رجَّحَ ابن جرير (٢/٤٣٩-٤٤٠ بتصرف) العمومَ في معنى الآية وشمولها لكل الأقوال المذكورة؛ لعدم الدليل على التّعيين، فقال: «والصواب عندنا أن يقال: إنّ الله أخبر عن قوم أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض مما أخبر الله عنهم أنهم قالوه في قوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾، وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى، ولا أمة أوْلى أن يُقال: هي التي عُنِيَت بذلك من أخرى؛ إذ لم يكن في الآية دلالة على أيٍّ من أيٍّ، ولا خبر بذلك عن رسول الله ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل، ولا من جهة النقل المستفيض. وإنما قصد الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ إعلامَ المؤمنين أن اليهود والنصارى قد أتوا من قيل الباطل، وافتراء الكذب على الله، وجحود نبوة الأنبياء والرسل، وهم أهل كتاب يعلمون أنهم فيما يقولون مبطلون، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون، وعلى الله مفترون؛ مثلَ الذي قاله أهل الجهل بالله وكتبه ورسله الذين لم يَبْعَث الله لهم رسولًا، ولا أوحى إليهم كتابًا». وذهبَ إلى مثلِه ابن كثير (٢/٢٤)، وقال: «اختار أبو جعفر ابن جرير أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثَمَّ دليل قاطع يُعَيِّن واحدًا من هذه الأقوال، فالحمل على الجميع أوْلى». وزاد ابن عطية (١/٣٢٥) إضافة إلى ما ورد في أقوال السلف قولًا آخر، فقال: «وقال قوم: المراد اليهود، وكأنه أعيد قولهم». وانتَقَدَه بقوله: «وهذا ضعيف»
ذكر ابنُ جرير (٧/٣٦) في نزول الآية قولين: الأول: أنّها عامة في كل مؤمن. الثاني: أنها في المهاجرين خاصة دون أهل البوادي والأعراب. ورَجّح ابنُ جرير نزول الآية في المهاجرين كما جاء في أثر ابن عمر، مستندًا إلى دلالة العقل، ولزوم الجمع بين الخبرين الثابتين، فقال: «وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى بهذه الآية: المهاجرين دون الأعراب. وذلك أنّه غيرُ جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسول الله ﷺ شيءٌ يدفع بعضُه بعضًا، فإذا كان صحيحًا وعد الله مَن جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له، وكان الخبران اللذان ذكرناهما عنه ﷺ صحيحين، كان غيرُ جائز إلا أن يكون أحدهما مجملًا والآخر مُفَسِّرًا، إذ كانت أخباره ﷺ يُصَدِّق بعضُها بعضًا. وإذا كان ذلك كذلك صحَّ أن خبر أبي هريرة معناه: إنّ الحسنة لَتُضاعَف للمهاجرين مِن أهل الإيمان ألفي ألف حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما روى ابن عمر عن النبي ﷺ، وأنّ قوله: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام:١٦٠] يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يضاعف له، ويؤته الله من لدنه أجرًا. يعني: يُعْطِه من عنده أجرًا عظيمًا، يعني: عِوَضًا من حسنته عظيمًا. وذلك العوض العظيم: الجنة». وذكر ابنُ عطية (٢/٥٥٦) الأقوال في نزول الآية، ثم رَجَّح أنها عامة في المؤمنين والكافرين: «فأمّا المؤمنون فيُجازَوْن في الآخرة على مثاقيل الذَرِّ فما زاد، وأما الكافرون فما يفعلون من خيرٍ فتقع المكافأة عليه بنِعَم الدنيا، ويجيئون يوم القيامة ولا حسنة لهم»
انْتَقَدَ ابنُ جرير (٨/١٠٦) قول مَن قال: عَنى الله بقوله: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ ما علَّمْنا مِن الكلاب خاصَّة دون غيرها مِن سائِر الجوارح، مُسْتَنِدًا إلى ظاهر الآية، وما ورد في السُّنَّة، فقال بعد أن بَيَّن أنَّ ظاهر الآية وما ورد في السُّنَّة يَدُلّانِ على العموم: «فإن ظَنَّ ظانٌّ أنّ في قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ دلالةً على أنّ الجوارح التي ذُكِرَت في قوله: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ هي الكلاب خاصَّةً؛ فقد ظَنَّ غير الصواب، وذلك أنّ معنى الآية: قُلْ أُحِلَّ لكم أيُّها الناس في حال مصيركم أصحاب كلابٍ الطَّيِّباتُ وصيدُ ما عَلَّمْتُموه الصيد مِن كَواسِب السِّباع والطير. فقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ صفة للقانص، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه، وهو نظير قول القائل يُخاطِب قومًا: أُحِلَّ لكم الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُم من الجوارح مُكَلِّبِين مُؤَمِّنِين؛ فمعلومٌ أنّه إنّما عنى قائلُ ذلك إخْبارَ القوم أنّ الله -جلَّ ذِكْرُه- أحَلَّ لهم -في حال كونهم أهلَ إيمان- الطَّيِّباتِ، وصيدَ الجوارح التي أعْلَمَهُم أنّه لا يحِلُّ لهم منه إلا ما صادوه بها، فكذلك قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتِ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، لذلك نظيره في أنّ التَّكْلِيب للقانِص بالكلاب كان صيدُه أو بغيرها، لا أنّه إعْلامٌ من الله -عَزَّ ذِكْرُه- أنّه لا يَحِلُّ من الصيد إلا ما صادته الكلاب». وذكر ابنُ عطية (٣/١٠٨) أن ابن المنذر حكى عن قوم أنهم قالوا: الجَوارِحِ: مأخوذ من الجِراح، أي: الحيوان الذي له ناب وظفر أو مخلب يجرح به صيده. وانتَقَده مستندًا للغة، فقال: «وهذا قول ضعيف، وأهل اللغة على خلافه». ونقل (٣/١٠٨-١٠٩) أنّ بعض المفسرين قال: المُكَلّب بفتح الكاف وشد اللام: صاحب الكلاب. وانتقده بقوله: «وليس هذا بمُحَرَّر»
اختُلِف في حكم هذه الآية، هل هو في أهل بدر خاصّة، أم هو في المؤمنين جميعًا؟ على قولين: أحدهما: أنه لأهل بدر خاصّة، ثم نُسِخ. والآخر: أنّ الآية محكمة، وحكمها ثابت في كلّ المؤمنين. ورجَّحَ ابن جرير (١١/٨٢) القول الثاني، وهو قول ابن عباس -من طريق عليّ بن أبي طلحة-، وانتَقَدَ الأول؛ لعدم ورود دليل بالنسخ، فقال: «هي محكمة غير منسوخة، لِما قد بَيَّنّا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره: أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ، وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة﴾». وإلى ذلك ذَهَبَ ابن كثير (٧/٣٩-٤٠) أيضًا. وقال ابن عطية (٤/١٣٨): «أمر الله عز وجل في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مِثْلَيِ المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنة من المشركين فالفرض أن لا يفروا أمامهم، فالفرار هناك كبيرة موبقة بظاهر القرآن، والحديث، وإجماع الأكثر من الأمة، والذي يراعي العدد حسب ما في كتاب الله عز وجل، وهذا قول جمهور الأمة. وقالت فرقة -منهم ابن الماجشون في الواضحة-: يُراعى أيضًا الضعف والقوة والعدة، فيجوز على قولهم أن يَفِرّ مائة فارس إذا علموا أن عند المشركين من العدة والنجدة والبسالة ضعف ما عندهم، وأمام أقل أو أكثر بحسب ذلك، وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا أمام ما زاد على مائتين»
اختلف في عوْد الضمير في قوله: ﴿إلا تفعلوه﴾ على قولين: الأول: عائد على الموارثة والتزامها. والثاني: عائد على المؤازرة واتصال الأيدي والمعاونة. ورجَّح ابن جرير (١١/٢٩٩) مستندًا إلى اللغة والسياق القولَ الثانيَ الذي قال به ابن إسحاق، وابن جريج، فقال: «لأن المعروف في كلام العرب من معنى الولي: أنه النصير والمعين، أو ابن العم والنسيب. فأما الوارث فغير معروف ذلك من معانيه، إلّا بمعنى أنه يليه في القيام بإرثه من بعده، وذلك معنًى بعيدٌ وإن كان قد يحتمله الكلام. وتوجيه معنى كلام الله إلى الأظهر الأشهر أوْلى من توجيهه إلى خلاف ذلك. وإذ كان ذلك كذلك فبَيِّنٌ أنّ أوْلى التأويلين بقوله: ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ تأويل من قال: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين تكن فتنة في الأرض؛ إذ كان مبتدأ الآية من قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ بالحث على الموالاة على الدين والتناصر جاء، وكذلك الواجب أن يكون خاتمتها به... وهذه الآية [يعني: قوله: ﴿والذين آمنوا وهاجروا﴾] تُنبِئُ عن صحة ما قلنا؛ لأنه -جل