سورة الكهف — الآية ٨٣

عن وهب بن منبه -وكان له علم بالأحاديث الأولى- أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلًا من الروم، ابن عجوز مِن عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه: الإسكندريس، وإنما سمي: ذا القرنين؛ أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ -وكان عبدًا صالحًا- قال الله له: يا ذا القرنين، إنِّي باعثك إلى أُمَم الأرض، منهم أمتان بينهما طول الأرض كلها، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلها، وأمم في وسط الأرض، منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فأما اللتان بينهما طول الأرض فأُمَّة عند مغرب الشمس يُقال لها: ناسك، وأما الأخرى فعند مطلعها يقال لها: منسك، وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأُمَّة في قُطْر الأرض الأيمن يُقال لها: هاويل، وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر فأُمَّة يقال لها: تاويل. فلما قال الله له ذلك قال له ذو القرنين: يا إلهي، أنت قد ندبتني لأمر عظيم، لا يَقْدُرُ قَدْرَه إلا أنت، فأخبِرني عن هذه الأمم التي تبعثني إليها بأيِّ قوة أكابرهم؟ وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي حيلة أكايدهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أعِي قولهم؟ وبأيِّ بصر أنفذهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي قلب أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أُدَبِّر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمرهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رِجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أخْصِمُهم؟ وبأيِّ جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أستألفهم؟ فإنّه ليس عندي -يا إلهي- شيءٌ مما ذكرت يقرن لهم، ولا يقوى عليهم، ولا يُطِيقهم، وأنت الربُّ الرحيم الذي لا تُكَلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا تُحَمِّلها إلا طاقتها، ولا تُعْنِتُها، ولا تَفْدَحُها، بل ترأفها وترحمها. فقال له الله عز وجل: إنِّي سأُطَوِّقك ما حَمَّلْتُك، أشرح لك صدرك فيَتَّسِعُ لكل شيء، وأشرح لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كل شيء، وأمد لك بصرك فتنفذ كل شيء، وأُدَبِّر لك أمرك فتتقن كل شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأشد لك ظهرك فلا يَهُدُّك شيء، وأشد لك رُكْنَك فلا يغلِبك شيء، وأشدُّ لك قلبك فلا يَرُوعُك شيء، وأشد لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك يديك فيسطوان فوقَ كلِّ شيء، وأشد لك وطْأَتَك فتَهُدُّ كل شيء، وأُلْبِسُك الهَيْبَة فلا يَرُومُك شيء، وأُسَخِّر لك النور والظُّلْمَة فأجعلهما جندًا من جنودك؛ يهديك النور مِن أمامك، وتحوطك الظُّلْمَة من ورائك. فلمّا قيل له ذلك انطَلَق يَؤُمُّ الأُمَّة التي عند مغرب الشمس، فلمّا بلغهم وجد جمعًا وعددًا لا يحصيه إلا الله، وقُوَّة وبأسًا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة، وأمورًا مشتبهة، وأهواء مُتَشَتِّتة، وقلوبًا مُتَفَرِّقة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاطت بهم مِن كل مكان، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم بالنور، فدعاهم إلى الله وعبادته، فمنهم مَن آمن له، ومنهم مَن صَدَّ عنه، فعمد إلى الذين تَوَلَّوا عنه، فأدخل عليهم الظُّلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودُورهم، وغَشِيَتْهم مِن فوقهم ومِن تحتهم ومِن كلِّ جانبٍ منهم، فماجوا فيها، وتَحَيَّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجُّوا إليه بصوتٍ واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عُنْوَة، فدخلوا في دعوته، فجَنَّدَ مِن أهل المغرب أممًا عظيمة، فجعلهم جندًا واحدًا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم، وتحوشهم من حولهم، والنور أمامه يقوده ويدُلُّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأُمَّة التي في قُطر الأرض الأيمن التي يُقال لها: هاويل. وسخَّر الله له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره وائتِماره، فلا يخطئ إذا ائتمر، وإذا عمل عملًا أتقنه، فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مَخاضة بنى سُفُنًا مِن ألواح صغار أمثال النِّعالِ، فنظَمها في ساعة واحدة، ثم حمل فيها جميع مَن معه مِن تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فَتَقها، ثم دفع إلى كل إنسان لوحًا فلا يَكْرِثُه حملُه، فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل، فعمل فيهم كعمله في ناسك، فلما فرغ منهم مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى، حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها، وجَنَّد منها جنودًا كفعله في الأُمَّتين اللتين قبلها، ثم كرَّ مُقبِلًا في ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل، وهي الأُمَّة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان، بينهما عَرْضُ الأرضِ كله، فلما بلغها عمل فيها، وجنَّد منها كفعله فيما قبلها، فلمّا فرغ منها عَطَف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض، من الجن وسائر الناس ويأجوج ومأجوج. فلما كان في بعض الطريق مِمّا يلي منقطع أرض الترك نحو المشرق قالت له أُمَّةٌ من الإنس صالحة: يا ذا القرنين، إنّ بين هذين الجبلين خَلْقًا مِن خلق الله كثيرًا، فيهم مشابهة مِن الإنس، وهم أشباه البهائم، وهم يأكلون العشب، ويفترسون الدواب والوحش كما يفترسها السباع، ويأكلون خشاش الأرض كلها مِن الحيّات والعقارب، وكل ذي روح مما خلق الله في الأرض، وليس لله خلقٌ يَنْمى نماءَهم في العام الواحد، ولا يزداد كزيادتهم، ولا يكثر ككثرتهم، فإن كانت لهم مدة على ما يرى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض، ويُجْلُون أهلَها، ويظهرون عليها، فيُفْسِدون فيها، وليست تَمُرُّ بنا سنةٌ منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم، وننتظر أن يطلع علينا أوائلهم من هذين الجبلين، ﴿فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال: ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾، اغدو إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم، وتَوَسَّط بلادهم، فإذا هم على مقدار واحد؛ أنثاهم وذكرهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع مِنّا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار مِن