏/‏٤٥٨ من طريق إبراهيم بن سعد.
١١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن ثور- قال: إنّ المنافقين قالوا لعبد الله بن أُبَيِّ -وكان سيَّد المنافقين في أنفسهم-: قُتِل اليومَ بنو الخزرج. فقال: وهل لنا من الأمر شيء، أما واللهِ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وقال: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٦٧ من طريق حجاج، وابن المنذر (١٠٨٨) واللفظ له.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾، يقول: الله عليم بما في القلوب مِن الإيمان والنفاق، والذين أخفوا في أنفسهم قولَهم: إنّ محمدًا قد قُتِل. وقولهم: لو كان لنا مِن الأمر شيءٌ ما قُتِلنا هاهنا. يعني: هذا المكان، فهذا الذي قال الله سبحانه لهم: ﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿لو كنتم في بيوتكم﴾ كما تقولون ﴿لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٠٧-٣٠٨.
١٣
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم﴾، قال: يبتلي به ما في صدوركم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٧٠، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٦، وابن المنذر ٢‏/‏٤٥٨ من طريق إبراهيم بن سعد.
١٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والله عليم بذات الصدور﴾، يقول: الله عليمٌ بما في القلوب مِن الإيمان والنفاق١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٠٧-٣٠٨.
١٥
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ﴿والله عليم بذات الصدور﴾، أي: لا يخفى عليه ما في صدورهم مِمّا اسْتَخْفَوْا به منكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٧٠، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٦، وابن المنذر ٢‏/‏٤٥٨ من طريق إبراهيم بن سعد.
١٦
عن أنس أن أبا طلحة قال: غُشِّينا ونحنُ في مصافِّنا يومَ أحد. حدَّث أنّه كان مِمَّن غَشِيَه النعاسُ يومئذ، قال: فجعل سيفي يسقط مِن يدي وآخذُه، ويسقطُ وآخذُه. فذلك قوله: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾، والطائفةُ الأخرى المنافقون ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم؛ أجبنُ قوم، وأرعبُه، وأخذلُه للحق؛ ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾، كَذَّبَهم، إنّما هم أهل شك وريبة في الله[[أخرجه البخاري (٤٠٦٨، ٤٥٦٢)، والترمذي (٣٠٠٧، ٣٠٠٨)، والنسائي في الكبرى (١١٠٨٠، ١١١٩٨، ١١١٩٩)، وابن أبي شيبة ١٤/٣٩٩، ٤٠٦، ٤٠٧، وابن جرير ٦/١٦١، ١٦٢، وابن المنذر (١٠٨٦)، وابن أبي حاتم ٣/٧٩٣، وابن حبان (٧١٨٠)، والطبراني (٤٦٩٩، ٤٧٠٠، ٤٧٠٨)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٢١)، والبيهقي في الدلائل ٣/٢٧٢-٢٧٤. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]][[c=١٤٤٠]]
١٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد بن بشير- في قول الله تعالى: ﴿يغشى طائفة منكم﴾، قال: وكانوا يومئذٍ فِرْقَتَيْن؛ فأمّا فرقةٌ فغشيها النعاسُ، وأمّا الفرقة الأخرى فالمنافقون ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أرعبُ قومٍ، وأخبثُه، وأخذلُه للحق[[أخرجه ابن أبي حاتم ٣/٧٩٣، ٧٩٤. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٢٨-.]]
١٨
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هِمَّةٌ إلا أنفسهم ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾. قال الله عز وجل: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ الآية[[أخرجه ابن جرير ٦/١٦٥.]]
١٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾، يعني: الذين لم يُلْقَ عليهم النعاس[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٣٠٧-٣٠٨.]]
٢٠
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾، قال: أهل النفاق قد أهمتهم أنفسُهم تَخَوُّفَ القتل، وذلك أنّهم لا يرجون عاقبة[[أخرجه ابن جرير ٦/١٦٥.]][[c=١٤٤١]]
٢١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾ إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المنافقون[[أخرجه ابن جرير ٦/١٦٦.]]
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾ يعني: التكذيب بالقدر، وهو قولهم: ﴿لوكان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا﴾[[تفسير الثعلبي ٣/١٨٧، وتفسير البغوي ٢/١٢٢.]][[c=١٤٤٢]]
٢٣
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ظن الجاهلية﴾، قال: ظن أهل الشرك[[أخرجه ابن جرير ٦/١٦٦.]]
