محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
ثم انه تداركهم سبحانه برحمته، وخفف عنهم ذلك الغم، وغيبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه، كما قال :
|١٥٤| ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور١٥٤ ).
( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ) أي أمنا. والأمنة ( بتحريك الميم ) مصدر، يقال : أمن أمنا وأمانا وأمنا وأمنة ( محركتين ) وفي حديث نزول عيسى عليه السلام، / " وتقع الأمنة في الأرض "، أي الأمن. ومثله من المصادر العظمة والغلبة، وهو منصوب على المفعولية. وقوله تعالى :( نعاسا ) بدل من ( أمنة ) وقيل : هو المفعول، و ( أمنة ) حال أو مفعول له ( يغشى طائفة منكم ) وهم المخلصون، أهل اليقين والثبات والتوكل الصادق الجازمون بأن الله عز وجل سينصر رسوله وينجز له مأموله. والنعاس في حال الحرب دليل على الأمان، كما قال في سورة الأنفال :( اذ يغشيكم النعاس أمنة منه... ) الآية. وروى البخاري في ( التفسير ) عن أنس عن أبي طلحة قال :" غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه ". ورواه الترمذي والنسائي والحاكم. ولفظ الترمذي : قال أبو طلحة :" رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد الا يميد تحت حجفته من النعاس. فذلك قوله تعالى :( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ) ". وقد ساق الرازي لذلك النعاس فوائد : منها أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم. وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم، ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى –انتهى- ثم أخبر تعالى أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه، لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، بقوله :( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) أي ما بهم إلا هم أنفسهم/وقصد خلاصها، فلم يغشهم النعاس، من القلق والجزع والخوف ( يظنون بالله غير الحق ) أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به سبحانه ( ظن الجاهلية ) كما قال تعالى في الآية الأخرى :( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون الى أهليهم أبدا... ) الآية –وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة انها الفيصلة، وأن الاسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.
قال الامام ابن القيم في ( زاد المعاد ) : وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل. وفسر بأن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه. ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، ويظهره على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في سورة الفتح، حيث يقول :( ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء، وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم، وساءت مصيرا ). وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب الى أهل الجهل، وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل سوء. بخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون. فمن ظن به أنه لا ينصر رسله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد جنده، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل / الشرك على التوحيد، والباطل على الحق، إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا – فقد ظن بالله السوء ونسبه الى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته. فإن عزته وحكمة إلهيته تأبى ذلك، ويأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، العادلين به –فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله. وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه، ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته. وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة، وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب، وان كانت مكروهة له، فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثا، ولا خلقها باطلا :( ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار ). وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق، ظن السوء، فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم. ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته. فمن قنط من رحمته، وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء. ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي بينهم وبين أعدائه، فقد ظن به ظن السوء. وان ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين من الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه الكريم على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنيع له فيه، ولا اختيار له، ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظن / أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد لها أنبياءه ورسله ويجريها على أيديهم، يضلون بها عباده، وأنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته، فيخلده في الجحيم أسفل سافلين، وينعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه الى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن سواء عنده، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر الى بخبر صادق، وإلا فالعقل لا يقتضي بقبح أحدهما وحسن الآخر –فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وانما رمز اليه رموزا بعيدة، وأشار اليه اشارات ملغزة، لم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي، أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم، لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان –فقد ظن به ظن السوء. فانه ان قال انه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه، فقد ظن بقدرته العجز. وان قال انه قادر ولم يبين، وعدل عن البيان، وعن التصريح بالحق، الى ما يوهم، بل يوقع في الباطل المحال، والاعتقاد الفاسد –فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء. وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله. وان الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم. وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره والتشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين الجيارى هو الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله. فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء. ومن الظانين به غير الحق، ظن الجاهلية. ومن ظن به أن يكون في / ملكه ما يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه –فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه كان معطلا من الأزل الى الأبد، عن أن يفعل ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرا عليه بعد أن لم يكن قادرا- فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه ليس فوق سماواته على عرشه، بائنا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى الى عرشه كنسبتها الى أسفل السافلين، والى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، ومن قال سبحان ربي الأسفل، كمن قال سبحان ربي الأعلى –فقد ظن به أقبح الظن.
