جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىَ أحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمّاً بِغَمّ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىَ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ولقد عفا عنكم أيها المؤمنون إذ لم يستأصلكم، إهلاكا منه جمعكم بذنوبكم، وهربكم¹ ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾.
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء الحجاز والعراق والشام سوى الحسن البصري :﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ بضمّ التاء وكسر العين، وبه القراءة عندنا لإجماع الحجة من القراء على القراءة به، واستنكارهم ما خالفه. ورُوي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه :«إذْ تَصْعَدُونَ » بفتح التاء والعين.
حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم بن سلام، قال : حدثنا حجاج، عن هارون، عن يونس بن عبيد، عن الحسن.
فأما الذين قرأوا :﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضم التاء وكسر العين، فإنهم وجهوا معنى ذلك إلى أن القوم حين انهزموا عن عدوّهم أخذوا في الوادي هاربين. وذكروا أن ذلك في قراءة أبيّ :«إذْ تُصْعِدون في الوادي ».
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا أبو عبيد، قال : حدثنا حجاج، عن هارون.
قالوا : الهرب في مستوى الأرض، وبطون الأودية والشعاب، إصعاد لا صعود، قالوا وإنما يكون الصعود على الجبال والسلاليم والدّرَج، لأن معنى الصعود : الارتقاء والارتفاع على الشيء علوّا. قالوا : فأما الأخذ في مستوى الأرض الهبوط، فإنما هو إصعاد، كما يقال : أصعدنا من مكة، إذا ابتدأت في السفر منها والخروج، وأصعدنا من الكوفة إلى خراسان، بمعنى خرجنا منها سفرا إليها، وابتدأنا منها الخروج إليها. قالوا : وإنما جاء تأويل أكثر أهل التأويل بأن القوم أخذوا عند انهزامهم عن عدوّهم في بطن الوادي. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلا تَلْوُونَ على أحَدٍ﴾ ذاكم يوم أُحد أصعدوا في الوادي فرارا، ونبيّ الله ﷺ يدعوهم في أخراهم، قال :«إليّ عِبادَ اللّهِ، إليّ عبادَ اللّهِ ».
وأما الحسن فإني أراه ذهب في قراءته :«إذْ تَصْعَدُونَ » بفتح التاء والعين إلى أن القوم حين انهزموا عن المشركين صَعِدوا الجبل. وقد قال ذلك عدد من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : لما شدّ المشركون على المسلمين بأُحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس :«إليّ عِبَادَ اللّهِ، إليّ عِبادَ اللّهِ ! » فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء نبيّ الله ﷺ إياهم، فقال :﴿إذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ على أحَدٍ والرّسُولُ يَدْعُوكُم فِي أُخْرَاكُمْ﴾.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : انحازوا إلى النبيّ ﷺ، فجعلوا يصعدون في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، قوله :﴿إذْ تُصْعدُونَ وَلا تَلْوُونَ على أحَد﴾ قال : صعدوا في أُحد فرارا.
قال أبو جعفر : وقد ذكرنا أن أولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ :﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ بضم التاء وكسر العين، بمعنى السبق والهرب في مستوى الأرض، أو في المهابط، لإجماع الحجة على أن ذلك هو القراءة الصحيحة. ففي إجماعها على ذلك الدليل الواضح على أن أولى التأويلين بالآية تأويل من قال : أصعدوا في الوادي، ومضوا فيه، دون قول من قال : صعدوا على الجبل.
وأما قوله :﴿وَلا تَلْوْونَ على أحَدٍ﴾ فإنه يعني : ولا تعطفون على أحد منكم، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا من عدوّكم مصعدين في الوادي. ويعني بقوله :﴿وَالرّسُولُ يَدعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ : ورسول الله ﷺ يدعوكم أيها المؤمنون به من أصحابه في أخراكم، يعني أنه يناديكم من خلفكم :«إليّ عِبادَ اللّهِ، إليّ عِبادَ اللّه ! ». كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس :﴿وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ : إليّ عباد الله ارْجِعُوا، إليّ عِبَاد اللّهِ ارْجِعُوا !.
حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ : رأوا نبيّ الله ﷺ يدعوهم : إليّ عباد الله !
