الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ : وفي «صحيح البخاريِّ »، عن أنسٍ، أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ : غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ :" فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ "، ونحْوه عن الزُّبَيْر، وابنِ مسْعود، و( الواوُ ) في قوله :﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن.
وقوله سبحانه :﴿يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق﴾[آل عمران: ١٥٤] معناه : يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمَّد ﷺ يضمحلُّ.
قلْتُ : وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي «صحيح مُسْلِم »، وغيره، عن النبيِّ ﷺ حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه :( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي. . . ) الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود : واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنَسِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ :( مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ ) اه. وقوله :﴿ظَنَّ الجاهلية﴾ : ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه :﴿حَمِيَّةَ الجاهلية﴾ [الفتح: ٢٦] و﴿تَبَرُّجَ الجاهلية﴾، [الأحزاب: ٣٣] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة، وابْنُ جُرَيْج : قيل لعبد اللَّه ابْن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ : قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ :( وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء )، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا.
وقوله سبحانه :﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه :﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ. . .﴾ الآية : أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو.
وقوله سبحانه :﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا﴾ هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن.
وقوله تعالى :﴿وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ اللام في «ليبتلي » متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره : وليبتليَ، وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا الاختبار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى