جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مّا تُحِبّونَ مِنكُم مّن يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنكُم مّن يُرِيدُ الآخرة ثُمّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
يعني بقوله تعالى ذكره : ولقد صدقكم الله أيها المؤمنون من أصحاب محمد ﷺ بأُحد وعده الذي وعدهم على لسان رسوله محمد ﷺ. والوعد الذي كان وعدهم على لسانه بأُحد قوله للرماة :«اثْبُتُوا مَكانَكُمْ وَلا تَبْرَحُوا وَإنْ رأيْتُمُونا قَدْ هَزَمْناهُمْ، فإنّا لَنْ نَزاَلَ غالبينَ ما ثَبَتّمْ مَكانَكُمْ »، وكان وعدهم رسول الله ﷺ النصر يومئذ إن انتهوا إلى أمره¹ كالذي :
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما برز رسول الله ﷺ إلى المشركين بأُحد، أمر الرماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين، وقال :«لا تَبْرَحُوا مَكانَكُمْ إنْ رأيْتُمُونا قَدْ هَزَمْناهُمْ، فإنّا لَنْ نَزَالَ غالِبِينَ ما ثَبَتّمْ مَكانَكُمْ » وأمّر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوّات بن جبير، ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال : يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه إلى النار ؟ فقام إليه عليّ بن أبي طالب، فقال : والذي نفسي بيده، لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة ! فضربه عليّ، فقطع رجله فسقط، فانكشفت عورته، فقال : أنشدك الله والرحم يا ابن عم ! فكبر رسول الله ﷺ. وقال لعليّ أصحابه : ما منعك أن تجهز عليه ؟ قال : إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه. ثم شدّ الزبير بن العوّام والمقداد بن الأسود على المشركين، فهزماهم، وحمل النبيّ ﷺ وأصحابه، فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل، فرمته الرماة، فانقمع¹ فلما نظر الرماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم : لا نترك أمر رسول الله ﷺ. فانطلق عامتهم، فلحقوا بالعسكر¹ فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، ثم حمل على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم¹ فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل، تنادوا، فشدّوا على المسلمين، فهزموهم وقتلوهم.
حدثنا هارون بن إسحاق، قال : حدثنا مصعب بن المقدام، قال : حدثنا إسرائيل، قال : حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال : لما كان يوم أُحد ولقينا المشركين، أجلس رسول الله ﷺ رجالاً بإزاء الرماة، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوّات بن جبير، وقال لهم :«لا تَبْرَحُوا مَكانَكُمْ ! إنْ رأيْتُمُونا ظَهَرْنا عَلَيْهِمْ فَلا تَبْرَحُوا، وَإنْ رأيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنا فَلا تُعِينُونا » فلما التقى القوم، هُزم المشركون حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن، وبدت خلاخلهن، فجعلوا يقولون : الغنيمة الغنيمة ! قال عبد الله : مهلاً، أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله ﷺ ؟ فأبوا، فانطلقوا، فلما أتوهم صرف الله وجوههم، فأصيب من المسلمين سبعون قتيلاً.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي أسحاق، عن البراء، بنحوه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، ابن عباس قوله :﴿وَلَقَدْ صَدقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسّونهُمْ بإذْنِهِ﴾ فإن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوّال، حتى نزل أُحدا، وخرج رسول الله ﷺ، فأذن في الناس، فاجتمعوا، وأمّر على الخيل الزبير بن العوّام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي، وأعطى رسول الله ﷺ اللواء رجلاً من قريش يقال له مصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحُسّر، وبعث حمزة بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله ﷺ الزبير، وقال :«اسْتَقْبِلْ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَكُنْ بإزَائِهِ حَتّى أوذِنْكَ ! » وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال :«لا تَبْرَحُوا حتى أوذِنَكُمْ ! » وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزّى، فأرسل النبيّ ﷺ إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد، فهزمه ومن معه، كما قال :﴿لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسّونَهُمْ بإذْنِهِ حتى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أرَاكُمْ ما تُحِبّونَ﴾ وإن الله وعد المؤمنين أن ينصرهم، وأنه معهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثني محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، أن محمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا في قصة ذكرها عن أُحد، ذكر أن كلهم قد حدّث ببعضها، وأن حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك : أن رسول الله ﷺ نزل الشعب من أحد في عُدْوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال :«لا تُقَاتِلُوا حَتّى نَأْمُرَ بالِقَتال »، وقد سرحت قريش الظهر والكُراع في زروع كانت بالصّمْغة من قناة للمسلمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله ﷺ عن القتال : أتُرْعى زروع بني قيلة ولما نُضارب ! وصفّنا رسول الله ﷺ للقتال، وهو في سبعمائة رجل، وتصافّ قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جَنَبُوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. وأمّر رسولُ الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ معلم بثياب بيض، والرماة خمسون رجلاً، وقال :«انْضَحْ عَنّا الخَيْلَ بالّنْبِل لا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا ! إنْ كَانَتْ لنا أو عَلَيْنَا فاثْبُتْ مَكَانَكَ، لا نُؤْتَيَنّ مِنْ قَبِلِكَ ! » فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، واقتتلوا حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب، وعليّ بن أبي طالب في رجال من المسلمين، فأنزل الله عزّ وجلّ نصره، وصدقهم وعده، فحسّوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمة لا شك فيها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، قال : قال الزبير : والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوازم، ما دون إحداهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأُتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قُتل ! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن هزمنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحد من القوم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله :﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ﴾ : أي لقد وفيت لكم بما وعدتكم من النصر على عدوّكم.
حُدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللّهُ وَعْدَهُ﴾، وذلك يوم أُحد، قال لهم :«إنّكُمْ سَتَظْهَرُونَ فَلاَ تَأْخُذُوا ما أصَبْتُمْ مِنْ غَنائمهِمْ شَيْئا حتى تَفْرُغُوا » فتركوا أمر نبيّ الله ﷺ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إذْ تَحُسّوَنَهُمْ بإذْنِهِ﴾.
يعني تعالى ذكره بذلك : ولقد وفى الله لكم أيها المؤمنون من أصحاب رسول الله ﷺ بما وعدكم من النصر على عدوّكم بأحُد، حين تحسّونهم، يعني : حين تقتلونهم. يقال منه : حَسّهُ يَحُسّهُ حَسّا : إذا قتله. كما :
حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي، قال : حدثنا يعقوب بن عيسى، قال : ثني عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله :﴿إذْ تَحُسّوَنهُمْ بإذْنِهِ﴾ قال : الحَسّ : القتل.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال : سمعت عبيد الله بن عبد الله يقول في قول الله عزّ وجلّ :﴿إذْ تَحُسّوَنَهُمْ﴾ قال : القتل.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿إذْ تَحُسّوَنهُمْ بإذْنِهِ﴾ قال : تقتلونهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسّوَنهُمْ﴾ أي قتلاً بإذنه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿إذْ تَحُسّوَنَهُمْ﴾ يقول : إذ تقتلونهم.
حُدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿إذْ تَحُسّوَنَهُمْ بإذْنِهِ﴾ والحَسّ القتل.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسّوَنَهُمْ بإذْنِهِ﴾ يقول : تقتلونهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿إذْ تَحُسّوَنَهُمْ﴾ بالسيوف : أي بالقتل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن :﴿إذْ تَحُسّونَهُمْ بإذْنِهِ﴾ يعني : القتل.
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : قوله :﴿إذْ تَحُسّوَنَهُمْ بإذْنِهِ﴾ يقول : تقتلونهم.
وأما قوله :﴿بإذْنِهِ﴾ فإنه يعني : بحكمي وقضائي لكم بذلك وتسليطي إياكم عليهم. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿إذْ تَحُسّوَنَهُمْ﴾ بإذني وتسليطي أيديكم عليهم، وكفي أيديهم عنكم.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿حتى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أراكُمْ ما تُحِبّونَ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿حتى إذَا فَشِلْتُمْ﴾ : حتى إذا جبنتم وضعفتم، ﴿وتَنازَعتمْ في الأمْرِ﴾ بقول : واختلفتم في أمر الله¹ يقول : وعصيتم وخالفتم بنيكم، فتركتم أمره، وما عهد إليكم. وإنما يعني بذ