٢٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: ﴿يظنون بالله غير الحق﴾ ظنونًا كاذبة، إنّما هم أهلُ شكٍّ وريبة في أمر الله، ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾[[أخرجه ابن جرير ٦/١٦٥، وابن المنذر ٢/٤٥٧، وابن أبي حاتم ٣/٧٩٤.]]
٢٥
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ظن الجاهلية﴾، قال: ظن أهل الشرك[[أخرجه ابن جرير ٦/١٦٦.]]
٢٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يظنون بالله غير الحق﴾ كذبًا، يقول المؤمنون: إنُّ محمدًا ﷺ قد قُتِل. ﴿ظن الجاهلية﴾ يقول: كظن جُهّال المشركين، أبو سفيان وأصحابه، وذلك أنّهم قالوا: إنّ محمدًا قد قُتِل[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٣٠٧-٣٠٨.]][[c=١٤٤٣]]
٢٧
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قوله: ﴿يظنون بالله غير الحق﴾، قال: وذلك أنّهم كانوا لا يرجون عاقبة، فذكر اللهُ تَلاوُمَهم وحسرتهم على ما أصابهم[[أخرجه ابن جرير ٦/١٧٠، وابن أبي حاتم ٣/٧٩٤.]][[c=١٤٤٤]]
٢٨
عن محمد بن السائب الكلبي، في قوله: ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء﴾، قال: هم المنافقون، قالوا لعبدِ الله بن أُبَيِّ بن سلول: قُتِل بنو الخزرج. فقال: وهل لنا من الأمر من شيء؟![[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٢٨-.]]
٢٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء﴾، هذا قولُ مُعَتِّب بن قُشَيْرٍ. يعني بالأمر: النصر[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٣٠٧-٣٠٨.]][[c=١٤٤٥]]
٣٠
عن عبد الرحمن بن عوف -من طريق المِسْوَر بن مَخْرَمة- أنّه سأله عن قول الله: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾. قال: أُلْقِي علينا النومُ يومَ أحد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏١٦٢، وابن المنذر (١٠٨٣)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٣، والطبراني (٢٨٥)، والبيهقي في الدلائل ٣‏/‏٢٧٤.
٣١
عن الزُّبَيْر بن العوام -من طريق عروة- قال: رفعتُ رأسي يوم أُحُد، فجعلتُ أنظر، وما منهم أحدٌ إلا وهو يَمِيدُ تحت حَجَفَتِه١ مِن النعاس. وتلا هذه الآية: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾ الآية٢
التخريج
  1. ١حجفته: ترسه الذي يتقي به، والحجفة: الترس إذا كان من الجلود. اللسان (حجف).
  2. ٢أخرجه الترمذي (عقب ٣٠٠٧)، وابن جرير ٦‏/‏١٦٤، والبيهقي في الدلائل ٣‏/‏٢٧٣. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٣٢
عن أبي طلحة -من طريق ثابت عن أنس- قال: رفعتُ رأسي يوم أحد، فجعلت أنظر، وما منهم أحدٌ إلا وهو يَمِيد تحت حَجَفَتِه مِن النعاس. فذلك قوله: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ٣‏/‏٥٠٥، وابن أبي شيبة ٥‏/‏٣٤٨، والترمذي (٣٠٠٧)، والحاكم ٢‏/‏٢٩٧، وابن جرير ٦‏/‏١٦١، والطبراني (٤٦٩٩)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٢١)، والبيهقي في الدلائل ٣‏/‏٢٧٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.
٣٣
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿أمنة نعاسا﴾، قال: ألقى الله عليهم النعاسَ، فكان أمَنَةً لهم، قال: وذُكِرَّ أنّ أبا طلحة قال: أُلْقِي عليَّ النعاسُ يومئذ، فكنت أنعس حتىيسقط سيفي من يدي١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ١٣٧، وابن جرير ٦/ ١٦٤، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٩٣.
٣٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- في الآية، قال: أمَّنهم اللهُ يومئذ بنُعاسٍ غشاهم بعد خوف، وإنما ينعس مَن يأمن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٦١.
٣٥
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿أمنة نعاسا﴾، قال: ألقى الله عز وجل عليهم النعاسَ، فكان ذلك أمنةً لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٦٣.
٣٦
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾، قال: أنزل الله النعاسُ أمَنَةً منه على أهل اليقين به، فهم نِيامٌ لا يخافون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٦٣، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٤.
٣٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾، يعني: مِن بعد غمِّ الهزيمة أمَنَةً نُعاسًا، وذلك أنّ الله عز وجل ألقى على بعضِهم النعاسَ، فذهب غمُّهم. فذلك قولُه عز وجل: ﴿يغشى﴾ النعاس ﴿طائفة منكم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٠٧-٣٠٨.