أيدينا، ولهم أنياب وأضراس كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك كأحناك الإبل قُوَّة، يُسْمَع لها حركة إذا أكل كحركة الجرَّة من الإبل، أو كقضم البغل المُسِنّ، أو الفرس القوي، وهم هلب، عليهم من الشعَر في أجسادهم ما يُوارِيهم، وما يَتَّقون به مِن الحرِّ والبرد إذا أصابهم، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبِرَةٌ ظهرها وبطنها، والأخرى زَغِبَةٌ ظهرها وبطنها، تَسَعانِه إذا لبسهما، يلبس إحداهما، ويفترش الأخرى، ويَتَصَيَّف في إحداهما، ويشتو في الأخرى، وليس منهم ذكرٌ ولا أنثى إلا وقد عرف أجلَه الذي يموت فيه وينقطع عمره، وذلك أنّه لا يموت مَيِّتٌ مِن ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، فإذا كان ذلك أيقن بالموت، وتَهَيَّأ له، وهم يُرزقون التِّنِّينَ في زمان الربيع، ويستمطرونه إذا تَحَيَّنوه كما يستمطر الغيث لحينه، فيقذفون منه كل سنة بواحد، فيأكلونه عامَهم كله إلى مثلها مِن قابل، فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم، فإذا أمطروا أخصبوا، وعاشوا وسمنوا، ورُئِي أثرُه عليهم، فَدَرَّتْ عليهم الإناث، وشَبِقَت منهم الذكور، وإذا أخطأهم هزلوا وأجدبوا، وجَفَرت منهم الذكور، وأحالَتِ الإناث، وتبيَّن أثر ذلك عليهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عَوِيَّ الذئاب، ويَتَسافَدون حيثما التقوا تَسافُد البهائم. ثم لَمّا عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصَّدَفَين، فقاس ما بينهما وهو في منقطع أرض الترك مما يلي الشمس، فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له أُسًّا حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس، يذاب ثم يُصَبُّ عليه، فصار كأنه عِرق مِن جبل تحت الأرض، ثم عَلاه وشَرَّفَه بزُبَرِ الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عِرْقًا مِن نحاس أصفر، فصار كأنه بُرْدٌ مُحَبَّرٌ مِن صُفْرةِ النحاس وحُمرته وسواد الحديد، فلمّا فرغ منه وأحكمه انطلق عامِدًا إلى جماعة الإنس والجن، فبينما هو يسير إذ رفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أُمَّة مقسطة يقتسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتآسون، ويتراحمون، حالهم واحدة، وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة، وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم مُؤْتَلِفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، وليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يتفاوتون، ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يَسْتَبُّون، ولا يقتتلون، ولا يقحطون، ولا يُجْرَدون، ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعمارًا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظٌّ ولا غليظ. فلمّا رأى ذلك ذو القرنين مِن أمرهم أعجب منهم، وقال لهم: أخبِروني -أيها القوم- خبرَكم، فإني قد أحصيت الأرض كلها، برها وبحرها، وشرقها وغربها، ونورها وظلمتها، فلم أجد فيها أحدًا مثلكم، فأخبِروني خبركم. قالوا: نعم، فسَلْنا عما تريد. قال: أخبِروني ما بالُ قبوركم على أبواب بيوتكم؟ قالوا: عمدًا فعلنا ذلك، لِئَلّا ننسى الموت، ولا يخرج ذِكْرُه مِن قلوبنا. قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟ قالوا: ليس فينا مُتَّهم، وليس فينا إلا أمين مُؤْتَمَن. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: لا نَتَظالَم. قال: فما بالكم ليس بينكم حُكّام؟ قالوا: لا نختصم. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لا نتكاثر. قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟ قالوا: لا نتكابر. قال: فما بالكم ليس فيكم أشراف؟ قالوا: لا نتنافس. قال: فما بالكم ولا تتفاضلون ولا تتفاوتون؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا مُتواصِلون مُتراحِمون. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: مِن قِبَل أُلْفَة قلوبِنا، وصلاح ذاتِ بيننا. قال: فما بالكم لا تَسْتَبُّون ولا تقتتلون؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا غلبنا طبائعَنا بالعزم، وسُسْنا أنفسنا بالحِلم. قال: فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا لا نتكاذب، ولا نتخادع، فلا يغتاب بعضُنا بعضًا. قال: فأخبِروني مِن أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟ قالوا: صحَّت صدورُنا، فنزع الله بذلك الغِلَّ والحسد من قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا نقسم بالسَّوِيَّة. قال: فما بالكم ليس فيكم فظٌّ ولا غليظ؟ قالوا: مِن قِبَل الذل والتواضع. قال: فما بالكم جعلتم أطول الناس أعمارًا؟ قالوا: مِن قِبَل أنا نتعاطى الحق، ونحكم بالعدل. قال: فما بالكم لا تقحطون؟ قالوا: لا نغفل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تُجْرَدون؟ قالوا: من قِبَلِ أنّا وطَّنّا أنفسنا للبلاء منذ كُنّا، وأحببناه وحرصنا عليه؛ فعُرِّينا منه. قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفاتُ كما تصيب الناس؟ قالوا: لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل بأنواء النجوم. قال: حدِّثوني، أهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟ قالوا: نعم، وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمَّن ظلمهم، ويُحْسِنون إلى مَن أساء إليهم، ويحلمون عمَّن جهل عليهم، ويستغفرون لِمَن سبَّهم، ويَصِلون أرحامهم، ويَرُدُّون أماناتهم، ويحفظون وقتهم لصلاتهم، ويُوفُون بعهودهم، ويَصْدُقون في مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم، ولا يستنكفون عن أقاربهم، فأصلح الله بذلك أمرَهم، وحفظهم به ما كانوا أحياء، وكان حقًّا عليه أن يخلفهم في تَرِكَتِهم. فقال لهم ذو القرنين: لو كنت مقيمًا لأقمت فيكم، ولكني لم أؤمر بالإقامة

سورة الزمر — الآية ٦٨

عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول -وعنده طائفة من أصحابه-: «إنّ الله -تبارك وتعالى- لَمّا فرغ مِن خلْق السماوات والأرض خلق الصُّورِ، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فِيه، شاخِصٌ بصره إلى العرش، ينتظر متى يُؤمَر فينفخ فيه». قلت: يا رسول الله، وما الصُّورِ؟ قال: «القرن». قلت: فكيف هو؟ قال: «عظيم، والذي بعثني بالحق، إن عِظَم دارَةٍ فيه كعرْض السماوات والأرض، فينفخ فيه النفخة الأولى، فيَصعق من في السماوات ومن في الأرض، ثم يُنفخ فيه أخرى ﴿فَإذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ لرب العالمين، فيأمر الله إسرافيل في النفخة الأولى أن يمُدّها ويُطوِّلها فلا يفتر، وهو الذي يقول الله: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواق﴾ [ص:١٥]، فيُسَيِّر اللهُ الجبالَ فتكون سرابًا، وترتجّ الأرضُ بأهلها رجًّا، فتكون كالسفينة المُوثَقة في البحر تضربها الأمواج، تكفَّأ بأهلها كالقنديل المعلّق بالعرش، ترجرجه الأرواح، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ [النازعات:٨] فيَمِيدُ الناس على ظهرها، وتَذْهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هارِبةً مِن الفزع، حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها فترجع، ويتولي الناس مُدبرين، ينادي بعضُهم بعضًا، وهو قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ [غافر:٣٣]، [وقوله: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر:٣٢] يوم يُنادي بعضُهم بعضًا، فبينما هم على ذلك إذ تصدّعت الأرض، كل صِدعٍ مِن قُطر إلى قُطر، فرأوا أمرًا عظيمًا لم يروا مثله، وأخذهم لذلك مِن الكَرْب والهول ما الله به عليم، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمُهل، ثم انشقت وانتثرت نجومها، وخسفَ شمسها وقمرها». فقال رسول الله ﷺ: «والأمواتُ لا يعلمون شيئًا مِن ذلك». فقلتُ: يا رسول الله، فمَن استثنى الله حين يقول: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّماواتِ ومَن فِي الأَرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾؟ قال: «أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند ربهم يُرزقون، ووقاهم الله فزع ذلك اليوم، وآمنهم منه، وهو الذي يقول الله: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١-٢] فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾، فإذا هم خمود، ثم يجيء مَلك الموت إلى الجبّار فيقول: يا رب، قد مات أهلُ السماوات وأهل الأرض إلا من شئت. فيقول -وهو أعلم-: فمَن بقي؟ فيقول: يا رب، بقيتَ أنت الحيُّ الذي لا يموت، وبقي حَمَلةُ عرشك، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وبقيتُ أنا. فيقول الله: ليمتْ جبريل وميكائيل وإسرافيل. ويُنطِق اللهُ العرشَ، فيقول: يا ربّ، تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل؟! فيقول الله له: اسكت، إني كتبتُ الموت على مَن كان تحت عرشي. فيموتون، ثم يأتي مَلك الموت إلى الجبّار، فيقول: يا رب، قد مات جبريل وميكائيل وإسرافيل. فيقول الله عز وجل وهو أعلم-: فمن بقي؟ فيقول: يا رب، بقيتَ أنت الحي الذي لا يموت، وبقي حملة عرشك، وبقيتُ أنا. فيقول الله له: ليمُت حملة عرشي. فيموتون، ويأمر الله العرش، فيقبض الصُّورَ، ثم يأتي ملك الموت الرّب فيقول: يا ربّ، قد مات حملة عرشك. فيقول الله -وهو أعلم-: فمن بقي؟ فيقول: يا ربّ، بقيتَ أنت الحي الذي لا يموت، وبقيتُ أنا. فيقول الله له: أنت خلْق من خلقي، خلقتُك لِما رأيتَ، فمُت. فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الصمد الذي لم يلد ولم يولد، كان آخرًا كما كان أولًا، طوى السماوات والأرض كطي السِّجل للكتاب، ثم قال: دحاهما، ثم تلقّفهما، ثم قال: أنا الجبار. ثلاث مرات، ثم هتف بصوته: لِمَن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد. ثم يقول لنفسه: لله الواحد القهار. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، فبسطَها وسطَحها، ثم مدّها مد الأديم العكاظي، ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه:١٠٧]، ثم يزجر الله الخلْق زجرةً واحدة، فإذا هم في هذه المُبدَّلة، مَن كان في بطنها كان في بطنها، ومَن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم يُنزل الله عليكم ماءً مِن تحت العرش، فيأمر الله السماءَ أن تُمطِر، فتُمطر أربعين يومًا، حتى يكون الماءُ فوقكم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجسادَ أن تَنبت، فتنبت نبات الطراثيث وكنبات البقْل، حتى إذا تكاملت أجسامهم، وكانت كما كانت، قال الله: لِيَحيى حَمَلَةُ العرش. فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصُّورَ، فيضعه على فيه، ثم يقول الله: لِيَحيى جبريل وميكائيل. فيحييان، ثم يدعو الله بالأرواح، فيؤتى بها توهَّج أرواح المؤمنين نورًا والأخرى ظلمة، فيقبضها الله جميعًا، ثم يلقيها في الصُّورِ، ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النَّحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعِزَّتي وجلالي، لَيَرْجِعَنَّ كلُّ روح إلى جسده. فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السُّمُّ في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أول مَن تنشق عنه الأرض، فتخرجون منها سِراعًا إلى ربكم تنسلون، ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] حُفاة عُراة غُلْفًا غُرلًا. فبينما نحن وقوف إذ سمعنا حِسًّا مِن السماء شديدًا، فينزل أهلُ سماء الدنيا بمثلي مَن في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دَنَوا مِن الأرض أشرقتِ الأرضُ بنورهم، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي مَن نزل من الملائكة، ومثلي مَن فيها من الجن والإنس، حتى إذا دَنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافّهم، ثم ينزل أهلُ السماء الثالثة بمثلي مَن نزل من الملائكة، ومثلي مَن فيها من الجن والإنس، حتى إذا دَنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافَّهم، ثم ينزلون على قَدْر ذلك مِن التضعيف إلى السماوات السبع، ثم ينزل الجبار ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠]، يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تُخُوم الأرض السفلى، والأرضون والسماوات إلى حُجَزهم، والعرش على مناكبهم، لهم زَجَلٌ بالتسبيح فيقولون: سبحان ذي العِزّة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحيِّ الذي لا يموت، سبحان الذي يُميت الخلائق ولا يموت، سُبُّوحٌ قُدُّوس ربُّ الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت. فيضع عرشه حيث يشاء من الأرض، ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس، إنِّي قد أنصَتُّ لكم منذ يوم خلقتكم إلى يومك هذا؛ أسمع قولكم، وأُبصر أعمالكم، فأنصِتوا لي، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تُقرأ عليكم، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه. ثم يأمر اللهُ جهنمَ، فيخرج منها عُنُق ساطِع مظلم، ثم يقول: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وأَنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠-٦١]، ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩] فيَمِيز بين الناس، وتجثو الأمم، قال: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ [الجاثية:٢٨]، ويقفون موقفًا واحدًا مقدار سبعين عامًا لا يُقضى بينهم، فيبكون حتى تنقطع الدموعُ، ويدمعون دمًا، ويعرقون عرقًا حتى يبلغ ذلك منهم أن يُلْجمهم العرق وأن يبلغ الأذقانَ منهم، فيصيحون ويقولون: مَن يشفع لنا إلى ربِّنا؛ فيقضي بيننا؟ فيقولون: ومَن أحقُّ بذلك مِن أبيكم آدم؟ فيطلبون ذلك إليه، فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك. ثم يستقْرُون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى عليهم». قال رسول الله ﷺ: «حتى يأتوني، فأنطلِق حتى آتي الفَحْص، فأخرّ ساجدًا». قال: أبو هريرة: يا رسول الله، وما الفَحْص؟ قال: «قُدام العرش، حتى يبعث الله إلَيَّ ملَكًا، فيأخذ بعَضُدي، فيرفعني، فيقول لي: يا محمد. فأقول: نعم، يا ربِّ. ما شأنك؟ -وهو أعلم بي- فأقول: يا ربِّ، وعدتني الشفاعة؛ فشفِّعني في خلقك، فاقْضِ بينهم. قال: قد شفّعتُك، وأقضي بينهم». قال: قال رسول الله ﷺ: «فأرجع، فأقف مع الناس، فيقضي الله بين الخلائق، فيكون أول ما يُقضى فيه في الدماء، ويأتي كل مَن قُتل في سبيل الله يحمل رأسه، وتَشْخُبُ أوداجه دمًا، فيقولون: يا ربَّنا، قتَلَنا فلان وفلان. فيقول الله -وهو أعلم-: لِمَ قُتِلتم؟ فيقولون: يا ربنا، قُتِلنا لتكون العِزَّة لك. فيقول الله لهم: صدقتم. فيجعل الله لوجوههم نورًا مثل نور الشمس، ثم تشيّعهم الملائكة إلى الجنة، ويأتي مَن كان قُتِل على غير ذلك، يحمل رأسه وتَشْخُب أوداجه، فيقولون: يا ربنا، قتَلَنا فلان وفلان. فيقول: لِمَ؟ -وهو أعلم- فيقول: لِتكون العِزَّة لي. فيقول الله: تَعِست. ثم ما يبقى نفس قَتلها إلا قُتِل بها، ولا مظلمة ظَلمها إلا أُخِذ بها، وكان في مشيئة الله؛ إن شاء عذّبه، وإن شاء رحمه، ثم يقضي الله بين مَن بقي مِن خلْقه حتى لا يبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنّه ليكلَّف يومئذ شائب اللبن للبيع، الذي كان يشوب اللبن بالماء ثم يبيعه، فيُكلّف أن يُخلِّص الماء من اللبن. فإذا فرغ الله مِن ذلك نادى نداءً أسمع الخلائق كلهم: ألا لِيلحقْ كلُّ قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله. فلا يبقى أحدٌ عبد مِن دون الله شيئًا إلا مُثِّلَت له آلهته بين يديه، ويُجعل يومئذ مَلَك من الملائكة على صورة عُزَير، ويُجعل مَلَك من الملائكة على صورة عيسى، فيتبع هذا اليهود، وهذا النصارى، ثم يعود بهم آلهتهم إلى النار، فهي التي قال الله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٩]، فإذا لم يبق إلا المؤمنون وفيهم المنافقون، فيقول: يا أيها الناس، ذهب الناسُ، فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: واللهِ، ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره. فيقال لهم الثانية، والثالثة، فيقولون مثل ذلك، فيقول: أنا ربُّكم، فهل بينكم وبين ربكم آيةٌ تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشِف عن ساق، ويريهم ما شاء الله أن يريهم، فيعرفون أنَّه ربهم، فيخرّون له سُجّدًا لوجوههم، ويخرّ كلُّ منافق على قفاه؛ يجعل الله أصلابهم كصَيَاصِيّ البقر، ثم يأذن الله لهم، فيرفعون رؤوسهم، ويُضرَب الصِّراط بين ظهراني جهنم كدّقة الشعر، أو كحدّ السيف، عليه كلاليب وخطاطيف وحَسَكٌ كحَسَك السَّعْدان، دونه جسر دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، فيمرّون كطرْف العين، وكلمْح البرق، وكمرِّ الريح، وكجياد الخيل، وكجياد الركاب، وكجياد الرجال؛ فناجٍ سالم، وناجٍ مخدوش، ومَكْدُوشٌ على وجهه في جهنم، فإذا أفضى أهلُ الجنة إلى الجنة فدخلوها، فوالذي بعثني بالحق، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم مِن أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة، فيدخل كلُّ رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مِمّا ينشىء الله في الجنة، واثنتين آدميتين مِن ولد آدم لهما فضلٌ على مَن أنشأ الله؛ لعبادتهما في الدنيا، فيدخل على الأولى منهنَّ في غُرفة مِن ياقوتة، على سرير من ذهب، مُكلّل باللؤلؤ، عليه سبعون زوجًا مِن سُندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها، فينظر إلى يدها مِن صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مُخِّ ساقها كما ينظر أحدُكم إلى السلك في الياقوتة، كبدها له مرآة، وكبده لها مرآة، فبينما هو عندها لا يملُّها ولا تملّه، ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء، لا يفتران ولا يألمان، فبينما هو كذلك إذ نُودِي فيُقال له: إنّا قد عرفنا أنك لا تَمَلّ ولا تُملّ، وإنّ لك أزواجًا غيرها. فيخرج فيأتيهنَّ واحدة واحدة، كلما جاء واحدةً قالت له: واللهِ، ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، ولا شيئًا في الجنة أحب إلَيَّ منك. قال: وإذا وقع أهلُ النار في النار وقع فيها خَلْق مِن خَلْق الله، أوْبقَتهم أعمالهم، فمنهم مَن تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم مَن تأخذه النار إلى حَقْوَيه، ومنهم من تأخذه النار في جسده كله إلا وجهه؛ حرّم الله صورهم على النار، فينادون في النار فيقولون: مَن يشفع لنا إلى ربنا حتى يُخرجنا مِن النار؟ فيقولون: ومَن أحقُّ بذلك مِن أبيكم آدم؟! فينطلق المؤمنون إلى آدم، فيقولون: خلقك اللهُ بيده، ونَفخَ فيك مِن روحه، وكلّمك قِبَلًا. فيذكر آدمُ ذنبَه، فيقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح؛ فإنّه أول رسل الله. فيؤتى نوح، ويُطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بإبراهيم؛ فإنّ الله اتخذه خليلًا. فيؤتى إبراهيم، فيُطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا، فيقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بموسى؛ فإن الله قرّبه نجيًّا وكلّمه، وأنزل عليه التوراة. فيؤتى موسى، فيُطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته، عيسى ابن مريم. فيؤتى عيسى ابن مريم، فيُطلب ذلك إليه، فيقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بمحمد ﷺ». قال رسول الله ﷺ: «فيأتوني، ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق حتى آتيَ باب الجنة، فآخذ بحلقة الباب، فاستفتح، فيُفتح لي، فأخرّ ساجدًا، فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلْقه، ثم يقول: ارفع رأسك، يا محمد، اشفع تُشفّع، وسل تُعطه. فإذا رفعتُ رأسي قال لي -وهو أعلم-: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة؛ فشَفِّعْني. فأقول: يا رب، مَن وقع في النار مِن أمتي. فيقول الله: أخْرِجوا مَن عرفتم صورته. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبيٌّ ولا شهيدٌ إلا شفع، فيقول الله: أخرِجوا مَن وجدتم في قلبه زِنة دينار مِن خير. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ، ثم يشفع الله، فيقول: أخرِجوا مَن وجدتم في قلبه زِنَة ثلثي دينار. ثم يقول: نصف دينار. ثم يقول: ثلث دينار. ثم يقول: ربع دينار. ثم يقول: قيراط. ثم يقول: مثقال حبة. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ، وحتى لا يبقى في النار مَن عمل خيرًا قط، ولا يبقى أحدٌ له شفاعة إلا شُفِّع، حتى إنّ إبليس لَيتطاولُ لِما يرى مِن رَحْمَة اللَّه رجاءَ أن يُشفع له، ثم يقول الله: بقيتُ وأنا أرحم الراحمين. فيقبض قبضةً، فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، فيبثّهم على نهرٍ يُقال له: نهر الحيوان، فينبتون فيه كما تنبت الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، فما يلي الشمس أُخَيْضِر، وما يلي الظِّل أُصَيْفِر، فينبتون كالذَّرّ، مكتوب في رقابهم: الجهنميون عتقاء الرحمن. لم يعملوا لله خيرًا قط -يقول: مع التوحيد-، فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون: يا ربنا، امحُ عنا هذا الكتاب. فيمحوه عنهم»

سورة الأنفال — الآية ٧

عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عُقْبَة-، وموسى بن عُقْبَة -من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبَة-، قالا: مكث رسول الله - ﷺ - بعد قَتْل ابن الحضْرمي شَهْرين، ثم أقبل أبو سفيان بن حرب في عِير لقريش من الشام، ومعه سبعون راكبًا من بطون قريش كلِّها، وفيهم مَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرُو بن العاصي، وكانوا تُجّارًا بالشام، ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عِيرُهم ألفَ بعير، ولم يكن لأحدٍ من قريش أُوقيَّةٌ فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان، إلا حُوَيطِبَ بن عبد العُزّى، فلذلك كان تخلَّفَ عن بدر فلم يشهده، فذُكِروا لرسول الله - ﷺ - وأصحابه، وقد كانت الحربُ بينهم قبل ذلك، وقتْلُ ابن الحضْرمي، وأَسْرُ الرجلين؛ عثمان والحكم، فلما ذُكِرت عِيرُ أبي سفيان لرسول الله - ﷺ - بعَث رسول الله - ﷺ - عَدِيَّ بن أبي الزَّغْباءِ الأنصاري من بني غَنْمٍ -وأصلُه من جُهَينة- وبَسْبَسًا -يعني: ابن عمرو- إلى العِير عَيْنًا له، فسارا حتى أتَيا حيًّا من جُهَيْنة قريبًا من ساحل البحر، فسألُوهم عن العِير وعن تجار قريش، فأخبَرُوهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبراه، فاستنفَرَ المسلمين للعير، وذلك في رمضان. وقدم أبو سفيان على الجُهَنِيِّين وهو مُتَخَوِّفٌ من رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فقال: أحِسُّوا من محمد. فأخبَروه خبر الراكبين؛ عدي بن أبي الزَّغْباءِ وبَسبَسٍ، وأشاروا له إلى مُناخِهِما، فقال أبو سفيان: خُذوا من بَعْرِ بعيرِهما. ففَتَّه فوجَد فيه النَّوى، فقال: هذه علائفُ أهل يثرب، وهذه عيون محمدٍ وأصحابه. فسارُوا سِراعًا خائفين للطلب، وبعَثَ أبو سفيان رجلًا من بني غِفار -يقال له: ضَمْضمُ بن عمرو- إلىقريش: أن انفِرُوا، فاحمُوا عِيرَكم من محمد وأصحابه؛ فإنه قد استَنْفَر أصحابَه ليَعرِضُوا لنا. وكانت عاتكة بنتُ عبد المطلب ساكنةً بمكة، وهي عمة رسول الله - ﷺ -، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا قبل بدر، وقبل قدوم ضَمْضَمٍ عليهم، ففزِعتْ منها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها، فجاءها العباس، فقالت: رأيتُ الليلة رُؤْيا قد أشفَقتُ منها، وخشِيتُ على قومِك منها الهَلَكة. قال: وماذا رأيتِ؟ قالت: لن أُحدِّثَك حتى تعاهِدَني أنك لا تذكُرُها؛ فإنهم إن سمِعوها آذَوْنا، وأسمعُونا ما لا نحبُّ. فعاهَدَها العباس، فقالت: رأيتُ راكبًا أقبَل من أعلى مكة على راحلته، يصيح بأعلى صوته: يا لَغُدُرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فأقبَل يصيحُ حتى دخل المسجد على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزِعَ له الناس أشدَّ الفزع، قالت: ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر الكعبة على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، فقال: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر أبي قُبَيْسٍ كذلك يقول: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ. حتى أسمَعَ مَن بينَ الأخْشَبَيْن من أهل مكة، ثم عمَدَ إلى صخرة فنزعها مِن أصلها، ثم أرْسَلَها على أهل مكة، فأقبلت الصخرة لها حسٌّ شديد، حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفَضَّت، فلا أعلمُ بمكة دارًا ولا بيتًا إلا وقد دخَلَتها فِلْقةٌ من تلك الصخرة، فقد خشيتُ على قومك. ففزِعَ العباس من رؤياها، ثم خرج من عندها فلَقِيَ الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر تلك الليلة، وكان الوليد خليلًا للعباس، فقصَّ عليه رؤيا عاتكة، وأمره ألا يذكُرها لأحد، فذكَرَها الوليد لأبيه عتبة، وذكَرَها عتبة لأخيه شيبة، فارتفَعَ الحديث حتى بلَغَ أبا جهل بن هشام، واستفاض في أهل مكة. فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت، فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة وشيبة ابنيْ ربيعة، وأميةَ وأُبَيًّا ابنيْ خَلَف، وزَمْعَةَ بن الأسود، وأبا البَخْتريّ في نفرٍ من قريش يتحدَّثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل، إذا قضيتَ طوافَك فهلُمَّ إلينا. فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم، فقال له أبو جهل: مارؤيا رأَتْها عاتكة؟ فقال: ما رأَتْ من شيء. فقال أبو جهل: أما رضِيتُم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتُمونا بكذب النساء؟ إنّا وإياكم كفَرَسَيْ رِهانٍ، فاسْتَبَقْنا المجدَ منذُ حين، فلما تحاكَّتِ الرُّكَبُ قلتُم: منّا نبيٌّ. فما بقِيَ إلا أن تقولوا: مِنّا نَبِيَّةٌ. فما أعلمُ في قريش أهل بيتٍ أكذبَ امرأة ولا رجلًا منكم. وآذاهُ أشدَّ الأذى، وقال أبو جهل: زعمتْ عاتكة أن الراكب قال: اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فلو قد مضتْ هذه الثلاثُ تبيَّنتْ قريشٌ كذِبَكم، وكتَبْنا سِجِلًّا أنكم أكذَبُ أهل بيت في العرب رجلًا وامرأة، أما رضيتمُ يا بني قُصَيٍّ إن ذهَبتم بالحِجابة، والنَّدوة، والسِّقاية، واللواء، والرِّفادة، حتى جئتُمونا بنبيٍّ منكم؟! فقال العباس: هل أنتَ مُنتهٍ؟ فإنّ الكذبَ منك وفي أهل بيتك. فقال مَن حضَرَهما: ما كنتَ يا أبا الفضل جهولًا ولا خَرِقًا. ولقِيَ العباس من عاتكة فيما أفْشى عليها من رؤياها أذىً شديدًا. فلما كان مساءُ الليلة الثالثة من الليلة التي رأتْ عاتكة فيها الرؤيا، جاءَهم الراكب الذي بعَثَ أبو سفيان، وهو ضَمْضَمُ بن عمرو الغِفاري، فصاح وقال: يا آل غالب بن فِهْرٍ، انفِرُوا، فقد خرَجَ محمد وأهل يثرب يعترِضُون لأبي سفيان، فأحرِزُوا عِيرَكم. ففَزِعتْ قريشٌ أشدَّ الفزع، وأشفقُوا مِن رؤيا عاتكة. وقال العباس: هذا زعمتم كذا، وكذَّبَ عاتكة. فنفرُوا على كلِّ صَعْبٍ وذَلول، وقال أبو جهل: أيظُنُّ محمدٌ أن يصيبَ مثلَ ما أصابَ بِنَخْلَةَ؟! سيعلمُ أنمنعُ عيرَنا أم لا. فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل، وساقُوا مائة فرس، ولم يَتْرُكوا كارهًا للخروج يظنُّون أنه في صَغْوِ محمدٍ وأصحابه، ولا مسلمًا يعلمُون إسلامَه، ولا أحدًا من بني هاشم -إلا مَن لا يتَّهمون- إلا أشْخَصُوه معهم، فكان مِمَّن أشْخَصُوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيلُ بن أبي طالب في آخرين. فهنالك يقول طالب بن أبي طالب: لاهُمَّ إمّا يخرُجَنَّ طالبْ بمِقْنَبٍ من هذه المقانِبْ في نفَرٍ مُقاتلٍ يُحاربْوليكن المسلوبَ غيرَ السّالبْ والرّاجعَ المغْلوبَ غيرَ الغالبْ فسارُوا حتى نزَلُوا الجُحْفَة، نزلُوها عِشاءً يتزوَّدُون من الماء، وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مَناف، يقال له: جُهَيْمُ بن الصَّلت بن مَخْرَمة. فوَضَعَ جُهَيْمٌ رأسَه فأغْفى، ثم فزِع، فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقَفَ عَلَيَّ آنِفًا؟ فقالوا: لا، إنك مجنون. فقال: قد وقَفَ عَلَيَّ فارسٌ آنِفًا، فقال: قُتِل أبو جهل، وعُتبة، وشيبة، وزَمْعَة، وأبو البَخْتَرِيّ، وأُميَّةُ بن خلف. فعدَّ أشرافًا مِن كفار قريش، فقال له أصحابه: إنما لعِب بك الشيطان. ورُفِع حديثُ جُهَيمٍ إلى أبي جهل، فقال: قد جئتُم بكذِب بني المطلب مع كذب بني هاشم، سَتَرَوْنَ غدًا مَن يُقتَلُ. ثم ذُكرَ لرسول الله - ﷺ - عِيرُ قريش، جاءتْ من الشام وفيها أبو سفيان بن حرب، ومَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرو بن العاصي، وجماعةٌ مِن قريش، فخرَج إليهم رسول الله - ﷺ -، فسلَك حينَ خرج إلى بدر على نَقْبِ بني دينار، ورجَعَ حين رجَعَ من ثَنِيَّة الوَداع، فنَفَر رسول الله - ﷺ - حين نَفَرَ ومعه ثلاثُمائةٍ وستةَ عشرَ رجلًا -وفي رواية ابن فُلَيْح: ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا-، وأَبْطَأَ عنه كثير من أصحابه، وتَرَبَّصُوا، وكانت أولَ وقْعةٍ أعزَّ الله فيها الإسلام. فخرج في رمضان على رأس ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مَقْدَمِه المدينة، ومعه المسلمون لا يُريدون إلا العِير، فسَلَك على نَقْبِ بني دينار، والمسلمون غيرُ مُقْوِين من الظَّهْر، إنما خرَجُوا على النَّواضِح، يعتقِبُ النفرُ منهم على البعير الواحد، وكان زَميلُ رسول الله - ﷺ - عَلِيَّ بن أبي طالب، ومَرْثَدَ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوي حليفَ حمزة، فهم معه ليس معهم إلا بعيرٌ واحد، فسارُوا، حتى إذا كانوا بعِرْقِ الظُّبْيَة لَقِيَهم راكبٌ من قِبَلِ تِهامة، والمسلمون يسيرُون، فوافَقَه نفرٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فسألُوه عن أبي سفيان، فقال: لا عِلمَ لي به. فلما يَئِسُوا مِن خبره قالوا له: سلِّم على النبي - ﷺ -. فقال: وفيكم رسول الله؟! قالوا: نعم. قال: أيُّكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابي: أنتَ رسول الله كما تقول؟ قال: «نعم». قال: إن كنتَ رسول الله كما تزعُمُ فحدِّثنيبما في بطن ناقتي هذه؟ فغضب رجل من الأنصار ثم من بني عبد الأشهل يقال له: سلمةُ بن سلامةَ بن وقْشٍ. فقال للأعرابي: وقَعْتَ على ناقتِك فحمَلتْ منك. فكَرِه رسول الله - ﷺ - ما قال سلمةُ حينَ سمِعَه أفْحَشَ، فأَعْرَضَ عنه، ثم سار رسول الله - ﷺ - لا يلقاه خبرٌ، ولا يعلمُ بنَفْرة قريش، فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيرُوا علينا في أمرنا ومسيرنا». فقال أبو بكر: يا رسول الله، أنا أعلمُ الناس بمسافة الأرض، أخْبَرنا عدي بن أبي الزَّغْباءِ أن العِيرَ كانت بوادِي كذا وكذا، فكأَنّا وإيّاهم فرسا رهانٍ إلى بدر. ثم قال: «أشيروا عَلَيَّ». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إنها قريشٌ وعِزُّها، واللهِ ما ذلَّت منذُ عزَّت، ولا آمنتْ منذ كفرت، والله لتُقاتِلَنَّك، فتأهَّبْ لذلك أُهْبَتَه، وأعِددْ له عُدَّتَه. فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيروا عَلَيَّ». فقال المِقْداد بن عمرو: إنا لا نقولُ لك كما قال أصحاب موسى: اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا، إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا، إنّا معكم مُتَّبِعون. فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيروا عَلَيَّ». فلما رأى سعد بن معاذ كثرةَ استشارة النبي - ﷺ - أصحابَه، فيُشيرون، فيَرجِعُ إلى المشورة، ظنَّ سعدٌ أنه يستنطِقُ الأنصار شَفَقًا ألّا يَسْتَحْوِذُوا معه على ما يريدُ من أمره، فقال سعد بن معاذ: لعلك يا رسول الله تخشى ألا تكون الأنصار يريدون مواساتَك، ولا يرَوْنها حقًّا عليهم إلا بأن يرَوْا عدوًّا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم يا رسول الله، فاظْعَنْ حيث شئتَ، وخُذْ من أموالنا ما شِئْتَ، ثم أعْطِنا ما شئتَ، وما أخَذتَه منّا أحبُّ إلينا مما ترَكتَ، وما ائتمَرْتَ من أمر فأَمْرُنا بأمرِك فيه تَبَعٌ، فوالله لو سِرْتَ حتى تبلغَ البَرْكَ من غِمْدِ ذي يَمَنٍ لَسِرْنا معك. فلما قال ذلك سعد قال رسول الله - ﷺ -: «سيروا على اسم الله، فإني قد رأيتُ مَصارِعَ القوم». فعَمَد لبدرٍ. وخفَض أبو سفيان فلَصِقَ بساحل البحر، وكتب إلى قريش حين خالف مسيرَ رسول الله - ﷺ -، ورأى أنه قد أحرَز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا؛ فإنما خرَجتُم لتُحرِزوا رَكْبَكم فقد أُحرِزَ لكم. فلَقِيَهم هذا الخبر بالجُحْفَة، فقال أبو جهل: والله لا نرجعُ حتى نَقدَمَ بدرًا، فنُقيم بها، ونُطعِم مَن حَضَرَنا من العرب؛ فإنه لن يرانا أحدٌ فيُقاتلَنا. فكَرِه ذلك الأَخْنَسُ بن شَرِيقٍ، فأحبَّ أن يرجِعوا، وأشار عليهم بالرجعة، فأبَوْا