رجَّحَ ابن جرير (٢/٥٢٩) قولَ قتادة، والربيع، والسُّدِّيّ، مِن أنّ مقام إبراهيم: «هو المقام المعروف بهذا الاسم في المسجد الحرام». استنادًا إلى ما ورد في السُّنَّة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وجابر رضي الله عنهما، وما دلَّ عليه واقعُ الحالِ المعروف بين الناس، وقال: «فهذان الخبران يُنبِئان أنّ الله -تعالى ذكره- إنما عنى بمقام إبراهيم الذي أمرنا الله باتخاذه مُصَلًّى هو الذي وصفنا، ولو لم يكن على صحة ما اخترنا في تأويل ذلك خبر عن رسول الله ﷺ لكان الواجب فيه من القول ما قلنا، وذلك أنّ الكلام محمولٌ معناه على ظاهره المعروف دون باطنه المجهول، حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك مما يجب التسليم له، ولا شك أنّ المعروف في الناس بمقام إبراهيم هو ما وصفتُ دون جميع الحرم، ودون مواقف الحج كلها»ووافقَه ابنُ كثير (٢/٦٣) مُستندًا إلى دلالةِ التّاريخ: «المراد بالمقام إنما هو الحَجَر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة، لَمّا ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، وكُلَّما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه كُلَّما فرغ مِن جدار نقله إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم جدران الكعبة»
أفادت الآثارُ اختلافَ السلف فيما عنى الله بقوله: ﴿فظلت أعناقهم﴾؛ فقيل: الجارحة المعلومة، أي: أعناق الرجال الذين نزلت عليهم الآية من السماء. وقيل: أراد بالأعناق: الكبراء والسادة. وقيل: الأعناق: الجماعة من الناس. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٥٤٨) القول الأول مستندًا إلى اللغة، وأقوال أهل التأويل، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك أن تكون الأعناق: هي أعناق الرجال. وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة للآية التي يُنزلها الله عليهم من السماء». وعلّق ابنُ عطية (٦/٤٧٠-٤٧١) على القول الأول، فقال: «فعلى هذا التأويل ليس في قوله: ﴿خاضِعِينَ﴾ موضع قول». وقال: ""فمعنى هذا التأويل: أن نتكلم على قوله: ﴿خاضِعِينَ﴾ كيف جُمعَ جمْع مَن يعقل؟ وذلك متخرج على نحوين من كلام العرب: أحدهما: أنّ الإضافة إلى مَن يعقل أفادت حُكْمَه لِمَن لا يعقل، كما تفيد الإضافة إلى المؤنث تأنيث علامة المذكر، ومنه قول الأعشى:كما شرقت صدر القناة من الدموهذا كثير. والنحو الآخر: أنّ الأعناق لَمّا وُصِفَت بفعل لا يكون إلا مقصود البشر، وهو الخضوع، إذ هو فعل يتبع أمرًا في النفس؛ جُمِعَت فيه جمع من يعقل. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف:٤]""
قال ابنُ عطية (٨/٢٥-٢٦ بتصرف): «هم أعراب مخصوصون، وقد أخبر الله تعالى أنّ في الأعراب على الجملة مَن يؤمن بالله واليوم الآخر، فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقول لهؤلاء المُدَّعين في الإيمان:﴿لم تؤمنوا﴾ أي: لم تصدِّقوا بقلوبكم، ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾. والإسلام يقال بمعنيين: أحدهما: الدّين يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران:١٩]، والذي في قوله ﷺ: «بُني الإسلام على خمس». والذي في تعليم النبي ﷺ لجبريل حين قال له: ما الإسلام؟ قال: «أن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان». والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص: «أو مسلمًا، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه» الحديث. فهذا الإسلام ليس هو في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾. والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾، والإيمان الذي هو التصديق أخص من الأول». وقال ابنُ كثير (١٣/١٧٤): «قد استُفِيد من هذه الآية الكريمة أنّ الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل عليه السلام حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقّى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه»