قراءات

قول واحد
١
عن إبراهيم النَّخَعِيِّ أنّه قرأ في آل عمران: ﴿أمَنَةً نُّعاسًا تَغْشى﴾ بالتاء١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حُمَيد كما في قطعة من تفسيره ص٥٩. وهي قراءة متواترة، قرأ بها حمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وقرأ بقية العشرة ﴿يَغْشى﴾ بالياء. انظر: النشر ٢‏/‏٢٤٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٦/١٦٠ بتصرف) هذه القراءة بقوله: «وذهب الذين قرءوا بالتأنيث إلى أنّ الأمنة هي التي تغشاهم؛ فأنّثوه لتأنيث الأَمَنَة». وبنحوه قال ابنُ عطية (٢/٣٩٣). وقد رجَّح ابنُ جرير (٦/١٦٠) صواب كلا القراءتين مستندًا لاستفاضتهما، وصِحَّتهما في المعنى، فقال: «لأنّ الأَمَنَة في هذا الموضع: هي النعاس، والنعاس: هو الأمنة، وسواءٌ ذلك، وبأيَّتِهما قرأ القارئُ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته».

نزول الآية

٤ أقوال
١
عن الزُّبير بن العوام -من طريق عبد الله بن الزبير- قال: لقد رأيتُني مع رسول الله ﷺ حين اشْتَدَّ الخوفُ علينا، أرسل اللهُ علينا النومَ، فما مِنّا مِن رجل إلا ذقنه في صدره، فواللهِ، إنِّي لَأسمعُ قولَ مُعَتِّب بن قُشَيْرٍ -ما أسمعه إلا كالحلم-: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا. فحفظتُها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾ إلى قوله: ﴿ما قتلنا ها هنا﴾ لقول مُعَتِّب بن قُشَيْرٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص٤٨٧-٤٨٨ (٤٢٣)، والبيهقي في الدلائل ٣‏/‏٢٧٣، وابن جرير ٦‏/‏١٦٨، وابن المنذر ٢‏/‏٤٥٤-٤٥٥ (١٠٨٤)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٥ (٤٣٧٣) من طريق يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير... فذكره. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٥‏/‏٢٢١: «إسناده صحيح».
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: مُعَتِّبٌ الذي قال يومَ أحد: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا. فأنزل اللهُ في ذلك من قوله: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله﴾ إلى آخر القصة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٥٢٢-، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٤ (٤٣٦٦) من طريق محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد، عن ابن عباس به. قال ابن حجر في العُجاب ١‏/‏٣٥١: «سند جيد». وقد تقدم.
٣
عن إسماعيل السُّدِّي: أنّ المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبيَّ ﷺ بدرًا مِن قابِل، فقال لهم: «نعم». فتخوَّف المسلمون أن ينزلوا المدينةَ، فبعث رسولُ الله ﷺ رجلًا، فقال: «انظر، فإن رأيتهم قعدوا على أثقالهم، وجنَّبوا خيولَهم؛ فإنّ القوم ذاهبون. وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم، وجنَّبوا أثقالهم؛ فإنّ القوم ينزلون المدينةَ، فاتَّقوا الله واصبِروا». ووَطَّنهم على القتال، فلمّا أبصرهم الرسولُ قعدوا على الأثقال سِراعًا عِجالًا نادى بأعلى صوته بذهابهم، فلمّا رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله ﷺ، فناموا، وبقي أُناسٌ مِن المنافقين يظنون أنّ القوم يأتونهم، فقال الله يذكر حين أخبرهم النبي ﷺ؛ إن كانوا ركبوا الأثقال، فإنهم منطلقون، فناموا: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٦٠-١٦١ مرسلًا.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾، نزلتْ في سبعة نفر: في أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحارث بن الصِّمَّة، وسهل بن ضيف، ورجلين من الأنصار رضي الله عنهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٠٧.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي رَزِينٍ- في الآية، قال: النُّعاسُ عند القتال أمَنَةٌ مِن الله، والنُّعاسُ في الصلاة مِن الشيطان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏١٦٣، وابن المنذر (١٠٨٢)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٩٣، والطبراني (٩٤٥١، ٩٤٥٢). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
التفسير بالمأثور لسورة آل عمران كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥٤ من سورة آل عمران