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : أنّبهم الله بالفرار عن نبيهم ﷺ، وهو يدعوهم لا يعطفون عليه لدعائه إياهم، فقال :﴿إذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوونَ على أحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فيِ أُخْرَاكُمْ﴾.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ﴾ هذا يوم أُحد حين انكشف الناس عنه.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَأثابَكُمْ غَمّا بِغَمّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا على ما فاتَكُمْ وَلا ما أصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿فَأثابَكُمْ غَمّا بِغَمّ﴾ يعني : فجازاكم بفراركم عن نبيكم، وفشلكم عن عدوّكم، ومعصيتكم ربكم غما بغمّ، يقول : غمّا على غمّ. وسمى العقوبة التي عاقبهم بها من تسليط عدوّهم عليهم حتى نال منهم ما نال ثوابا، إذ كان ذلك من عملهم الذي سخطه ولم يرضه منهم، فدلّ بذلك جلّ ثناؤه أن كل عوض كالمعوّض من شيء من العمل، خيرا كان أو شرّا، أو العوض الذي بذله رجل لرجل أو يد سلفت له إليه، فإنه مستحقّ اسم ثواب كان ذلك العوض تكرمة أو عقوبة، ونظير ذلك قول الشاعر :
| أخافُ زِيادا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ | أدَاهِمَ سُودا أوْ مُحَدْرَجةً سُمْرا |
وأما قوله :﴿غَمّا بِغَمّ﴾ فإنه قيل : غما بغمّ، معناه : غما على غم، كما قيل :﴿وَلأصَلّبَنّكُمْ فِي جُذُوعِ النّخْلِ﴾ بمعنى : ولأصلبنكم على جذوع النخل. وإنما جاز ذلك، لأن معنى قول القائل : أثابك الله غما على غمّ : جزاك الله غما بعد غمّ تقدّمه، فكان كذلك معنى : فأثابكم غما بغمّ، لأن معناه : فجزاكم الله غما بعقب غمّ تقدّمه، وهو نظير قول القائل : نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان، وضربته بالسيف، وعلى السيف.
واختلف أهل التأويل في الغمّ الذي أثيب القوم على الغمّ، وما كان غمهم الأوّل والثاني، فقال بعضهم : أما الغمّ الأوّل، فكان ما تحدّث به القوم أن نبيهم ﷺ قد قُتِل. وأما الغمّ الآخر، فإنه كان ما نالهم من القتل والجراح. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿فأثابَكُمْ غَمّا بغَمّ﴾ كانوا تحدثوا يومئذٍ أن نبيّ الله ﷺ أصيب، وكان الغمّ الاَخر قتل أصحابهم والجراحات التي أصابتهم¹ قال : وذكر لنا أنه قتل يومئذٍ سبعون رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ ستة وستون رجلاً من الأنصار، وأربعة من المهاجرين. وقوله :﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا على ما فاتَكُمْ﴾ يقول : ما فاتكم من غنيمة القوم، ولا ما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراحات.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿فَأثابَكُمْ غَمّا بِغَمّ﴾ قال : فرّة بعد فرّة، الأولى : حين سمعوا الصوت أن محمدا قد قُتِل¹ والثانية : حين رجع الكفار فضربوهم مدبرين، حتى قتلوا منهم سبعين رجلاً، ثم انحازوا إلى النبيّ ﷺ، فجعلوا يصعدون في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
وقال آخرون : بل غمهم الأول كان قتل من قُتل منهم، وجرح من جُرح منهم¹ والغمّ الثاني : كان من سماعهم صوت القائل : قُتل محمد ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسين بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿غَمّا بِغَمّ﴾ قال : الغمّ الأول : الجراح والقتل¹ والغمّ الثاني : حين سمعوا أن نبيّ الله ﷺ قد قُتل. فأنساهم الغمّ الاَخر ما أصابهم من الجراح والقتل وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول :﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا على ما فاتَكُمْ وَلا ما أصَابَكُمْ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿فَأثابَكُمْ غَمّا بِغَمْ﴾ قال : الغمّ الأوّل : الجراح والقتل¹ والغمّ الاَخر : حين سمعوا أن رسول الله ﷺ قد قتل. فأنساهم الغمّ الاَخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول الله :﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا على ما فاتَكُمْ وَلا ما أصَابَكُمْ﴾.
وقال آخرون : بل الغمّ الأوّل ما كان فاتهم من الفتح والغنيمة¹ والثاني إشراف أبي سفيان عليهم في الشعب. وذلك أن أبا سفيان فيما زعم بعض أهل السير لما أصاب من المسلمين ما أصاب، وهرب المسلمون، جاء حتى أشرف عليهم وفيهم رسول الله ﷺ في شعب أُحد الذي كانوا ولوا إليه عند الهزيمة، فخافوا أن يصطلمهم أبو سفيان وأصحابه. ذكر الخبر بذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : انطلق رسول الله ﷺ يومئذٍ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه، وضع رجل سهما في قوسه، فأراد أن يرميه، فقال :«أنا رَسُولُ اللّهِ » ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله ﷺ حيا، وفرح رسول الله حين رأى أن في أصحابه من يمتنع. فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ حين ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا. فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم¹ فلما نظروا إليه، نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمّهم أبو سفيان فقال رسول الله ﷺ :«لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونا، اللّهُمّ إنْ تُقْتَلْ هَذِهِ العِصَابَةُ لا تُعْبَدُ » ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم، فقال أبو سفيان يومئذٍ : اعل هبل ! حنظلة بحنظلة، ويوم بيوم بدر. وقتلوا يومئذٍ حنظلة بن الراهب وكان جنبا فغسلته الملائكة، وكان حنظلة بن أبي