وعَصَوْا، وأخَذَتهم حَمِيَّةُ الجاهلية، فلما يئِسَ الأخنسُ من رجوع قريش أكَبَّ على بني زُهْرةَ، فأطاعوه فرجَعوا، فلم يشهَد أحد منهم بدرًا، واغْتَبَطُوا برأي الأخنس، وتَبَرَّكوا به، فلم يزَلْ فيهم مُطاعًا حتى مات، وأرادَتْ بنو هاشم الرجوعَفيمن رجَع، فاشتَدَّ عليهم أبو جهل، وقال: والله لا تُفارِقُنا هذه العصابة حتى نرجع. وسار رسول الله - ﷺ - حتى نزل أدنى شيء من بدر، ثم بعث عليَّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وبَسْبَسًا الأنصاري، في عصابةٍ من أصحابه، فقال لهم: «اندفِعوا إلى هذه الظِّرابَ». وهي في ناحية بدر، «فإني أرجو أن تجدُوا الخبرَ عندَ القَلِيبِ الذي يلى الظِّرابَ». فانطَلَقوا متوشِّحِي السيوف، فوجدوا وارِدَ قريشٍ عند القَلِيبِ الذي ذكَر رسول الله - ﷺ -، فأخَذوا غلامين؛ أحدُهما لبني الحجاج بن أسود، والآخرُ لأبي العاصي يقال له: أسلَم، وأفلَت أصحابُهما قِبَلَ قريش، فأقبَلوا بهما حتى أتَوا بهما رسول الله - ﷺ - وهو في مُعَرَّسِهِ دونَ الماء، فجعَلوا يسأَلون العَبدَينِ عن أبي سفيان وأصحابه، لا يرَوْن إلا أنهما لهم، فطَفِقا يُحدِّثانِهم عن قريش ومَن خرج منهم وعن رءُوسهم فيكذِّبونهما، وهم أكرَهُ شيء للذي يُخبرانِهم، وكانوا يطمَعون بأبي سفيان وأصحابِه ويكرَهون قريشًا، وكان رسول الله - ﷺ - قائمًا يصلِّي، يسمعُ ويرى الذي يصنعون بالعبدَيْن، فجعل العبدان إذا أذلَقُوهما بالضرب يقولان: نعم، هذا أبو سفيان. والرَّكبُ كما قال الله تعالى: ﴿أسفل منكم﴾. قال الله: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ [الأنفال: ٤٢]. قال: فطفِقوا إذا قال العبدان: هذه قريشٌ قد جاءَتْكم. كذَّبوهما، وإذا قالا: هذا أبو سفيان. ترَكوهما، فلما رأى رسول الله - ﷺ - صَنِيعَهم بهما سلَّم من صلاته، وقال: «ماذا أخبَراكم؟». قالوا: أخبرانا أن قريشًا قد جاءت. قال: «فإنهما قد صدَقا، والله إنكم لتضرِبونهما إذا صدَقا، وتترُكونهما إذا كذَبا، خرَجت قريش لتُحرِزَ رَكْبَها، وخافوكم عليهم». ثم دعا رسول الله - ﷺ - العبدَين، فسأَلهما، فأخبَراه بقريش، وقالا: لا عِلْمَ لنا بأبي سفيان. فسألهما رسول الله - ﷺ -: «كم القوم؟». قالا: لا ندري، والله هم كثير. فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن أطعَمَهم أمس؟». فَسَمَّيا رجلًا من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: عشْرَ جزائرَ. قال: «فمن أطعمهم أولَ أمس؟». فسمَّيا رجلًا آخرَ من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: تسعًا. فزعَموا أن رسول الله - ﷺ - قال:«القومُ ما بينَ التسعِمائة والألف». يعتبرُ ذلك بتسع جزائرَ ينحَرونها يومًا، وعشرٍ ينحَرونها يومًا، فقام رسول الله - ﷺ - فقال: «أشيروا عليَّ في المنزل». فقام الحُبابُ بن المنذر، أحد بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله، أنا عالمٌ بها وبقُلُبِها، إن رأيتَ أن تسيرَ إلى قَلِيبٍ منها قد عرَفتُها كثيرةَ الماء عذبة، فتنزِلَ إليها، وتَسْبِقَ القومَ إليها، وتُغَوِّرَ ما سِواها. فقال رسول الله - ﷺ -: «سِيروا، فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم». فوقع في قلوب ناس كثير الخوف، وكان فيهم شيء من تخاذل من تخويف الشيطان، فسار رسول الله - ﷺ - والمسلمون مُسابِقين إلى الماء، وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرًا واحدًا؛ فكان على المشركين بلاءً شديدًا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين دِيمةً خفيفة، لَبَّد لهم المسيرَ والمَنزلَ، وكانت بَطْحاءُ، فسبَق المسلمون إلى الماء، فنزَلوا عليه شَطرَ الليل، فاقْتَحَم القوم في القليبِ فماحُوها حتى كثُر ماؤُها، وصنَعوا حوضًا عظيمًا، ثم غَوَّروا ما سواه من المياه، وقال رسول الله - ﷺ -: «هذه مَصارِعُهم -إن شاء الله- بالغداة». وأنزَل الله: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِّنْهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ ويُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدامَ». ثم صفَّ رسول الله - ﷺ - على الحِياضِ، فلما طلَع المشركون قال رسول الله - ﷺ -: «اللهمّ هذه قريش قد جاءت بِخُيَلائِها وفخرِها، تُحادُّك وتكذِّبُ رسولك، اللهمَّ إني أسألك ما وعَدتَني». ورسول الله - ﷺ - ممسكٌ بعَضُدِ أبي بكر، يقول: «اللهم إني أسألك ما وعَدتَني». فقال أبو بكر: أبشِرْ، فوالذي نفسي بيده، ليُنجِزَنَّ اللهُ لك ما وعَدَك. فاستنصَرَ المسلمون الله واستغاثوه، فاستجاب الله لنبيِّه وللمسلمين. وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سُراقةَ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ يحدِّثُهم أن بني كِنانَةَ وراءهم قد أقبلوا لنصرهم، وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، لما أخبَرهم من مَسِير بني كِنانَةَ، وأنزل الله: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس﴾. هذه الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]، وقال رجال من المشركين لَمّا رأوا قِلَّةَ مَن مع محمد - ﷺ -: غَرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزل الله: ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾ [الأنفال: ٤٩]. وأقبل المشركون حتى نزلوا وتَعَبَّوْا للقتال، والشيطان معهم لا يُفارقُهم، فسعى حكيمُ بن حِزام إلى عُتْبَةَ بن رَبِيعَة، فقال له: هل لك أن تكون سيدَ قريش ما عِشْتَ؟ قال عتبة: فأفعلُ ماذا؟ قال: تُجِيرُ بينَ الناس، وتَحْمِلُ دمَ ابن الحضرمي وبما أصاب محمدٌ من تلك العير، فإنهم لا يطلُبون من محمدٍ غيرَ هذه العير ودم هذا الرجل. قال عتبة: نعم، قد فعَلتُ، ونِعِمّا قلتَ ونِعمّا دَعَوتَ إليه، فاسعَ في عشيرتِك فأنا أتحمَّلُ بها. فسعى حكيمٌ في أشراف قريش بذلك يدعوهم إليه، وركِبَ عُتْبَة جملًا له، فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه، فقال: يا قومِ، أطيعوني، فإنكم لا تطلُبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عِيرِكم تلك، وأنا أتحمَّلُ بوفاءِ ذلك، ودَعُوا هذا الرجل؛ فإن كان كاذبًا ولِيَ قتلَه غيرُكم من العرب، فإنّ فيهم رجالًا لكم فيهم قرابةٌ قَرِيبَةٌ، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه، أو ابنه، أو ابن أخيه، أو ابن عمِّه، فيُوَرِّثُ ذلك فيهم إحَنًا وضَغائِن، وإن كان هذا الرجلُ مَلِكًا كنتم في مُلْكِ أخيكم، وإن كان نَبِيًّا لِمَ تَقتُلوا النبي فتُسَبُّوا به؟! ولن تَخْلُصُوا إليهم حتى يُصِيبوا أعدادَهم، ولا آمَنُ أن تكونَ لهم