اختُلف في قوله: ﴿نكال الآخرة والأولى﴾ على أقوال: الأول: عقوبة كلمتيه: قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ وقوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص:٣٨]. الثاني: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. الثالث: فأخذه الله نكال الدنيا والآخرة. الرابع: أنّ الأولى هي عصيانه ربّه وكفره به، والآخرة قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾. الخامس: أخذه بأول عَمَلِه وآخره. واختار ابنُ جرير (٢٤/٨٤) -مستندًا إلى القرآن، وأقوال السلف- أنّ المراد عقوبة كلمتيه كما في القول الأول، فقال: «يعني -تعالى ذِكْره- بقوله: ﴿فأخذه الله﴾ فعاقبه الله ﴿نكال الآخرة والأولى﴾ يقول: عقوبة الآخرة من كلمتيه، وهي قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾، والأولى قوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص:٣٨]، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». وذكر أقوال السلف على هذا، ثم ذكر بقية الأقوال، ولم يعلّق عليها. ورجّح ابنُ كثير (١٤/٢٤٢) -مستندًا إلى القرآن- القول الثاني، وقال: «كَما قال تعالى: ﴿وجَعَلْناهُمْ أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص:٤١]، هذا هو الصحيح في معنى الآية؛ أنّ المراد بقوله: ﴿نَكالَ الآخِرَةِ والأولى﴾ أي: الدنيا والآخرة، وقيل: المراد بذلك: كَلِمَتاه الأولى والثانية. وقيل: كفْره وعصيانه. والصحيح الذي لا شكَّ فيه الأول»
اختُلف في المراد بالماعون على أقوال: الأول: الزكاة. الثاني: ما يتعاوره الناسُ بينهم مِن مثل الدّلو والقِدْر ونحو ذلك. الثالث: المعروف. الرابع: المال. قال ابنُ جرير (٢٤/٦٦٥) مستندًا إلى اللغة: ""وقوله: ﴿ويمنعون الماعون﴾ يقول: ويمنعون الناس منافع ما عندهم، وأصل الماعون من كل شيء منفعته؛ يقال للماء الذي ينزل من السحاب: ماعون؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة:بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغمثم ذكر اختلاف السلف في المراد به في هذا الموضع، ثم رجّح (٢٤/٦٧٨) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، إذ كان الماعون هو ما وصفنا قبل، وكان الله قد أخبر عن هؤلاء القوم، وأنهم يمنعونه الناس، خبرًا عامًا، من غير أن يخص من ذلك شيئًا؛ أن يقال: إنّ الله وصفهم بأنهم يمنعون الناس ما يتعاورونه بينهم، ويمنعون أهل الحاجة والمسكنة ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق؛ لأنّ كل ذلك من المنافع التي ينتفع بها الناس بعضهم من بعض». وذكر ابنُ كثير (١٤/٤٧٤) قول عكرمة: «رأس الماعون: زكاة المال، وأدناه: المُنخُل، والدّلو، والإبرة». ثم علّق قائلًا: «وهذا الذي قاله عكرمة حسن؛ فإنه يشمل الأقوال كلّها، وترجع كلّها إلى شيء واحد، وهو ترْك المعاونة بمال أو منفعة. ولهذا قال محمد بن كعب: ﴿ويمنعون الماعون﴾، قال: المعروف. ولهذا جاء في الحديث: «كلّ معروف صدقة»»
ذهب ابنُ جرير (١/٥٣٠-٥٣١) إلى ما ذهب إليه ابن عباس، وابن زيد مِن أنّ الآية توبيخٌ من الله ﷻ لهم على ما سَلَف من قِيلهم، وفَرَط منهم من خَطَإ مسألتهم
لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٢٨٣-٢٨٤) في معنى: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ سوى قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبي صالح، والسُّدِّيّ من طريق سعيد بن الصلت، وابن زيد
وابن عمر
وابن مسعود
وابن عباس