٤٠ وقفةً في هذه الآية

  • يعجبني قول الله: (نعاسا يغشى طائفة منكم!) كأني بالمنافق يرتعد قابضاً على سيفه، والمؤمن يخفق رأسه ويسقط سيفه من يده

    — وليد العاصمي

  • وطائفة قد : أهمتهم أنفسهم" نحن الذين نصنع الهموم لأنفسنا، لنتوقف عن ذلك، سوف تتوقف همومنا فورا

    — عبدالله بلقاسم

  • يحل بالعباد الابتلاء ليختبر الله مافي صدورهم من حسن الظن به أو عدمه،ويمحص مافي قلوبهم من أدران(وليبتلي الله مافي صدوركم وليمحص مافي قلوبكم).

    — سعود الشريم

  • إذا احتدم الصراع بين الحق والباطل كشف الله ضعاف النفوس الذين لا يطيقون مواصلة الحق(وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية).

    — سعود الشريم

  • وَطَائِفَةٌ قَدْ: أَهَمَّتْهُمْ : أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ همومنا كلها من صناعتنا وظنوننا وأوهامنا شمع مصنع الهموم في صدر بالشمع الأبيض، وتوقف عن إنتاج همومك على الفور

    — عبدالله بلقاسم

  • { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا}النعاس والنوم أمنة من الحزن بإذن الله ولذلك كثيرا ما ينسى الإنسان حزنه بعد نومه.

    — محمد الربيعة

  • ثم أنزل عليكم من بعد (الغم) أمنة" قد يحاول اﻵخرون مساعدتنا من الخارج لكن الذي يخلق الراحة والفرج في دواخلنا هو الله وحده. قل يارب

    — عبدالله بلقاسم

  • " ثم أنزل عليكم من بعد (الغم) (أمنة) نعاسا" من رحمة الله يا مؤمن مع كل ألم يحل بك ، انتظر بعده أمنا ينزل في أعماقك وسكينة تشد على قلبك.

    — عبدالله بلقاسم

  • المتشائمون بقايا جاهلية" يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية".

    — عبدالله بلقاسم

  • وطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ....الصادقون يجتازون أنانيتهم في المحن ويلغون ذواتهم فيها، ويفكرون في الناس.

    — عبدالله بلقاسم

  • هؤلاء الذين تهمهم أنفسهم! أبشروا بذم الله لكم،، (طائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية!) ظن الجاهلية:عدم نصره للمؤمنين

    — وليد العاصمي

  • الفرار من مواضع القتال لن يؤخر الأجل إذا وجب،، (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم!) فلمَ القعود إذن!

    — وليد العاصمي

و٢٨ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٥٤ من سورة آل عمران

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٥٤ من سورة آل عمران

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(154) Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال