مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾.
في كيفية النظم وجهان : الأول : أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على الكافرين، وهذا النصر لا بد وأن يكون مسبوقا بإزالة الخوف عن المؤمنين، بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين. الثاني : أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولا، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه.
واعلم أن الذين كانوا مع الرسول ﷺ يوم أحد فريقان : أحدهما : الذين كانوا جازمين بأن محمدا عليه الصلاة والسلام نبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وكانوا قد سمعوا من النبي ﷺ أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال، فلا جرم كانوا آمنين، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس، فإن النوم لا يجيء مع الخوف، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾ وقال في قصة بدر ﴿إذ يغشاكم النعاس أمنة منه﴾ ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين، فقال في صفة المؤمنين :﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي :«الأمنة » مصدر كالأمن، ومثله من المصادر : العظمة والغلبة، وقال الجبائي : يقال : أمن فلان يأمن أمنا وأمانا.
المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : قرئ ( أمنة ) بسكون الميم، لأنها المرة من الأمن.
المسألة الثالثة : في قوله تعالى :﴿نعاسا﴾ وجهان : أحدهما : أن يكون بدلا من أمنة، والثاني : إن يكون مفعولا، وعلى هذا التقدير ففي قوله :﴿أمنة﴾ وجوه : أحدها : أن تكون حالا منه مقدمة عليه، كقولك : رأيت راكبا رجلا، وثانيها : أن يكون مفعولا له بمعنى نعستم أمنة، وثالثها : أن يكون حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة.
ثم قال تعالى :﴿يغشى طائفة منكم﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة، غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه. ثم يسقط فيأخذه، وعن الزبير قال : كنت مع النبي ﷺ حين اشتد الخوف، فأرسل الله علينا النوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير : والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. وقال عبد الرحمن بن عوف : ألقى النوم علينا يوم أحد، وعن ابن مسعود : النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.
واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد : أحدها : أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي ﷺ، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده، وثانيها : أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة، وثالثها : أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم، ورابعها : أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى، ومن الناس من قال : ذكر النعاس في هذا الموضع كناية عن غاية الأمن، وهذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ مع اشتمالها على هذه الفوائد والحكم.
المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي ﴿تغشى﴾ بالتاء ردا إلى الأمنة، والباقون بالياء ردا، إلى النعاس، وهو اختيار أبي حاتم وخلف وأبي عبيد.
واعلم أن الأمنة والنعاس كل واحد منهما يدل على الآخر، فلا جرم يحسن رد الكناية إلى أيهما شئت، كقوله تعالى :﴿إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلى في البطون﴾ وتغلي، إذا عرفت جوازهما فنقول : مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة، والنعاس بدل، ورد الكناية إلى الأصل أحسن، وأيضا الأمنة هي المقصود، وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه، فإن الخائف لا يكاد ينعس، وأما من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي، فإن العرب يقولون غشينا النعاس، وقلما يقولون غشيني من النعاس أمنة، وأيضا فإن النعاس مذكور بالغشيان في قوله :﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾ وأيضا : النعاس يلي الفعل، وهو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى.
ثم قال تعالى :﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾ وفيه مسألتان.
المسألة الأولى : هؤلاء هم المنافقون عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما، كان همهم خلاص أنفسهم، يقال : همني الشيء أي كان من همي وقصدي، قال أبو مسلم : من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف، قد أهمته نفسه، فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم، وقيل المؤمنون، كان همهم النبي ﷺ وإخوانهم من المؤمنين، والمنافقون كان همهم أنفسهم وتحقيق القول فيه : أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه، صار غافلا عما سواه، فلما كان أحب الأشياء إلى الإنسان نفسه، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلا عن كل ما سواها، فهذا هو المراد من قوله :﴿أهمتهم أنفسهم﴾ وذلك لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت حاصلة والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ووعد رسوله ما كان معتبرا عندهم، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم.
المسألة الثانية : «طائفة » رفع بالابتداء وخبره «يظنون » وقيل خبره «أهمتهم أنفسهم » ثم إنه تعالى وصف هذه الطائفة بأنواع من الصفات.
الصفة الأولى : من صفاتهم قوله تعالى :﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في هذا الظن احتمالان : أحدهما : وهو الأظهر : هو أن ذلك الظن أنهم كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد، أما على قول أهل السنة والجماعة، فلأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، فإن النبوة خلعة من الله سبحانه يشرف عبده بها، وليس يجب في العقل أن المولى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى، بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الإلهية، وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال الله وأحكامه، فلا يبعد أن يكون لله تعالى في التخلية بين الكافر والمسلم، بحيث يقهر الكافر المسلم، حكم خفية وألطاف مرعية، فإن الدنيا دار الامتحان والابتلاء، ووجوه المصالح مستورة عن العقول، فربما كانت المصلحة في التخلية بين الكافر والمؤمن حتى يقهر الكافر المؤمن، وربما كانت المصلحة في تسليط الفقر والزمانة على المؤمنين. قال القفال : لو كان كون المؤمن محقا يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناس إلى معرفة المحق بالجبر، وذلك ينافي التكليف واستحقاق الثواب والعقاب، بل الإنسان إنما يعرف كونه محقا بما معه من الدلائل والبينات، فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق، ومن المحق للمبطل، وهذه جملة كافية في بيان أنه لا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة على أن صاحبها على الحق. الثاني : أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والبعث، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي ﷺ في أن الله يقويهم وينصرهم.
المسألة الثانية : ﴿غير الحق﴾ في حكم المصدر، ومعناه : يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به ( وظن الجاهلية ) بدل منه، والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق : أديان كثيرة، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية، فذكر أولا أنهم يظنون بالله غير الظن الحق، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلانا، وهو ظن أهل الجاهلية، كما يقال : فلان دينه ليس بحق، دينه دين الملاحدة.
المسألة الثالثة : في قوله :﴿ظن الجاهلية﴾ قولان : أحدهما : أنه كقولك : حاتم الجود، وعمر العدل، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية، والثاني : المراد ظن أهل الجاهلية.
الصفة الثانية : من الصفات التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء المنافقين قوله تعالى :﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله﴾.
واعلم أن قوله ﴿هل لنا من الأمر من شيء﴾ حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق بها، وهو يحتمل وجوها : الأول : أن عبد الله بن أبي لما شاوره النبي ﷺ في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي ﷺ في أن يخرج إليهم، فغضب عبد الله بن أبي من ذلك، فقال عصاني وأطاع الولدان، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع عبد الله بن أبي قيل له : قتل بنو الخزرج، فقال : هل لنا من الأمر من شيء، يعني أن محمدا لم يقبل قولي حين أمرته بأن يسكن في المدينة ولا يخرج منها، ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا :﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ والمعنى : هل لنا من أمر يطاع وهو استفهام على سبيل الإنكار.
الوجه الثاني في التأويل : أن من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لعدوه قالوا : عليه الأمر، فقوله :﴿هل لنا من الأمر من شىء﴾ أي هل لنا من الشيء الذي كان يعدنا به محمد، وهو النصرة والقوة شيء وهذا استفهام على سبيل الإنكار، وكان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمدا ﷺ كان كاذبا في ادعاء النصرة والعصمة من الله تعالى لأمته، وهذا استفهام على سبيل الإنكار. الثالث : أن يكون التقدير : أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء، والغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد والحرب مع الكفار، ثم إن الله سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله :﴿قل إن الأمر كله لله﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ( كله ) برفع اللام، والباقون بالنصب، أما و

تفسير هذه الآية من كتب أخرى