عن محمد بن سيرين، قال: هجا رسولَ الله ﷺ وأصحابَه ثلاثةٌ من كفار قريش؛ أبو سفيان بن الحارث، وعمرو بن العاص، وابن الزِّبَعْرى، قال قائل لعلي: اهجُ عنّا هؤلاء القوم الذين قد هجونا. فقال علي: إن أذن لي رسولُ الله ﷺ فعلتُ. فقال الرجل: يا رسول الله، ائذن لعلي كيما يهجو عنا هؤلاء القوم الذين هجونا. فقال: «ليس هناك». ثم قال للأنصار: «ما يمنع القوم الذين قد نصروا رسول الله ﷺ بسلاحهم وأنفسهم أن ينصروه بألسنتهم». فقال حسان بن ثابت: أنا لها، يا رسول الله. وأخذ بطرف لسانه، فقال: واللهِ، ما يسرني بهم مقولًا بين بصرى وصنعاء. فقال له رسول الله ﷺ: «وكيف تهجوهم وأنا منهم؟». فقال: إنِّي أسلُّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار يجيبونهم؛ حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، فكان حسان وكعب يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر، ويُعَيُّرونهم بالمناقب، وكان ابن رواحة يُعَيِّرُهم بالكفر، وينسبهم إلى الكفر، ويعلم أنه ليس فيهم شيء شرًّا من الكفر، وكانوا في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان وكعب، وأهون القول عليهم قول ابن رواحة، فلما أسلموا وفقهوا الإسلام كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة
عن عائشة -من طريق علقمة بن وقاص- قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فإذا أنا بسعد بن معاذ، ورماه رجل من قريش -يُقال له: ابن العَرِقَة- بسهم، فأصاب أكْحَله، فقطعه، فدعا اللهَ سعدٌ، فقال: اللهم، لا تُمتني حتى تقَرّ عيني من قريظة. وبعث الله الريح على المشركين، ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾، ولحق أبو سفيان ومَن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصّنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمر بقُبَّة مِن أدَم فضُربت على سعد في المسجد. قالت: فجاء جبريل -وإنّ على ثناياه لَنَقْع الغبار- فقال: أوَقدْ وضعتَ السلاح؟! لا، والله، ما وضعتِ الملائكة بعدُ السلاحَ، اخرج إلى بني قريظة فقاتِلهم. فلبس رسول الله ﷺ لأْمَته، وأذَّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فأتاهم فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصْرهم، واشتد البلاء عليهم، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ. قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فنزلوا، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ، فأُتي به على حمار، فقال رسول الله ﷺ: «احكم فيهم». فقال: إني أحكم فيهم أن تُقتل مقاتِلتهم، وتُسبى ذراريهم، وتُقسَم أموالهم. فقال: «لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله»
عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عباس- قال: كَتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى المشركين بكتاب، فجِيء به إلى النبيِّ ﷺ، فقال: «يا حاطِب، ما دعاك إلى ما صنعتَ؟». قال: يا رسول الله، كان أهلي فيهم، فخَشيتُ أن يَصرِموا عليهم. فقلتُ: أكتب كتابًا لا يضرّ الله ورسوله. فقلتُ: أضرب عُنُقه، يا رسول الله؟ فقد كفر. فقال: «وما يدريك -يا ابن الخطاب- أن يكون اللهُ اطّلع على أهل هذه العصابة مِن أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم»[[أخرجه البزار (١٩٧)، والحاكم ٤/٨٧ (٦٩٦٦)، من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا، إنما اتفقا على حديث عبد الله بن أبي رافع رضي الله عنه، عن علي: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مَرثد والزبير إلى رَوضة خاخ. بغير هذا اللفظ». ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في المجمع ٩/٣٠٣-٣٠٤ (١٥٦٦٢): «رواه أبو يعلى في الكبير، والبزار، والطبراني في الأوسط باختصار، ورجالهم رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٧/٢٦٧ (٦٨٢٣): «سند صحيح». وقال ابن حجر في المطالب العالية ١٥/٣٥١ (٣٧٥٦): «إسناده صحيح».]]