الدَّبْرَةُ عليكم. فحسده أبو جهل على مقالته، وأبى الله إلا أن يُنفِذَ أمره، وعَمَد أبو جهل إلى ابن الحَضْرَمِيّ، وهو أخو المقتول، فقال: هذا عتبةُ يُخَذِّلُ بين الناس، وقد تحمَّلَ بدِيَةِ أخيك يزعمُ أنك قابلُها، أفلا تَسْتَحْيُون من ذلك أن تَقْبَلوا الدِّيَة؟! فزعَموا أن النبي - ﷺ - قال وهو ينظر إلى عتبة: «إن يكن عند أحد من القوم خيرٌ فهو عند صاحب الجمل الأحمر، وإن يطيعوه يَرشُدوا». فلما حَرَّض أبو جهلقريشًا على القتال أمَر النساء يُعْوِلْنَ عَمْرًا، فقُمْن يَصِحْنَ: واعَمْراه، واعَمْراه. تحريضًا على القتال، فاجتمَعت قريشٌ على القتال، فقال عتبة لأبي جهل: ستَعلمُ اليوم أيّ الأمرين أرشد. وأخَذَت قريش مَصافَّ هذا القتال، وقالوا لعُمَير بن وهب: اركَبْ فاحْزُرْ لنا محمدًا وأصحابَه. فقعَد عُميرٌ على فرسِه، فأطاف برسول الله - ﷺ - وأصحابه، ثم رجع إلى المشركين، فقال: حَزَرْتُهم بثلاثمائة مقاتل، زادوا شيئًا أو نقَصوا شيئًا، وحزَرتُ سبعين بعيرًا أو نحوَ ذلك، لكن أنظِروني حتى أنظرَ هل لهم مَدَد أو كَمِين؟ فأطاف حولَهم، وبعَثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم، ثم رجعوا فقالوا: لا مَدَدَ لهم ولا كَمِينَ، وإنما هم أكَلَةُ جَزُورٍ. وقالوا لعمير: حَرِّشْ بينَ القوم. فحمَل عُمَيرٌ على الصفِّ بمائةِ فارس، واضطجَع رسول الله - ﷺ -، وقال لأصحابه: «لا تُقاتِلوا حتى أُوذِنَكم». وغَشِيَه نومٌ فغلبه، فلما نظر بعضُ القوم إلى بعض، جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله، قد دنا القومُ ونالوا مِنّا. فاستيقظ رسول الله - ﷺ -، وقد أراه الله إياهم في منامه قليلًا، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين، حتى طَمِع بعضُ القوم في بعض، ولو أراه عددًا كثيرًا لفشِلوا وتنازَعوا في الأمر كما قال الله. وقام رسول الله - ﷺ - في الناس فوعَظهم، وأخبَرهم أن الله قد أوجَب الجنة لمن استُشهِد اليوم، فقام عُمَيْرُ بن الحُمامِ عن عجينٍ كان يعجنُه لأصحابه حين سمع قول النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن لي الجنة إن قُتِلتُ؟ قال: «نعم». فشَدَّ على أعداء الله مكانَه فاستُشهِد، وكان أولَ قتيلٍ قُتِل. ثم أقبَل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلفُ بآلهته لَيَشْرَبَنَّ من الحوض الذي صنَع محمدٌ، ولَيَهْدِمَنَّه، فلما دنا من الحوض لَقِيَه حمزة بن عبد المطلب، فضَرَب رِجْلَه، فقطَعها، فأقبَل يحبو حتى وقَع في جَوْف الحوض، وأَتْبَعه حمزة حتى قتله، ثم نزل عتبة بن ربيعة عن جمله، ونادى: هل من مُبارِز؟ ولَحِقَه أخوه شيبة والوليد ابنُه، فنادَيا يسألان المُبارزة، فقام إليهم ثلاثةٌ من الأنصار، فاسْتَحْيا النبي - ﷺ - من ذلك، فناداهم: أن ارجِعوا إلى مَصافِّكم، ولْيَقُمْ إليهم بنو عمِّهم. فقام حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعُبيدةُ بن الحارث بن المطلب؛ فقتَل حمزةُ عتبة، وقتَل عبيدةُ شيبة، وقتَل عليٌّ الوليد، وضرَب شيبةُ رِجْلَ عبيدة فقطَعها، فاستَنْقَذه حمزة وعلي، فحُمِل حتى تُوفِّيَ بالصَّفْراء، وعندَ ذلك نذَرت هند بنتُ عتبة لَتَأْكُلَنَّ من كَبِدِ حمزة إن قَدرت عليها، فكان قَتْلُهؤلاء النفر قبل التقاءِ الجَمْعَين، وعَجَّ المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأَوُا القتال قد نَشِبَ، ورفع رسول الله - ﷺ - يَدَيْه إلى الله يسأله ما وعَدَه، ويسأله النصر، ويقول: «اللهمَّ إن ظُهِر على هذه العصابة ظَهَر الشِّرْكُ، ولم يقُمْ لك دينٌ». وأبو بكر يقول: يا رسول الله، والذي نفسي بيده لَيَنصُرَنَّك الله، ولَيُبَيِّضَنَّ وجهَك. فأنزل الله من الملائكة جُندًا في أكْنافِ العدو، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد أنزل الله نصره، ونزلت الملائكة، أبشِرْ يا أبا بكر، فإني قد رأيتُ جبريل مُعْتَجِرًا يقود فرسًا بين السماء والأرض، فلما هبَط إلى الأرض جلس عليها، فتَغيَّب عني ساعة، ثم رأيتُ على شَفَتِه غُبارًا». وقال أبو جهل: اللهمَّ انصُرْ خيرَ الدِّينَيْن، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث. ونكَص الشيطان على عَقِبَيه حين رأى الملائكة، وتَبَرَّأ من نُصرة أصحابه، وأخذ رسول الله - ﷺ - مِلءَ كفِّه من الحَصْباءِ، فرمى بها وجوهَ المشركين، فجعل الله تلك الحَصْباءَ عظيمًا شأنُها، لم تترُكْ من المشركين رجلًا إلا ملأَت عينيه، والملائكة يقتُلونهم ويأسِرونهم، ويجِدون النفرَ كلَّ رجلٍ منهم مُنكَبًّا على وجهه لا يدري أين يتوجَّهُ، يُعالِجُ التراب ينزِعُه من عينيه. ورجَعت قريش إلى مكة مُنهَزِمين مَغلوبين، وأذلَّ الله بوقعة بدر رقابَ المشركين والمنافقين، فلم يبقَ بالمدينة منافقٌ ولا يهوديٌّ إلا وهو خاضعٌ عنقُه لوقعة بدر، وكان ذلك يوم الفرقان، يوم فرَّق الله بين الشرك والإيمان، وقالت اليهود تيقُّنًا: إنه النبي الذي نجد نعته في التوراة، والله لا يرفعُ رايةً بعد اليوم إلا ظهرت. ورجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، فدخل من ثَنِيَّةِ الوداع، ونزَل القرآن يُعَرِّفُهم الله نعمتَه فيما كرِهوا من خروج رسول الله - ﷺ - إلى بدر، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ هذه الآية وثلاثَ آيات معها، وقال فيما استجاب للرسول وللمؤمنين: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ الآية وأخرى معها، وأنزَل فيما غشِيَهم من النُّعاس: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ» الآية، ثم أخبَرهم بما أوحى إلى الملائكة من نصرِهم، فقال: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ الآية والتي بعدها، وأنزَل في قتلِ المشركين والقبضةِ التي رمى بها رسول الله - ﷺ -: ﴿فلم تقتلوهم ولكنالله قتلهم﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ١٧، ١٨]، وأنزل في استفتاحِهم: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ [الأنفال: ١٩]، ثم أنزل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾ في سبعِ آيات منها [الأنفال: ٢٠ - ٢٦]، وأنزل في منازلهم: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٢، ٤٣]، وأنزل فيما يَعِظُهم به: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ الآية وثلاث آيات معها [الأنفال: ٤٥ - ٤٨]، وأنزل فيما تكلَّم به مَن رأى قِلَّة المسلمين: ﴿غر هؤلاء دينهم﴾ الآية [الأنفال: ٤٩]، وأنزل في قتلى المشركين ومَن اتَّبَعَهم: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ الآية وثمانَ آياتٍ معها [الأنفال: ٥٠ - ٥٨]