روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عطف على ﴿فأثابكم﴾ [آل عمران: ١٥٣] والخطاب للمؤمنين حقاً، والمعنى ثم وهب لكم أيها المؤمنون ﴿مّن بَعْدِ الغم﴾ الذي اعتراكم والتصريح بتأخر الإنزال عنه مع دلالة ثم عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيان، وتذكير عظم المنة ﴿أمِنَةً﴾ مصدر كالمنعة وهو مفعول ﴿أَنَزلَ﴾ أي ثم أنزل عليكم أمنا ﴿نُّعَاساً﴾ بدل اشتمال منها، وقيل : عطف بيان، وجوز أن يكون نعاساً منصوباً على المفعولية، وأمنة حال منه ؛ والمراد ذا أمنة ولا يضر كونها من النكرة لتقدمها أو حال من المخاطبين على تقدير مضاف أي ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبار وبررة. وقيل : إن أمنة مفعول له، لنعاساً، واعترض بأنه يلزم على ظاهره تقديم معمول المصدر عليه، وإن التزم تقدير فعل أي نعستم أمنة، ورد أنه ليس للفعل موقع حسن، وقيل : إنه مفعول له لأنزل. واعترض بأنه فاسد لاختلال شرطه وهو اتحاد الفاعل إذ فاعل ﴿أَنَزلَ﴾ هو الله تعالى وفاعل الأمنة هو المنزل عليهم، ورد بأن الأمنة كما يكون مصدراً لمن وقع به الأمن يكون مصدراً لمن أوقعه، والمراد هنا الثاني كأنه قيل : أنزل عليكم النعاس ليؤمنكم به وحينئذ لا شبهة في اتحاد الفاعل ؛ وقرىء بسكون الميم كأنها لوقوعها في زمن يسير مرة من الأمن فلا ينافي كون المقصود مطلق الأمن وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر، وتخصيص الخوف من بين فنون الغم بالإزالة لأنه المهم عندهم في ذلك المقام، فقد أخرج ابن جرير عن السدي أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين فواعدوا النبي ﷺ بدراً من قابل فقال لهم : نعم، فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة فبعث رسول الله ﷺ رجلاً فقال : انظر فإن رأيتهم قد قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا أثقالهم فإن القوم ينزلون المدينة فاتقوا الله تعالى واصبروا، ووطنهم على القتال فلما أبصرهم الرسول قعدوا على الأثقال سراعاً عجالاً نادى بأعلى صوته بذهابهم فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله ﷺ فناموا وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم فذلك قوله تعالى :﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ الخ، وعن ابن عباس في الآية قال : آمنهم الله تعالى يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن، والخائف لا ينام. وأخرج خلق كثير عن أنس أن أبا طلحة قال غشينا النعاس يوم أحد ونحن في مصافنا وكنت ممن غشيه النعاس يومئذ فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه، وفي رواية أخرى عنه أنه قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميد تحت حجفته أي ترسه من النعاس، وعن الزبير بن العوام مثله قيل : وهذه عادة الله تعالى مع المؤمنين جعل النعاس في الحرب علامة للظفر وقد وقع كذلك لعلي كرم الله تعالى وجهه في صفين وهو من الواردات الرحمانية والسكينة الآلهية.
﴿يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ﴾ قال ابن عباس : هم المهاجرون وعامة الأنصار، وفيه إشعار بأنه لم يغش الكل ولا يقدح ذلك في عموم الإنزال للكل، والجملة في موضع نصب على أنها صفة لنعاساً وقرأ حمزة والكسائي تغشى بالتاء الفوقانية على أن الضمير للأمنة. والظاهر أن الجملة حينئذ مستأنفة وقعت جواباً لسؤال تقديره ما حكم هذه الأمنَة ؟ فأجيب بأنها تغشى طائفة، وقيل : إنها في موضع الصفة لأمنة، واعترض بأن الصفة حقها أن تتقدم على البدل وعطف البيان وأن لا يفصل بينها وبين الموصوف بالمفعول له وأن المعهود أن يحدث عن البدل دون المبدل منه.
﴿وَطَائِفَةٌ﴾ وهم المنافقون. ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي جعلتهم ذويهم وأوقعتهم فيه أو ما يهمهم إلا أنفسهم لا النبي ﷺ ولا غيره من أهمه بمعنى جعله مهماً له ومقصوداً والحصر مستفاد من المقام، وذكر بعضهم أن العرب تطلق هذا اللفظ على الخائف الذي شغله هم نفسه عن غيره، و ﴿طَائِفَةٌ﴾ مبتدأ وجملة ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ الخ خبره، وجاز ذلك مع كونها نكرة لوقوعها بعد واو الحال كما في قوله :
أو لوقوعها موقع التفصيل كما في قوله :
إذا مت كان الناس صنفان : شامت *** وآخر مثن بالذي أنا صانع
وجوز أن تكون الجملة نعتاً لها والخبر حينئذ محذوف أي ومعكم، أو وهناك طائفة، وتقدير ومنكم طائفة يقتضي أن يكون المنافقون داخلين في الخطاب بإنزال الأمنة وأياً ما كان فالجملة إما حالية مبينة لفظاعة الهول مؤكدة لعظم النعمة في الخلاص عنه، وإما مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين فالواو إما حالية وإما استئنافية وكونها بمعنى إذ ليس بشيء كما نص عليه أبو البقاء.
﴿يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾ لا من ﴿طَائِفَةٌ﴾ وإن تخصصت لما في مجيء الحال من المبتدأ من المقال، وجوز أن تكون صفة بعد صفة لطائفة، أو خبراً بعد خبر، أو هي الخبر و ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها وغير منصوب على المصدرية المؤكدة ؛ لأنه مضاف إلى مصدر محذوف وهو بحسب ما يضاف إليه أي غير الظن الحق وهو الذي يحق أن يظن به تعالى، وقال بعضهم : إنه مفعول مطلق نوعي، وقوله تعالى :﴿ظَنَّ الجاهلية﴾ بدل مما قبله.
وقال ابن الحاجب :﴿غَيْرَ الحق﴾ و ﴿ظَنَّ﴾ مصدران أحدهما للتشبيه والآخر تأكيد لغيره أي يقولون غير الحق ومفعولا ﴿يَظُنُّونَ﴾ محذوفان، أي يظنون أن إخلاف وعده سبحانه حاصل، وأبو البقاء يجعل ﴿غَيْرَ الحق﴾ مفعولاً أولاً أي أمراً غير الحق، و ﴿بالله﴾ في موضع المفعول الثاني وإضافة ﴿ظَنَّ﴾ إلى الجاهلية، قيل : إما من إضافة الموصوف إلى مصدر صفته، ومعناها الاختصاص بالجاهلية كرجل صدق وحاتم الجود فهي على معنى اللام أي المختص بالصدق والجود فالياء مصدرية والتاء للتأنيث اللازم له، وإما من إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي ظن أهل الجاهلية أي الشرك والجهل بالله تعالى وهي اختصاصية حقيقية أيضاً.
﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء﴾ أي يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار : هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب أي ليس لنا من ذلك شيء لأن الله سبحانه وتعالى لا ينصر محمداً ﷺ، أو يقول الحاضرون منهم لرسول الله ﷺ على صورة الاسترشاد : هل لنا من أمر الله تعالى ووعده بالنصر شيء، واختاره بعض المحققين. والجملة قيل : إما حال أو خبر إثر خبر أو صفة إثر صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها، أو بدل من ﴿يَظُنُّونَ﴾ وهو بدل الكل بحسب الصدق، وبدل الاشتمال بحسب المفهوم، واستشكل بأن قوله :﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا﴾ الخ تفسير ﴿*ليظنون﴾ وترجمة له، والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر كما لا يصح أن تقول : أخبرني زيد قال : لا تذهب أو أمرني قال : لا تضرب، أو نهاني قال : اضرب فإن المطابقة بين الحكاية والمحكي واجبة. وحاصل الإشكال أن متعلق الظن النسبة التصديقية، فكيف يقع استفهام ترجمة له ؟ وأجيب بأن الاستفهام طلب علم فيما يشك ويظن فجاز أن يكون متعلق الظن وتحقيقه أن الظن أو العلم يتعلق بما يقال في جواب ذلك الاستفهام على ما ذكر في باب تعليق أفعال القلوب باستفهام، ولا يخفى أن هذا إنماهو على تقدير كون الاستفهام حقيقياً، وأما على تقدير كونه إنكارياً فلا إشكال، ولا قيل ولا قال ؛ لأنه خبر في تطابق مع ما قبله في الخبرية، وبعض من جعله إنكارياً ذهب إلى أن المعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الأمر شيء، وقد قال ذلك عبد الله بن أبيّ حين أخبره المنافقون بقتل بني الخزرج ثم قال : والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قيل : وظنهم السوء على هذا تصويبهم رأي عبد الله ومن تبعه، وقيل : الاستفهام على ظاهره والمعنى هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، و ﴿مِنْ﴾ الثانية سيف خطيب، و ﴿شَىْء﴾ في موضع رفع على الابتداء، وفي خبره كما قال أبو البقاء : وجهان، أحدهما :﴿لَنَا﴾ فمن الأمر حال، والثاني :﴿مِنَ الأمر﴾ فلنا تبيين وبه تتم الفائدة.
﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ أي إن الشأن والغلبة الحقيقية لحزب الله تعالى، وأوليائه فينصر رسوله ﷺ وأصحابه ويخذل أعداءه ويقهرهم وكنى بكون الغلبة لله تعالى عن كونها لأوليائه لكونهم من الله سبحانه بمكان، أو أن القضاء أو التدبير له تعالى مخصوص به لا يشاركه فيه غيره فيفعل ما يشاء ويجري الأمور حسبما جرى به القلم في سابق القضاء، وعلى هذا لا كناية في الكلام، وجاء مؤكداً لما أن الكلام الذي وقع هو في مقابلته كذلك.
واستظهر في «البحر » من هذا الأمر كون الاستفهام فيما تقدمه باقياً على حقيقته ؛ إذ لو كان معناه نفي أن يكون لهم شيء من الأمر لم يجابوا بإثبات أن الأمر كله لله، اللهم إلا أن يقدر مع جملة النفي جملة ثبوتية ليكون المعنى ليس لنا من الأمر شيء بل لغيرنا ممن حملنا على الخروج وأكرهنا عليه فحينئذ يمكن أن يكون ذلك جواباً لهذا المقدّر، وفيه أنه لا حاجة إلى هذا التقدير على ذلك التقدير أيضاً أماإذا كان مرادهم نفي نصر الله تعالى نبيه ﷺ ومن معه فواضح لأن في هذا القول إثبات ذلك النصر على أتم وجه، وأما إذا كان مرادهم أنه لم يبق لهم من الأمر شيء حيث منعوا تدبير أنفسهم فلأن في ذلك النفي إشعاراً بأن لهم تدبيراً وأنهم لو تركوا وتدبيرهم ما غمزت قناتهم وهذا الإثبات متكفل برد ذلك وإبطاله على وجه سترة عليه كما لا يخفى فلا أرى التقدير على ما فيه إلا من ضيق العطن، وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿كُلُّهُ﴾ بالرفع على الابتداء والجار متعلق بمحذوف وقع خبراً له، والجملة خبر ﴿ءانٍ﴾، وأما على قراءة النصب فكل توكيد لاسم ﴿ءانٍ﴾ و ﴿لِلَّهِ﴾ خبرها. وزعم أبو البقاء أنه يجوز أن يكون ﴿كُلُّهُ﴾ بدلاً من ﴿الأمر﴾ وفيه بعد.
﴿يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم﴾ أي يضمرون فيها أو يسرون فيما بينهم ﴿مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي ما لا يستطيعون إظهاره لك، والجملة إما استئناف أو حال من ضمير ﴿يَقُولُونَ﴾ وقوله سبحانه :﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ اعتراض بين الحال وصاحبها أي يقولون ما يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر، مبطنين الإنكار والتكذيب وهذا ظاهر على الاحتمال الثاني في الآية الأولى، والذاهب إلى حمل الاستفهام فيها على الإنكار يتعين عنده الاستئناف أو يجوز الخبرية ونحوها أيضاً على ما مر، والجملة الجوابية اعتراضية في كل حال سوى احتمال الاستئنافية على الصحيح، وأما جعل هذه الجملة حالاً من ضمير ﴿قُلْ﴾ والرابط لك، فلا يخفى حاله.
﴿يَقُولُونَ﴾ أي في أنفسهم أو خفية لبعضهم إذ لو كان القول جهاراً لم يكونوا منافقين، والجملة إما بدل من ﴿يخافون﴾ أو استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل : ما الذي أخفوه ؟ فقيل ذلك، ورجحه بعض المحققين بأنه أكثر فائدة وبأن القول إذا حمل على ظاهره لم يتفاوت القولان
﴿يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ﴾ قال ابن عباس : هم المهاجرون وعامة الأنصار، وفيه إشعار بأنه لم يغش الكل ولا يقدح ذلك في عموم الإنزال للكل، والجملة في موضع نصب على أنها صفة لنعاساً وقرأ حمزة والكسائي تغشى بالتاء الفوقانية على أن الضمير للأمنة. والظاهر أن الجملة حينئذ مستأنفة وقعت جواباً لسؤال تقديره ما حكم هذه الأمنَة ؟ فأجيب بأنها تغشى طائفة، وقيل : إنها في موضع الصفة لأمنة، واعترض بأن الصفة حقها أن تتقدم على البدل وعطف البيان وأن لا يفصل بينها وبين الموصوف بالمفعول له وأن المعهود أن يحدث عن البدل دون المبدل منه.
