أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري
عن الكتابشرح الكلمات :
﴿صدقكم الله وعده﴾ : أنجزكم ما وعدكم على لسان رسوله بقوله للرماة اثبتوا أماكنكم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم.
﴿تحسونهم﴾ : تقتلونهم إذ الحس القتل يقال حسه اذا قتله فأبطل حسّه.
﴿بإذنه﴾ : بإذنه لكم في قتالهم وبإعانته لكم على ذلك.
﴿فشلتم﴾ : ضعفتم وجبنتم عن القتال.
المعنى :
حيث أنجزهم ما وعدهم من النصر فقال تعالى :﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾، وذلك أن الرسول ﷺ لما بوأ الرماة مقادهم. وكانوا ثلاثين رامياً وجعل عليهم عبد الله بن جبير أمرهم بأن لا يبرحوا أماكنهم كيفما كانت الحال وقال لهم : " إنا لا نزال غالبين ما بقيتم في أماكنكم ترمون العدو فتحمون ظهورنا بذلك " وفعلاً دارت المعركة وأنجز الله تعالى لهم وعده ففر المشركون أمامهم تاركين كل شيء هاربين بأنفسهم والمؤمنون يحسونهم حسَّاً أي يقتلونهم قتلا بإذن الله وتأييده لهم ولما رأى الرماة هزيمة المشركين والمؤمنون يجمعون الغنائم قالوا : ما قيمة بقائنا هنا والناس يغنمون فهَيَّا بنا ننزل الى ساحة المعركة لنغنم، فذكرهم عبد الله بن جبير قائدهم بأمر رسول الله ﷺ فتأولوه ونزلوا الى ساحة المعركة يطلبون الغنائم، وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد فلما رأى الرماة أَخْلَوْا مراكزهم إلا قليلا منهم كرَّ بخيله عليهم فاحتل أماكنهم وقتل من بقي فيها، ورمى المسلمين من ظهورهم فتضعضوا لذلك فعاد المشركون إليهم ووقعوا بين الرماة الناقمين والمقاتلين الهائجين فوقعت الكارثة فقتل سبعون من المؤمنين ومن بينهم حمزة عم الرسول ﷺ وجرح رسول الله في وجهه وكسرت رباعيته وصاح الشيطان قائلا أن محمداً قد مات وفر المؤمنون من ميدان المعركة إلا قليلا منهم وفى هذا يقول تعالى :﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر﴾، يريد تنازع الرماة مع قائدهم عبد الله بن جبير حيث نهاهم عن ترك مقاعدهم وذكرهم بأمر رسول الله فنازعوه في فهمه وخالفوا الأمر ونزلوا، وكان ذلك بعد أن رأوا إخوانهم قد انتصروا وأعداءهم قد انهزموا، وهو معنى قوله تعالى :﴿وعصيتم بعدما أراكم ما تحبون﴾ أي من النصر ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ وهم الذين نزلوا الى الميدان يجمعون الغنائم، ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ وهم عبد الله بن جبير والذين صبروا معه في مراكزهم حتى استشهدوا فيها وقوله تعالى ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ وذلك إخبار عن ترك القتال لما أصابهم من الضعف حينما رأوا أنفسهم محصورين بين رماة المشركين ومقاتليهم فأصعدوا في الوادي هاربين بأنفسهم، وحصل هذا بعلم الله تعالى وتدبيره، والحكمة فيه أشار إليها تعالى بقوله :﴿ليبتليكم﴾ أي يختبركم فيرى المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، والصابر من الجزع، وقوله تعالى ﴿ولقد عفا عنكم﴾ يريد أنه لو شاء يؤاخذهم بمعصيتهم أمر رسولهم فسلط عليهم المشركين فقتلوهم أجمعين ولم يُبقوا منهم أحداً إذ تمكنوا، منهم تماما ولكن الله سلم.
هذا معنى ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ هذا ما تضمنته الآية الأولى ( ١٥٢ ).
الهداية
من الهداية :
- مخالفة القيادة الرشيدة والتنازع في حال الحرب يسبب الهزيمة المنكرة.
- معصية الله ورسوله والاختلافات بين أفراد الأمة تعقب آثاراً سيئة أخفها عقوبة الدنيا بالهزائم وذهاب الدولة والسلطان.
- ما من مصيبة تصيب العبد إلاّ وعند الله ما هو أعظم منها فلذا يجب حمد الله تعالى على أنها لم تكن أعظم.
ما زال السياق في أحداث أحد فقد تقدم في السياق قريبا نهي الله تعالى المؤمنين عن طاعة الكافرين في كل ما يقترحون، ويشيرون به عليهم. ووعده بأنه سيلقي الرعب في قلوب الكافرين وقد فعل فله الحمد حيث عزم أبو سفيان على أن يرجع إلى المدينة ليقتل من بها ويستأصل شأفتهم فأنزل الله تعالى في قلبه وقلوب اتباعه الرعب فعدلوا عن غزو المدينة مرة ثانية وذهبوا الى مكة. ورجع الرسول والمؤمنون من حرماء الأسد ولم يلقوا أبا سفيان وجيشه. وفى هاتين الآيتين يخبرهم تعالى بمنته عليهم