ثم قال : وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفته به رسله –فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أن أحدا يشفع عنده بدون اذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم اليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم اليه، ويتوسلون بهم اليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم ويخافونهم، ويرجونهم –فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.
ثم قال : ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة وتضرع اليه وسأله واستعان به وتوكل عليه، أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله –فقد ظن به ظن السوء. وظن به خلاف ما هو أهله.
ثم قال : ومن ظن به أنه إن عصاه أو أسخطه وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليا، ودعا من دونه ملكا أو بشرا، حيا أو ميتا، يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه، ويخلصه من عذابه –فقد ظن به ظن السوء. وذلك زيادة في بعده من الله، وفي عذابه. ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد أعداءه تسليطا مستقرا دائما في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلما مات استبدوا بالأمر دون وصيته، وظلموا أهل بيته، وسلبوهم حقهم، وأذلوهم، وكانت العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه وأهل الحق، وهو يرى قهرهم لهم، وغصبهم إياهم حقهم، وتبديلهم دين نبيهم، وهو يقدر على نصر أوليائه، وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يديلهم، بل يديل أعداءهم / عليهم أبدا، أو أنه لا يقدر على ذلك، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته، ثم جعل أعداءه الذين بدلوا دينه مضاجعيه في حضرته، تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت ( كما تظنه الرافضة ) –فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، سواء قالوا انه قادر على أن ينصرهم ويجعل لهم الدولة والظفر، أو أنه غير قادر على ذلك، فهم قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده، وذلك من ظن السوء به. ولا ريب ان الرب الذي فعل هذا بغيض الى من ظن به ذلك، غير محمود عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك، لكن رفوا هذا الظن الفاسد بخرق أعظم منه، واستجاروا من الرمضاء بالنار، فقالوا : لم يكن هذا بمشيئة الله، ولا له قدرة على دفعه ونصر أوليائه، فانه لا يقدر على أفعال عباده، ولا يدخل تحت قدرته، فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثنوية بربهم. وكل مبطل وكافر ومبتدع ومقهور مستذل،
|١٥٤| ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور١٥٤ ).
( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ) أي أمنا. والأمنة ( بتحريك الميم ) مصدر، يقال : أمن أمنا وأمانا وأمنا وأمنة ( محركتين ) وفي حديث نزول عيسى عليه السلام، / " وتقع الأمنة في الأرض "، أي الأمن. ومثله من المصادر العظمة والغلبة، وهو منصوب على المفعولية. وقوله تعالى :( نعاسا ) بدل من ( أمنة ) وقيل : هو المفعول، و ( أمنة ) حال أو مفعول له ( يغشى طائفة منكم ) وهم المخلصون، أهل اليقين والثبات والتوكل الصادق الجازمون بأن الله عز وجل سينصر رسوله وينجز له مأموله. والنعاس في حال الحرب دليل على الأمان، كما قال في سورة الأنفال :( اذ يغشيكم النعاس أمنة منه... ) الآية. وروى البخاري في ( التفسير ) عن أنس عن أبي طلحة قال :" غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه ". ورواه الترمذي والنسائي والحاكم. ولفظ الترمذي : قال أبو طلحة :" رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد الا يميد تحت حجفته من النعاس. فذلك قوله تعالى :( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ) ". وقد ساق الرازي لذلك النعاس فوائد : منها أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم. وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم، ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى –انتهى- ثم أخبر تعالى أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه، لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، بقوله :( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) أي ما بهم إلا هم أنفسهم/وقصد خلاصها، فلم يغشهم النعاس، من القلق والجزع والخوف ( يظنون بالله غير الحق ) أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به سبحانه ( ظن الجاهلية ) كما قال تعالى في الآية الأخرى :( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون الى أهليهم أبدا... ) الآية –وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة انها الفيصلة، وأن الاسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.
قال الامام ابن القيم في ( زاد المعاد ) : وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل. وفسر بأن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه. ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، ويظهره على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في سورة الفتح، حيث يقول :( ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء، وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم، وساءت مصيرا ). وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب الى أهل الجهل، وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل سوء. بخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون. فمن ظن به أنه لا ينصر رسله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد جنده، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل / الشرك على التوحيد، والباطل على الحق، إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا – فقد ظن بالله السوء ونسبه الى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته. فإن عزته وحكمة إلهيته تأبى ذلك، ويأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، العادلين به –فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله. وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه، ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته. وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة، وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب، وان كانت مكروهة له، فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثا، ولا خلقها باطلا :( ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار ). وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق، ظن السوء، فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم. ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته. فمن قنط من رحمته، وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء. ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي بينهم وبين أعدائه، فقد ظن به ظن السوء. وان ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين من الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه الكريم على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنيع له فيه، ولا اختيار له، ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظن / أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد لها أنبياءه ورسله ويجريها على أيديهم، يضلون بها عباده، وأنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته، فيخلده في الجحيم أسفل سافلين، وينعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه الى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن سواء عنده، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر الى بخبر صادق، وإلا فالعقل لا يقتضي بقبح أحدهما وحسن الآخر –فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وانما رمز اليه رموزا بعيدة، وأشار اليه اشارات ملغزة، لم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي، أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم، لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان –فقد ظن به ظن السوء. فانه ان قال انه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه، فقد ظن بقدرته العجز. وان قال انه قادر ولم يبين، وعدل عن البيان، وعن التصريح بالحق، الى ما يوهم، بل يوقع في الباطل المحال، والاعتقاد الفاسد –فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء. وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله. وان الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم. وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره والتشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين الجيارى هو الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله. فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء. ومن الظانين به غير الحق، ظن الجاهلية. ومن ظن به أن يكون في / ملكه ما يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه –فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه كان معطلا من الأزل الى الأبد، عن أن يفعل ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرا عليه بعد أن لم يكن قادرا- فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه ليس فوق سماواته على عرشه، بائنا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى الى عرشه كنسبتها الى أسفل السافلين، والى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، ومن قال سبحان ربي الأسفل، كمن قال سبحان ربي الأعلى –فقد ظن به أقبح الظن.
ثم قال : وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفته به رسله –فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أن أحدا يشفع عنده بدون اذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم اليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم اليه، ويتوسلون بهم اليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم ويخافونهم، ويرجونهم –فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.
ثم قال : ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة وتضرع اليه وسأله واستعان به وتوكل عليه، أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله –فقد ظن به ظن السوء. وظن به خلاف ما هو أهله.
ثم قال : ومن ظن به أنه إن عصاه أو أسخطه وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليا، ودعا من دونه ملكا أو بشرا، حيا أو ميتا، يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه، ويخلصه من عذابه –فقد ظن به ظن السوء. وذلك زيادة في بعده من الله، وفي عذابه. ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد أعداءه تسليطا مستقرا دائما في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلما مات استبدوا بالأمر دون وصيته، وظلموا أهل بيته، وسلبوهم حقهم، وأذلوهم، وكانت العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه وأهل الحق، وهو يرى قهرهم لهم، وغصبهم إياهم حقهم، وتبديلهم دين نبيهم، وهو يقدر على نصر أوليائه، وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يديلهم، بل يديل أعداءهم / عليهم أبدا، أو أنه لا يقدر على ذلك، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته، ثم جعل أعداءه الذين بدلوا دينه مضاجعيه في حضرته، تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت ( كما تظنه الرافضة ) –فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، سواء قالوا انه قادر على أن ينصرهم ويجعل لهم الدولة والظفر، أو أنه غير قادر على ذلك، فهم قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده، وذلك من ظن السوء به. ولا ريب ان الرب الذي فعل هذا بغيض الى من ظن به ذلك، غير محمود عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك، لكن رفوا هذا الظن الفاسد بخرق أعظم منه، واستجاروا من الرمضاء بالنار، فقالوا : لم يكن هذا بمشيئة الله، ولا له قدرة على دفعه ونصر أوليائه، فانه لا يقدر على أفعال عباده، ولا يدخل تحت قدرته، فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثنوية بربهم. وكل مبطل وكافر ومبتدع ومقهور مستذل،