﴿وَطَائِفَةٌ﴾ وهم المنافقون. ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي جعلتهم ذويهم وأوقعتهم فيه أو ما يهمهم إلا أنفسهم لا النبي ﷺ ولا غيره من أهمه بمعنى جعله مهماً له ومقصوداً والحصر مستفاد من المقام، وذكر بعضهم أن العرب تطلق هذا اللفظ على الخائف الذي شغله هم نفسه عن غيره، و ﴿طَائِفَةٌ﴾ مبتدأ وجملة ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ الخ خبره، وجاز ذلك مع كونها نكرة لوقوعها بعد واو الحال كما في قوله :
| سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا | محياك أخفى ضوء كل شارق |
إذا مت كان الناس صنفان : شامت *** وآخر مثن بالذي أنا صانع
وجوز أن تكون الجملة نعتاً لها والخبر حينئذ محذوف أي ومعكم، أو وهناك طائفة، وتقدير ومنكم طائفة يقتضي أن يكون المنافقون داخلين في الخطاب بإنزال الأمنة وأياً ما كان فالجملة إما حالية مبينة لفظاعة الهول مؤكدة لعظم النعمة في الخلاص عنه، وإما مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين فالواو إما حالية وإما استئنافية وكونها بمعنى إذ ليس بشيء كما نص عليه أبو البقاء.
﴿يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾ لا من ﴿طَائِفَةٌ﴾ وإن تخصصت لما في مجيء الحال من المبتدأ من المقال، وجوز أن تكون صفة بعد صفة لطائفة، أو خبراً بعد خبر، أو هي الخبر و ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها وغير منصوب على المصدرية المؤكدة ؛ لأنه مضاف إلى مصدر محذوف وهو بحسب ما يضاف إليه أي غير الظن الحق وهو الذي يحق أن يظن به تعالى، وقال بعضهم : إنه مفعول مطلق نوعي، وقوله تعالى :﴿ظَنَّ الجاهلية﴾ بدل مما قبله.
وقال ابن الحاجب :﴿غَيْرَ الحق﴾ و ﴿ظَنَّ﴾ مصدران أحدهما للتشبيه والآخر تأكيد لغيره أي يقولون غير الحق ومفعولا ﴿يَظُنُّونَ﴾ محذوفان، أي يظنون أن إخلاف وعده سبحانه حاصل، وأبو البقاء يجعل ﴿غَيْرَ الحق﴾ مفعولاً أولاً أي أمراً غير الحق، و ﴿بالله﴾ في موضع المفعول الثاني وإضافة ﴿ظَنَّ﴾ إلى الجاهلية، قيل : إما من إضافة الموصوف إلى مصدر صفته، ومعناها الاختصاص بالجاهلية كرجل صدق وحاتم الجود فهي على معنى اللام أي المختص بالصدق والجود فالياء مصدرية والتاء للتأنيث اللازم له، وإما من إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي ظن أهل الجاهلية أي الشرك والجهل بالله تعالى وهي اختصاصية حقيقية أيضاً.
﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء﴾ أي يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار : هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب أي ليس لنا من ذلك شيء لأن الله سبحانه وتعالى لا ينصر محمداً ﷺ، أو يقول الحاضرون منهم لرسول الله ﷺ على صورة الاسترشاد : هل لنا من أمر الله تعالى ووعده بالنصر شيء، واختاره بعض المحققين. والجملة قيل : إما حال أو خبر إثر خبر أو صفة إثر صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها، أو بدل من ﴿يَظُنُّونَ﴾ وهو بدل الكل بحسب الصدق، وبدل الاشتمال بحسب المفهوم، واستشكل بأن قوله :﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا﴾ الخ تفسير ﴿*ليظنون﴾ وترجمة له، والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر كما لا يصح أن تقول : أخبرني زيد قال : لا تذهب أو أمرني قال : لا تضرب، أو نهاني قال : اضرب فإن المطابقة بين الحكاية والمحكي واجبة. وحاصل الإشكال أن متعلق الظن النسبة التصديقية، فكيف يقع استفهام ترجمة له ؟ وأجيب بأن الاستفهام طلب علم فيما يشك ويظن فجاز أن يكون متعلق الظن وتحقيقه أن الظن أو العلم يتعلق بما يقال في جواب ذلك الاستفهام على ما ذكر في باب تعليق أفعال القلوب باستفهام، ولا يخفى أن هذا إنماهو على تقدير كون الاستفهام حقيقياً، وأما على تقدير كونه إنكارياً فلا إشكال، ولا قيل ولا قال ؛ لأنه خبر في تطابق مع ما قبله في الخبرية، وبعض من جعله إنكارياً ذهب إلى أن المعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الأمر شيء، وقد قال ذلك عبد الله بن أبيّ حين أخبره المنافقون بقتل بني الخزرج ثم قال : والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قيل : وظنهم السوء على هذا تصويبهم رأي عبد الله ومن تبعه، وقيل : الاستفهام على ظاهره والمعنى هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، و ﴿مِنْ﴾ الثانية سيف خطيب، و ﴿شَىْء﴾ في موضع رفع على الابتداء، وفي خبره كما قال أبو البقاء : وجهان، أحدهما :﴿لَنَا﴾ فمن الأمر حال، والثاني :﴿مِنَ الأمر﴾ فلنا تبيين وبه تتم الفائدة.
﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ أي إن الشأن والغلبة الحقيقية لحزب الله تعالى، وأوليائه فينصر رسوله ﷺ وأصحابه ويخذل أعداءه ويقهرهم وكنى بكون الغلبة لله تعالى عن كونها لأوليائه لكونهم من الله سبحانه بمكان، أو أن القضاء أو التدبير له تعالى مخصوص به لا يشاركه فيه غيره فيفعل ما يشاء ويجري الأمور حسبما جرى به القلم في سابق القضاء، وعلى هذا لا كناية في الكلام، وجاء مؤكداً لما أن الكلام الذي وقع هو في مقابلته كذلك.
واستظهر في «البحر » من هذا الأمر كون الاستفهام فيما تقدمه باقياً على حقيقته ؛ إذ لو كان معناه نفي أن يكون لهم شيء من الأمر لم يجابوا بإثبات أن الأمر كله لله، اللهم إلا أن يقدر مع جملة النفي جملة ثبوتية ليكون المعنى ليس لنا من الأمر شيء بل لغيرنا ممن حملنا على الخروج وأكرهنا عليه فحينئذ يمكن أن يكون ذلك جواباً لهذا المقدّر، وفيه أنه لا حاجة إلى هذا التقدير على ذلك التقدير أيضاً أماإذا كان مرادهم نفي نصر الله تعالى نبيه ﷺ ومن معه فواضح لأن في هذا القول إثبات ذلك النصر على أتم وجه، وأما إذا كان مرادهم أنه لم يبق لهم من الأمر شيء حيث منعوا تدبير أنفسهم فلأن في ذلك النفي إشعاراً بأن لهم تدبيراً وأنهم لو تركوا وتدبيرهم ما غمزت قناتهم وهذا الإثبات متكفل برد ذلك وإبطاله على وجه سترة عليه كما لا يخفى فلا أرى التقدير على ما فيه إلا من ضيق العطن، وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿كُلُّهُ﴾ بالرفع على الابتداء والجار متعلق بمحذوف وقع خبراً له، والجملة خبر ﴿ءانٍ﴾، وأما على قراءة النصب فكل توكيد لاسم ﴿ءانٍ﴾ و ﴿لِلَّهِ﴾ خبرها. وزعم أبو البقاء أنه يجوز أن يكون ﴿كُلُّهُ﴾ بدلاً من ﴿الأمر﴾ وفيه بعد.
﴿يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم﴾ أي يضمرون فيها أو يسرون فيما بينهم ﴿مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي ما لا يستطيعون إظهاره لك، والجملة إما استئناف أو حال من ضمير ﴿يَقُولُونَ﴾ وقوله سبحانه :﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ اعتراض بين الحال وصاحبها أي يقولون ما يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر، مبطنين الإنكار والتكذيب وهذا ظاهر على الاحتمال الثاني في الآية الأولى، والذاهب إلى حمل الاستفهام فيها على الإنكار يتعين عنده الاستئناف أو يجوز الخبرية ونحوها أيضاً على ما مر، والجملة الجوابية اعتراضية في كل حال سوى احتمال الاستئنافية على الصحيح، وأما جعل هذه الجملة حالاً من ضمير ﴿قُلْ﴾ والرابط لك، فلا يخفى حاله.
﴿يَقُولُونَ﴾ أي في أنفسهم أو خفية لبعضهم إذ لو كان القول جهاراً لم يكونوا منافقين، والجملة إما بدل من ﴿يخافون﴾ أو استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل : ما الذي أخفوه ؟ فقيل ذلك، ورجحه بعض المحققين بأنه أكثر فائدة وبأن القول إذا حمل على ظاهره لم يتفاوت القولان