ذكر ابنُ جرير (١٤/٢٦٧) هذه القراءة، وعلّق عليها قائلًا: «وقرأه أبو جعفر القارئ: ‹وأَنَّهُم مُّفَرِّطُونَ› بكسر الراء وتشديدها، بتأويل: أنهم مفرطون في أداء الواجب الذي كان لله عليهم في الدنيا من طاعته وحقوقه، مضيعو ذلك، من قول الله تعالى: ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر:٥٦]». وبنحوه ابنُ عطية (٥/٣٧٥). ثم ذكر ابنُ جرير قراءة من قرأ ذلك بكسر الراء وتخفيفها، وعلّق عليها، فقال: «وقرأ نافع بن أبي نعيم: ‹وأَنَّهُم مُّفْرِطُونَ› بكسر الراء وتخفيفها... بتأويل: أنهم مفرطون في الذنوب والمعاصي، مسرفون على أنفسهم مكثرون منها، من قولهم: أفرط فلان في القول: إذا تجاوز حده، وأسرف فيه». وعلّق عليها ابنُ عطية (٣/٣٧٥)، فقال: «وقرأ السبعة سوى نافع ﴿مُفْرَطُونَ﴾ بفتح الراء وخفتها، ومعناه: مقدمون إلى النار والعذاب. وهي قراءة الحسن، والأعرج، وأصحاب ابن عباس، وقد رويت عن نافع، وهو مأخوذ من فرط الماء، وهم القوم الذين يتقدمون إلى المياه لإصلاح الدلاء والأرشية، ومنه قول النبي ﷺ: «أنا فرطكم على الحوض»». ثم رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى لموافقتها لتأويل أهل التأويل قراءة من قرأ ذلك بفتح الراء وتخفيفها، فقال: «والذي هو أولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة الذين ذكرنا قراءتهم من أهل العراق؛ لموافقتها تأويل أهل التأويل الذي ذكرنا قبل، وخروج القراءات الأخرى عن تأويلهم»
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد﴾ على قولين: أحدهما: أنّ المعنى: حتى إذا فتحنا عليهم باب القتال، فقُتِلُوا يوم بدر. والآخر: أنّ المعنى: حتى إذا فتحنا عليهم باب المجاعة والضُّرِّ، وهو الباب ذو العذاب الشديد. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧/٩٥) القولَ الثانيَ -وهو قول مجاهد-، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، استنادًا إلى أقوال السلف، وأحوال النزول، فقال: «هذا القول الذي قاله مجاهد أولى بتأويل الآية؛ لصِحَّة الخبر الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في قصة المجاعة التي أصابت قريشًا؛ بدعاء رسول الله ﷺ عليهم، وأمر ثمامة بن أثال، وذلك لا شكَّ أنه كان بعد وقعة بدر». وكذلك فَعَلَ ابنُ عطية (٦/٣١٤ بتصرف)، حيث انتَقَدَ القولَ الأولَ بقوله: «هذا القول يَرُدُّه أنّ الجدب الذي نالهم إنما كان بعد وقعة بدر». وقال بعد ذلك بقليل: «والعذاب الشديد: إما يوم بدر بالسيوف، كما قال بعضهم. وإما توعُّد بعذاب غير معين، وهو الصواب لما ذكرناه مِن تقدُّم بدر للمجاعة». ثم حسَّنَ قولَ مجاهد، بقوله: «ورُوي عن مجاهد: أنّ العذاب والبابَ الشديد هو كله مجاعة قريش. وهذا حسن، كان الأخذُ في صدر الأمر، ثم فُتِح الباب عند تناهيه حيث أبلسوا، وجاء أبو سفيان»
قال ابنُ عطية (٦/٥٥٧-٥٥٨ بتصرف): «احتجَّتْ عائشة رضي الله عنها في إنكارها أنّ النبي ﷺ أسمع موتى بدر بهذه الآية، ونظرت هي في الأمر بقياس عقليٍّ، ووقفت مع هذه الآية، وقد صحَّ أن النبيَّ ﷺ قال: «ما أنتم بأسمع منهم». فيشبه أنّ قصة بدر هي خرق عادة لمحمد عليه السلام في أن رد الله إليهم إدراكًا سمعوا به مقالة، ولولا إخبار رسول الله ﷺ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لِمَن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم. وقد عُورِضت هذه الآية بالسلام على القبور، وبما رُوي في ذلك من أنّ الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات، قالوا: فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله غير مُعارِض للآية؛ لأن السلام على القبور إنما هو عبادة، وعند الله الثواب عليها، وهو تذكير للنفس بحالة الموت وبحالة الموتى في حياتهم، وإن جوَّزنا مع هذا أنّ الأرواح في وقت على القبور؛ فإن سَمِع فليس الروح بميت، وإنما المراد بقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ الأشخاص الموجودة مفارقة لأرواحها، وفيها نقول: خرقت العادة لمحمد عليه السلام في أهل القليب. وذلك كنحو قوله ﷺ في الموتى إذا دخل عليهم الملَكان: «إنهم يسمعون خَفْق النِّعال»»
وجّه ابنُ جرير (٢١/١٩٠) المعنى على قراءات الآية، فقال: «وقوله: ﴿والذين قاتلوا في سبيل الله﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة: ‹والَّذِينَ قاتَلُواْ›، بمعنى: حاربوا المشركين، وجاهدوهم، بالألف. وكان الحسن البصري فيما ذُكر عنه يقرأه: (قُتِّلُوا) بضم القاف وتشديد التاء، بمعنى: أنه قتلهم المشركون بعضهم بعد بعض، غير أنّه لم يسمّ الفاعلون. وذكر عن الجحدري عاصم أنه كان يقرأه (والَّذِينَ قَتَلُوا) بفتح القاف وتخفيف التاء، بمعنى: والذين قتلوا المشركين بالله. وكان أبو عمرو يقرأه ﴿قُتلوا﴾ بضم القاف وتخفيف التاء بمعنى: والذين قتلهم المشركون، ثم أسقط الفاعلين، فجعلهم لم يُسمَّ فاعل ذلك بهم». ثم رجّح -مستندًا لإجماع الحجة من القراء- قراءة ‹ قاتَلُواْ›، فقال: «وأولى القراءات بالصواب قراءة من قرأه: ‹والَّذِينَ قاتَلُواْ›؛ لاتفاق الحجة من القراء، وإن كان لجميعها وجوه مفهومة». وبنحوه قال ابنُ عطية (٧/٦٤٢) حيث قال: «والقراءة الأولى أعمُّها وأوضحها معنى». ثم وجّه ابنُ جرير معنى الآية عليها، فقال: «وإذ كان ذلك أولى القراءات عندنا بالصواب فتأويل الكلام: والذين قاتلوا منكم -أيها المؤمنون- أعداء الله مِن الكفار في دين الله، وفي نصرة ما بعث به رسوله محمدًا ﷺ من الهُدى، فجاهدوهم في ذلك، ﴿فلن يضل أعمالهم﴾ فلن يجعل الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا ضلالًا عليهم كما أضلّ أعمال الكافرين»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ على أقوال: الأول: ما لكم لا ترون لله عَظمة. الثاني: لا تُعظّمون الله حَقّ عَظمته. الثالث: لا تَرجُون لله طاعة. الرابع: لا تَرجُون لله عاقبة. ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/٢٧٩) -مستندًا إلى اللغة- القول الأخير الذي قاله ابن عباس، وسعيد بن جُبَير، وقتادة، وعاصم بن بهدلة، ومقاتل، والكلبي، فقال: ""وذلك أنّ الرجاء قد تضعه العرب إذا صحبه الجحد في موضع الخوف، كما قال أبو ذُؤيب:إذا لسَعتْه النّحل لم يرجُ لسْعها وخالفها في بيت نُوبٍ عوامليعني بقوله: لم يَرجُ: لم يخف"". وعلَّق ابنُ عطية (٨/٤١٨-٤١٩) على القول الأخير بقوله: «فكأن الكلام على هذا وعيد وتخويف». وذكر أنّ بعض العلماء قال: ﴿تَرْجُونَ﴾ على بابها في الرجاء. وعلَّق عليه بقوله: «وكأنه قال: ما لكم لا تَجعلون رجاءكم لله ولقائه، و﴿وقارًا﴾ يكون -على هذا التأويل- منهم، كأنه يقول: تُؤَدَةً منكم، وتمكّنًا في النظر؛ لأنّ الكفر مُضمّنه الخِفّة والطيش وركوب الرأس». وساق ابنُ القيم (٣/٢٠٣) هذه الأقوال، ثم علَّق بقوله: «وهذه الأقوال ترجع إلى معنًى واحد، وهو: أنهم لو عظّموا الله وعرفوا حقّ طاعته وحّدوده وأطاعوه وشكروه، فطاعته سبحانه واجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره في القلب»
اختُلِف في معنى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ على أقوال: الأول: أنّه استثناء استثناه الله في أهل التوحيد؛ أنه يخرجهم من النار إذا شاء بعد أن أدخلهم فيها. الثاني: أنّه استثناء في أهل التوحيد أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. الثالث: أن المقصود بالاستثناء أهل النار وكل مَن دخلها. الرابع: أنّ الله أخبر بمشيئته لأهل الجنة أنها في الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض بقوله تعالى في معنى الاستثناء: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، ولم يخبر بمشيئته في أهل النار، فجائز أن تكون في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٠ بتصرف) القول الأول الذي قاله الضحاك، وقتادة، وخالد بن معدان، وخالد بن مهران، والسدي، ومقاتل، بقوله: «فيجيء قوله: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أي: لقومٍ ما... وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَأَمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ عامًّا في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من ﴿خالِدِينَ﴾». ووجَّه ابنُ جرير (١٢/٥٨١) القول الثاني الذي قاله أبو سعيد الخدري، وأبو مجلز، فقال: «ووجَّهوا الاستثناء أنّه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا في النار﴾ - ﴿إلا ما شاء ربك﴾ لا من الخلود». ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٥٨٣) القول الأول، وانتقد الثاني، والثالث الذي قاله ابن عباس من طريق المسيب، وابن مسعود، وأبو هريرة، والشعبي مستندًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية، وقول أهل العلم، فقال: «لأنّ الله عز وجل أوْعَد أهل الشرك به الخلودَ في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائزٍ أن يكون استثناءً في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أنّ الله يُدخِل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائزٍ أن يكون ذلك استثناءً في أهل التوحيد قبل دخولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا، وأنا إن جعلناه استثناءً في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: لا يدخل الجنةَ فاسقٌ، ولا النارَ مؤمنٌ. وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ». وعلى القول الثالث فالاستثناء من طول المدة، وهو ما وجَّهه ابنُ عطية بقوله: «فهم -على هذا- يُخَلَّدون حتى يصير أمرهم إلى هذا... والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره إنّما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي يسمي جهنم، وسمي الكل به تَجَوُّزًا». ثم انتقده بقوله: «وهذا قول مختل». ونقل (٥/٢١) قولًا عن الفراء: أنّ ﴿إلا﴾ في هذه الآية بمعنى: سوى، والاستثناء منقطع، ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء الله زائدًا على ذلك». ثم علَّق بقوله: «ويؤيد هذا التأويل قوله بعد: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾». وزاد ابنُ عطية أقوالًا أخرى في معنى الاستثناء: الأول: أنّ ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام، وعلَّق عليه بقوله: «فهو على نحو قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط، كأنّه قال: إن شاء الله. فليس يحتاج إلى أن يوصف بمتصل ولا بمنقطع». ثم قال: «ويؤيد هذا قوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾». الثاني: أنّ المعنى: سوى ما أعده لهم من أنواع العذاب مما لا يعرف كالزمهرير ونحوه. الثالث: أنه استثناء من مدة السماوات والأرض، المدة التي فرطت لهم في الحياة الدنيا. الرابع: أنّه استثناء من مدة البرزخ بين الدنيا والآخرة. الخامس: أنّه استثناء من مُدَّة المسافات التي بينهم في دخول النار، إذ دخولهم إنما هو زُمَرًا بعد زُمَر. وذكر ابنُ كثير (٧/٤٧٣) ترجيح ابن جرير، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا الذي عليه كثيرٌ من العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير هذه الآية الكريمة». ثم قال: «وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز، والشعبي، وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة أقوال غريبة»
انتقد ابنُ تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/ ١٦٨ -١٧٠) هذا الأثر مستندًا إلى الإجماع، وظاهر الآية، وأحوال النزول، والأدلة العقلية، والتاريخية، فقال -بتصرف-: ""والجواب من وجوه:... الوجه الثاني: أن مثل هذا مما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع. الوجه الثالث: أن هذا مما يعلم من له علم ودين أنه من الكذب الباطل الذي لا يصدق به مَن له عقل ودين، وإنما يختلق مثل هذا أهل الوقاحة والجراءة في الكذب، فإن الرسل -صلوات الله عليهم- كيف يسألون عمّا لا يدخل في أصل الإيمان؟ وقد أجمع المسلمون على أنّ الرجل لو آمن بالنبي ﷺ وأطاعه، ومات في حياته قبل أن يعلم أنّ الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا لم يضره ذلك شيئًا، ولم يمنعه ذلك مِن دخول الجنة. فإذا كان هذا في أمة محمد ﷺ فكيف يُقال: إن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد من الصحابة؟! والله تعالى قد أخذ الميثاق عليهم لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. هكذا قال ابن عباس وغيره، كما قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ [آل عمران:٨١] فأما الإيمان بتفصيل ما بعث به محمد فلم يؤخذ عليهم، فكيف يُؤخَذ عليهم موالاة واحد من الصحابة دون غيره من المؤمنين؟!. الرابع: أن لفظ الآية: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ ليس في هذا سؤال لهم بماذا بعثوا. الخامس: أن قول القائل: إنهم بعثوا بهذه الثلاثة. إن أراد أنهم لم يبعثوا إلا بها فهذا كذب على الرسل، وإن أراد أنها أصول ما بعثوا به فهذا أيضًا كذِب، فإن أصول الدين التي بعثوا بها: من الإيمان بالله واليوم الآخر، وأصول الشرائع، أهم عندهم من ذكر الإيمان بواحدٍ مِن أصحاب نبي غيرهم، بل ومن الإقرار بنبوة محمد ﷺ، فإن الإقرار بمحمد يجب عليهم مجملًا، كما يجب علينا نحن الإقرار بنبواتهم مجملًا، لكن مَن أدركه منهم وجب عليه الإيمان بشرعه على التفصيل كما يجب علينا. وأما الإيمان بشرائع الأنبياء على التفصيل فهو واجب على أممهم، فكيف يتركون ذكر ما هو واجب على أممهم ويذكرون ما ليس هو الأوجب؟!. الوجه السادس: أن ليلة الإسراء كانت بمكة قبل الهجرة بمدة؛ قيل: إنها سنة ونصف. وقيل: إنها خمس سنين. وقيل غير ذلك. وكان عليٌّ صغيرًا ليلة المعراج، لم يحصل له هجرة ولا جهاد ولا أمر يوجب أن يذكره به الأنبياء. والأنبياء لم يكن يُذكر عليٌّ في كتبهم أصلًا، وهذه كتب الأنبياء الموجودة التي أخرج الناس ما فيها من ذكر النبي ﷺ ليس في شيء منها ذكر عليٍّ، بل ذكروا أن في التابوت الذي كان فيه عند المقوقس صور الأنبياء صورةَ أبي بكر وعمر مع صورة النبي ﷺ وأنه بها يقيم الله أمره. وهؤلاء الذين أسلموا من أهل الكتاب لم يذكر أحد منهم أنه ذُكر عليٌّ عندهم، فكيف يجوز أن يقال: إن كلًّا مِن الأنبياء بُعِثوا بالإقرار بولاية علي، ولم يذكروا ذلك لأممهم، ولا نقله أحد منهم؟""