ثناؤه- عَقَّب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار، والخبر عما لهم عنده دون من لم يهاجر بقوله: ﴿والذين آمنوا وهاجروا... ﴾، ولو كان مرادًا بالآيات قبل ذلك الدلالة على حكم ميراثهم لم يكن عَقِيب ذلك إلا الحث على مُضِيِّ الميراث على ما أمر». وكذا رجَّحه ابن عطية (٤/٢٤٩) مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «هذا تقع الفتنة عنه عن قُرب، فهو آكد من الأول، ويظهر أيضًا عَوْدُه على حفظ العهد والميثاق الذي يتضمنه قوله: ﴿إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾، وهذا إن لم يفعل فهي الفتنة نفسها»، ثم قال: «ويظهر أن يعود الضميرُ على النصر للمسلمين المستنصرين في الدين، ويجوز أن يعود الضميرُ مُجْمَلًا على جميع ما ذُكِر»
اختُلِف في الاستدلال بهذه الآية على تحريم أكل لحوم الخيل على قولين: الأول: أن في هذه الآية دلالة على تحريم أكل لحوم الخيل. الثاني: أنها لا تدل على تحريم شيء. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/١٧٥-١٧٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، وهو قول إبراهيم النخعي، وقول الأسود، وعلَّل ذلك بأنه «لو كان في قوله -تعالى ذكره-: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ دلالةٌ على أنها لا تصلح -إذ كانت للركوب- للأكل، لكان في قوله: ﴿فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ دلالة على أنها لا تصلح -إذ كانت للأكل والدِّفْءِ- للركوب، وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال -تعالى ذِكْره-: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ جائزٌ حلالٌ غير حرام، دليلٌ واضحٌ على أن أكل ما قال: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ جائزٌ حلالٌ غير حرامٍ، إلا بما نصَّ على تحريمه، أو وضَع على تحريمه دلالة من كتابٍ أو وحيٍ إلى رسول الله ﷺ، فأما بهذه الآية فلا يُحَرَّم أكلُ شيءٍ». وذكر ابنُ عطية (٥/٣٣٠) احتجاج ابن عباس ومالك بهذه الآية على كراهة لحوم الخيل والبغال والحمير، واحتجاج الحكم بن عيينة بها على حرمة لحوم الخيل والبغال والحمير، ثم استدرك قائلًا: «وهذه الحجة غير لازمة عند جماعة من العلماء، قالوا: إنما ذكر الله تعالى عظم منافع الأنعام، وذكر عظم منافع هذه وأهم ما فيها، وليس يقضي ذلك بأن ما ذكره لهذه لا تدخل هذه فيه». ثم ذكر (٥/٣٣١) قول ابن جرير بأن في «إجماعهم على جواز ركوب ما ذكر للأكل دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب»، وعلق قائلًا: «وفي هذا نظر، ولحوم الخيل عند كثير من العلماء حلال، وفي جواز أكلها حديث أسماء بنت أبي بكر، وحديث جابر بن عبد الله: كنا نأكل الخيل في عهد النبي ﷺ. والبغال والحمير مكروهة عند الجمهور، وهو تحقيق مذهب مالك»
اختُلِف في المعنيِّين بقوله تعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: عُنِيَ بها المشركون عند نزول نقمة الله بهم في الدنيا. الثاني: عُنِيَ بذلك المشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم. الثالث: عُنِيَ بذلك جيشٌ يُخْسَف به بِبَيْداء من الأرض. ورجَّح ابنُ جرير (١٩/٣١٣) مستندًا إلى دلالة السياق القولَ الأول والثاني، فقال: «والذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك، وأشْبَهُ بما دلَّ عليه ظاهر التنزيل: قولُ مَن قال: ذلك وعيد الله المشركين الذين كذَّبوا رسول الله ﷺ من قومه؛ لأنّ الآيات قبل هذه الآية بالإخبار عنهم وعن إساءتهم، وبوعيد الله إياهم مَضَتْ، وهذه الآية في سياق تلك الآيات، فَلأَن يكون ذلك خبرًا عن حالهم أشْبَه منه بأن يكون خبرًا عمّا لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الكلام: ولو ترى -يا محمد- هؤلاء المشركين من قومك، فتُعاينُهُم حين فزِعوا من معايَنَتِهم عذاب الله ﴿فَلا فَوْتَ﴾». ورجَّح ابنُ عطية (٧/١٩٦) القول الثاني، وهو قول الحسن، بقوله: «وهذا أرجح الأقوال عندي». ولم يذكر مستندًا، وانتقد القول الثالث قائلًا: «وهذا قول بعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطوَّل عن حذيفة، وروى الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على ابن روّاد بن الجراح». وبنحوه ابنُ كثير (١١/٢٩٩ بتصرف)، فقال: «أورد ابن جرير في ذلك حديثًا موضوعًا بالكلية، ثم لم ينبِّه على ذلك، وهذا أمرٌ عجيبٌ غريبٌ منه»، وذكر ابنُ كثير القول الأول والثاني وكذا القول بأنهم أخذوا من تحت أقدامهم، ثم رجَّح قائلًا: «والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامة العظمى، وإن كان ما ذُكِر متصلًا بذلك». ولم يذكر مستندًا
عن عائشة -من طريق عروة- قالت: كان رجال من الأنصار مِمَّن كان يُهِلُّ لِمَناة في الجاهلية -ومَناة صَنَمٌ بين مكة والمدينة- قالوا: يا نبي الله، إنّا كُنّا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية. قال عروة: فقلت لعائشة: ما أُبالِي أن لا أطوف بين الصفا والمروة؛ قال الله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. فقالت: يا ابن أختي، ألا ترى أنه يقول: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾. قال الزُّهْرِي: فذكرتُ ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فقال: هذا العلم. قال أبو بكر: ولقد سمعتُ رجالًا من أهل العلم يقولون: لَمّا أنزل الله الطواف بالبيت، ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة؛ قيل للنبي ﷺ: إنّا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، وإنّ الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما؟ فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية كلها. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما؛ فيمن طاف، وفيمن لم يَطُف
عن فَرْقَدٍ السَّبخيِّ، قال: أوحى اللهُ إلى عيسى ابن مريم في الإنجيل: يا عيسى، جِدَّ في أمري ولا تهْزِلْ، واسمع قولي وأَطِعْ أمري، يا ابنَ البِكْر البَتُول، إنِّي خلقتك مِن غير فحلٍ، وجعلتُك وأمَّك آيةً للعالمين، فإيّاي فاعبُد، وعَلَيَّ فتوكَّل، وخُذِ الكتاب بقوة. قال عيسى: أيْ ربِّ، أيَّ كتابٍ آخُذُ بقوة؟ قال: خذ كتاب الإنجيل بقوة، ففسِّره لأهل السُّريانية، وأخبِرهم أنِّي أنا الله لا إله إلا أنا الحيُّ القيومُ البديعُ الدائمُ الذي لا أزول، فآمِنوا بالله ورسوله النبيَّ الأُمِّيِّ الذي يكون في آخر الزمان، فصدِّقوه، واتَّبِعوه، صاحب الجمل والمِدرعة والهِراوة والتاج، الأكْحَلِ العين، المقرون الحاجبين، صاحب الكساء، الذي إنّما نسْلُه مِن المباركة -يعني: خديجة-، يا عيسى، لها بيت مِن لؤلؤ من قَصَبٍ مُوصَل بالذهب، لا يُسْمَع فيه أذًى ولا نَصَبٌ، لها ابنةٌ -يعني: فاطمة-، ولها ابنان يُستشهدان -يعني: الحسن، والحسين-، طُوبى لِمَن سمِع كلامَه، وأدرك زمانَه، وشهِد أيّامه. قال عيسى: يا ربِّ، وما طوبى؟ قال: شجرةٌ في الجنة، أنا غرستها بيَدَيَّ، وأسكنتُها ملائكتي، أصلها مِن رضوان، وماؤها مِن تسنيمٍ
عن محمد بن كعب القُرَظيّ -من طريق أبي معشر- قال: لأهل النار خمس دعوات يكلّمهم [...]، فإذا كانت الخامسة سكتوا، قالوا: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾. قال: فراجَعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ إلى آخر الآية، ثم يقولون: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]. قال: فيردّ عليهم: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]، ثم يقول: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم:٤٤]. قال: فراجَعهم بهذه الآية: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكُمْ مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم:٤٤]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]. قال: فراجَعهم فيقول: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر:٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون:١٠٦]. قال: فراجَعهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك