لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٣٤-٥٣٥) غير قول مجاهد، وابن عباس من طريق ابن إسحاق
نصَّ ابنُ عطية (٦/٣٢٩)، وابنُ كثير (١٠/١٥٩) على مَدَنِيَّة السورة، فقال ابنُ عطية: «هذه السورةُ كلُّها مدنية». وبنحوه قال ابنُ كثير
ذكر ابنُ كثير (١٠/٦٦) قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح وابن جريج، وابن عباس من طريق العوفي، وابن زيد، ثم علَّق على قول ابن زيد قائلًا: «وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها، وقد جاء في حديث مرفوع: «ولا تُعجِلوا النفوس أن تَزْهَق»»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ يعني: اليهود، وذلك أن الله عز وجل عهد إليهم فِي التوراة أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا بمحمد ﷺ وبالنبيين والكتاب، فأخبر اللَّه عز وجل عنهم فِي المائدة، فقال: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ بمحمد ﷺ، ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ يعني: ونصرتموهم، ﴿وأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة:١٢]، فهذا الذي قال اللَّه: ﴿وأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي عهدت إليكم في التوراة، فإذا فعلتم ذلك ﴿أُوفِ﴾ لكم ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾، يعني: المغفرة والجنة، فعاهدهم إن أوْفوا له بما قال المغفرةَ والجنةَ، فكفروا بمحمد ﷺ، وبعيسى عليه السلام، فذلك قوله سبحانه: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ولَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾، فهذا وفاء الرب عز وجل لهم
عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت يهودُ برجل منهم وامرأةٍ قد زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ائتوني بأعلم رجلين فيكم». فأتوه بابني صُورِيا، فقال لهما رسول الله ﷺ: «أنتما أعلم مَن وراءكما؟». قالا: كذلك يزعمون. فنشدهما بالله «كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟». قالا: نجد في التوراة أنّ الرجل إذا وُجِد مع امرأة في بيت فهي زانية، وفيها عقوبة، وإذا وُجِد على بطنها، أو يقبلها -قال أبو أسامة: هذه أعظم من تلك- فهي زانية، وفيها عقوبة، وإذا جاء أربعةٌ فشهدوا أنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها مثلَ المِيل في المكحلة؛ رُجِما. قال: «فما يمنعكما أن ترجموهما؟». قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء الأربعةُ، فشهدوا أنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر بهما رسول الله ﷺ، فرُجِما
عن عوف بن محمد، عن أبيه، عن أُمِّه [أم هانئ] أنها قالت: دخل عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ، فقال: «أبشري! فإن الله عز وجل قد أنزل لأمتي الخيرَ كله، وقد أنزل: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود:١١٤]». فقالت: بأبي أنت وأمي، ما تلك الحسنات؟ قال: «الصلوات الخمس». ثم دخل عليّ، فقال: «أبشري! فإنه قد نزل خير لا شرّ بعده». قلت: ما هو، بأبي أنت وأمي؟ قال: «أنزل الله -جلّ ذِكْرُه-: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام:١٦٠]. فقلت: يا ربّ، زِد أمتي، فأنزل الله -تبارك اسمه-: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١]، فقلتُ: يا ربّ، زِد أمتي، فأنزل الله تعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾»
عن عبد الله بن عمرو، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟». قلنا: لا، إلّا أنْ تخبرنا، يا رسول الله. قال للذي في يده اليمنى: «هذا كتابٌ مِن ربّ العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنقص منهم». ثم قال للذي في شماله: «هذا كتاب مِن ربّ العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنقص منهم أبدًا». فقال أصحابه: ففيم العمل -يا رسول الله- إن كان أمرٌ قد فُرِغ منه؟ فقال: «سدِّدوا، وقاربوا؛ فإنّ صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإنْ عمِل أيّ عمَل». ثم قال رسول الله ﷺ بيديه، فنبذهما، ثم قال: «فرغ ربكم مِن العباد، ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾»
عن زيد بن أسلم -من طريق سعيد بن أبي هلال- أنه بلغه: أنّ النبي عليه السلام قال: «إنّ العبد إذا أسلم كُتِب له بكل حسنة كان زَلفها حسنة، وغُفِر له كل سيئة زَلفها، فما عمل بعد ذلك مِن حسنة كُتب له بها عشر أمثالها، وما عمل من سيئة كُتب عليه سيئة مثلها». قال سعد: فسألتُ زيد بن أسلم: هل تعرفه في القرآن؟ فقال: نعم، يقول الله: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأَنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾. قال: مَن جاء بالحسنة فله عشْر أمثالها، ومَن جاء بالسيئة فلا يُجزى إلا مثلها
ذهَبَ إلى ذلك ابنُ جرير (٨/٢١٢) مستندًا إلى اللغة، وأقوال السلف، وابنُ عطية (٣/١٢٠)، وابنُ تيمية (١/٤١٩)، وابنُ كثير (٥/١٢٠)، وهو قول الجمهور، قال ابن جرير: «تُسمّيهما العرب المِنجمَيْن»
اختُلف في المراد بالمُعصرات على أقوال: الأول: الرياح. الثاني: السحاب. الثالث: السماء. وقد ذكر ابنُ عطية (٥/٤٢٤) قراءة تقوي القول الأول، فقال: «وقرأ ابن الزُّبير، وابن عباس، والفضل بن عباس، وقتادة، وعكرمة: (وأَنزَلْنا بِالمُعْصِراتِ)، فهذا يقوي أنه أراد الرياح». ووجّه ابنُ عطية (٨/٥١٤-٥١٥) تفسير المعصرات بالسحاب بأنه: ""مأخوذ من العَصر؛ لأنّ السحاب يَنعصر فيخرج منه الماء، وهذا قول الجمهور، وبه فسّر الحسن بن محمد العنبري القاضي بيت حسان:كلتاهما حَلَب العصيروقال بعض مَن سَمّيت: هي السحاب التي فيها الماء ولــمـّـا تُمطر كالمرأة المُعصر، وهي التي دنا حيضها ولم تَحض بعد. وقال ابن كيسان: قيل للسحاب مُعصرات من حيث تغيث، فهي من العُصرة، ومنه قوله تعالى: ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف:٤٩]"". ووجّه ابنُ كثير (١٤/٢٢٨) القول الأول بقوله: «ومعنى هذا القول: أنها تَستدرّ المطر من السحاب». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/١٤) القول الثاني، وانتقد القولين الآخريين مستندًا إلى الدلالة العقلية، والأغلب من اللغة، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله أخبر أنه أنزل من المُعصرات، وهي التي قد تَحلّبتْ بالماء من السحاب ماء، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن القول في ذلك على أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرت، والرياح لا ماء فيها فينزل منها، وإنما ينزل بها، وكان يصحّ أن تكون الرياح لو كانت القراءة: (وأَنزَلْنا بِالمُعْصِراتِ)، فلما كانت القراءة: ﴿من المعصرات﴾ عُلم أنّ المعني بذلك ما وصفت، فإن ظنّ ظانٌّ أنّ الباء قد تعقب في مثل هذا الموضع»مِن«؛ قيل: ذلك وإن كان كذلك فالأغلب من معنى مِن غير ذلك، والتأويل على الأغلب مِن معنى الكلام. فإن قال: فإنّ السماء قد يجوز أن تكون مرادًا بها. قيل: إنّ ذلك وإن كان كذلك فإنّ الأغلب من نزول الغيث من السحاب دون غيره». وبنحوه ابنُ كثير مستندًا إلى النظائر، فقال: «والأظهر أنّ المراد بالمُعصرات: السحاب، كما قال الله تعالى: ﴿الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله﴾ [الروم:٤٨]، أي: مِن بينه». وانتقد ابنُ كثير القول الثالث بقوله: «وهذا قول غريب»