جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿ثُمّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نّعَاساً يَغْشَىَ طَآئِفَةً مّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ يَقُولُونَ هَل لّنَا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنّ الأمْرَ كُلّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِيَ أَنْفُسِهِم مّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىَ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ﴾
يعني بذلك جل ثناؤه : ثم أنزل الله أيها المؤمنون من بعد الغمّ الذي أثابكم ربكم بعد غمّ تقدمه قبله أمنة، وهي الأمان على أهل الإخلاص منكم واليقين، دون أهل النفاق والشك. ثم بين جلّ ثناؤه عن الأمنة التي أنزلها عليهم ما هي ؟ فقال : نعاسا، بنصب النعاس على الإبدال من الأمنة.
ثم اختلفت القراء في قراءة قوله :﴿يَغْشَى﴾ فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض الكوفيين بالتذكير بالياء :﴿يَغْشَى﴾. وقرأ جماعة من قراء الكوفيين بالتأنيث :﴿تَغْشَى﴾ بالتاء. وذهب الذين قرأوا ذلك بالتذكير إلى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من المؤمنين دون الأمنة، فذكره بتذكير النعاس. وذهب الذين قرءوا ذلك بالتأنيث إلى أن الأمنة هي التي تغشاهم، فأنثوه لتأنيث الأمنة.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراء الأمصار غير مختلفتين في معنى ولا غيره، لأن الأمنة في هذا الموضع هي النعاس، والنعاس : هو الأمنة. وسواء ذلك، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الحقّ في قراءته، وكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله :﴿إنّ شَجَرَةَ الزّقُومِ طعَامُ الأثِيمِ كالمُهْلِ تَغْلي في البُطُونِ﴾ و ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ منّي تُمْنَى﴾ ﴿وَهُزّي إلَيْكِ بِجذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ﴾.
فإن قال قائل : وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عزّ وجلّ فيما افترقتا فيه من صفتهما، فآمنت إحداهما بنفسها حتى نعست، وأهمت الأخرى نفسها حتى ظنت بالله غير الحقّ ظنّ الجاهلية ؟ قيل : كان سبب ذلك فيما ذكر لنا، كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أن المشركين انصرفوا يوم أُحُد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبيّ ﷺ بدرا من قابل، فقال لهم :«نعم » فتخوّف المسلمون أن ينزلوا المدينة، فبعث رسول الله ﷺ رجلاً، فقال :«انْظُر فإنْ رأيتهم قَعدُوا على أثْقَالهم وجَنَبُوا خُيُولَهُمْ، فإنّ القَوْمَ ذَاهِبُونَ، وإنْ رأيْتُهمْ قد قعدوا على خيولهم وجَنَبُوا على أثقالهم، فإنّ القَوْم يَنْزِلُونَ المَدِينَةَ، فاتّقُوا الله واصْبِرُوا ! » ووطنهم على القتال¹ فلما أبصرهم الرسول تعدوا على الأثقال سراعا عجالاً، نادى بأعلى صوته بذهابهم¹ فلما رأى المؤمنون ذلك صدّقوا نبيّ الله ﷺ، فناموا، وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم، فقال الله جلّ وعزّ يذكر حين أخبرهم النبي ﷺ إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمنَةً نُعاسا يَغْشَى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ويَظُنّونَ باللّهِ غيرِ الحَقّ ظَنّ الجاهِلِيّة﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : أمنهم يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن¹ ﴿يَغْشَى طائِفَةً مِنْكُمْ وطَائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفُسُهُم يَظُنّونَ باللّهِ غير ظَنّ الجاهِلِيّةِ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، قال : كنت فيمن أنزل عليه النعاس يوم أُحد أمنة، حتى سقط من يدي مرارا.
قال أبو جعفر : يعني : سوطه، أو سيفه.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال : رفعت رأسي يوم أُحد، فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا تحت حجفته يميد من النعاس.
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال : كنت فيمن صبّ عليه النعاس يوم أُحد.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : حدثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة : أنه كان يومئذٍ ممن غشيه النعاس، قال : كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه من النعاس.
حُدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : ذكر لنا والله أعلم عن أنس أن أبا طلحة حدثهم أنه كان يومئذٍ ممن غشيه النعاس، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه ويسقط، والطائفة الأخرى : المنافقون، ليس لهم همة إلا أنفسهم ﴿يَظُنونَ باللّهِ غيرَ الحَقّ ظَنّ الجاهِلِيّةِ﴾. . . الآية كلها.
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال : حدثنا ضرار بن صرد، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه قال : سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله عزّ وجلّ :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاسا﴾ قال : ألقي علينا النوم يوم أُحد.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاسا﴾. . . الاَية، وذاكم يوم أُحد، كانوا يومئذٍ فريقين¹ فأما المؤمنون فغشاهم الله النعاس أمنة منه ورحمة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، نحوه.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :﴿أمَنَةً نُعاسا﴾ قال : ألقي عليهم النعاس، فكان ذلك أمنة لهم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، قال : قال عبد الله : النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاسا﴾ قال : أنزل النعاس أمنة منه على أهل اليقين به، فهم نيام لا يخافون.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :﴿أمَنَةً نُعاسا﴾ قال : ألقى الله عليهم النعاس، فكان أمنة لهم. وذكر أن أبا طلحة قال : ألقي عليّ النعاس يومئذٍ، فكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا إسحاق بن إدريس، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، وهشام بن عروة بن الزبير أنهما قالا : لقد رفعنا رءوسنا يوم أُحد، فجعلنا ننظر، فما منهم من أحد إلا وهو يميل بجنب حجفته قال : وتلا هذه الاَية :﴿ثُمّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاسا﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ باللّهِ غيرَ الحَقّ ظَن الجاهِلِيّة﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : وطائفة منكم أيها المؤمنون قد أهمتهم أنفسهم، يقول : هم المنافقون لا همّ لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظنّ الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكا في أمر الله، وتكذيبا لنبيه ﷺ، وَمَحْسَبَةً منهم أن الله خاذل نبيه، ومعل عليه أهل الكفر به، يقولون : هل لنا من الأمر شيء. كالذي :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : والطائفة الأخرى : المنافقون، ليس لهم همّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه، وأخذله للحقّ، يظنون بالله غير الحقّ ظنونا كاذبة، إنما هم أهل شكّ وريبة في أمر الله، يقولون :﴿لَوْ كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبرزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ القَتْلُ إلى مَضَاجِعِهِم﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : والطائفة الأخرى : المنافقون ليس لهم همة إلا أنفسهم، يظنون بالله غير الحقّ ظنّ الجاهلية، يقولون :﴿لَوْ كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُنا﴾ قال الله عزّ وجلّ :﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضَاجِعِهِمْ﴾. . . الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفُسُهُمْ﴾ قال : أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفسُهُمْ﴾ إلى آخر الاَية، قال : هؤلاء المنافقون.
وأما قوله :﴿ظَنّ الجاهِلِيّةِ﴾ فإنه يعني أهل الشرك. كالذي :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿ظَنّ الجاهِلِيّة﴾ قال : ظنّ أهل الشرك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :﴿ظَنّ الجاهِلِيّة﴾ قال : ظنّ أهل الشرك.
وفي رفع قوله :﴿وَطائِفَةٌ﴾ وجهان : أحدهما أن تكون مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله :﴿قَدْ أهَمّتْهُمْ﴾، والآخر بقوله :﴿يَظُنّونَ باللّهِ غيرَ الحَقّ﴾ ولو كانت منصوبة كان جائزا، وكانت الواو في قوله :﴿وَطائفَةٌ﴾ ظرفا للفعل، بمعنى : وأهمت طائفة أنفسهم، كما قال :﴿وَالسّماءَ بَنَيْناها بأيْدٍ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَقُولُونَ هَلْ لنَا مِنَ الأمْرِ مِن شَيّءٍ قُلْ إنّ الأمْرَ كُلّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ شَيّءٌ ما قُتِلْنَا هَهُنا﴾ :
يعني بذلك : الطائفة المنافقة التي قد أهمتهم أنفسهم، يقولون : ليس لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله، ولو كان لنا من الأمر شيء ما خرجنا لقتال من قاتلنا فقتلونا. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قيل لعبد الله بن أبيّ : قتل بنو الخزرج اليوم ! قال : وهل لنا من الأمر من شيء ؟ قل إن الأمر كله لله.
وهذا أمر مبتدأ من الله عزّ وجلّ، يقول لنبيه محمد ﷺ : قل ي