علّق ابنُ عطية (٧‏/‏٢٣٤) على قول قتادة، فقال: «وقال قتادة: ﴿ما﴾ نافية، أي: أن آباءهم لم ينذَروا، فالآباء على هذا هم القريبون منهم، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤]، وهذه النذارةُ المنفيةُ هي نذارة المباشرة والأمر والنهي، وإلا فدعوةُ الله تعالى مِن الأرض لم تنقطع قط، وقوله: ﴿فَهُمْ﴾ على هذا الفاء منه واصلة بين الجملتين، ورابطة للثانية بالأولى»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏١٧٥) ما جاء في هذا القول إبّان ذكره لاختلاف السلف في السؤال يوم القيامة، حيث وردت آيات تَنفيه، وأخرى تُثبته، ثم نسب قولًا لابن عباس، ورجّحه مستندًا للدلالة العقلية، فقال: «وقال ابن عباس -وهو الأظهر في ذلك- أنّ السؤال متى أُثبت فهو بمعنى التوبيخ والتقرير، ومتى نُفي فهو بمعنى الاستخبار المحض والاستعلام؛ لأنّ الله تعالى عليم بكل شيء»

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٣٣٥ بتصرف): «قوله تعالى: ﴿فحاسبناها﴾ قال بعض المتأولين: الآية في الآخرة، أي: ثَمَّ هو الحساب والتعذيب والذوق وخسار العاقبة. وقال آخرون: ذلك في الدنيا، ومعنى: ﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ أي: لم نغتفر لها زَلة بل أُخِذتْ بالدقائق من الذنوب، وقوله تعالى: ﴿أعد الله لهم عذابًا شديدًا﴾ يظهر منه أنه بيان لوجه خُسران عاقبتهم، فيتأيّد بذلك أن تكون المحاسبة والتعذيب والذوق في الدنيا»

ذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٨٧) قول الشافعي، ثم علّق قائلًا: «وهذا الذي قاله الإمام الشافعي رحمه الله في غاية الحُسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٥٢٦): «الصواب في معنى الآية: أنّها مُخاطَبة للنبي ﷺ، والمراد بها: سواه مِن كلّ مَن يمكن أن يشكّ أو يعارض». وقال ابنُ جرير (١٢‏/‏٢٨٩): «لو قال قائل: إنّ هذه الآية خُوطِب بها النبيُّ ﷺ، والمراد بها: بعضُ مَن لم يكن صحَّت بصيرته بنبوته ﷺ، مِمَّن كان قد أظهر الإيمانَ بلسانه، تنبيهًا له على موضع تعرُّف حقيقة أمره الذي يزيل اللبس عن قلبه، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١]؛ كان قولًا غيرَ مدفوعةٍ صِحَّتُه». وقال ابنُ القيم (٢‏/‏٤٤) مبيّنًا المقصود بالخطاب في الآية: «المقصود به: إقامةُ الحُجَّة على منكري النبوات والتوحيد، وأنهم مُقِرُّون بذلك لا يجحدونه ولا ينكرونه، وأنّ الله سبحانه أرسل إليهم رُسُلَه، وأنزل عليهم كتبه بذلك، وأرسل ملائكته إلى أنبيائه بوحيه وكلامه، فمن شَكَّ في ذلك فليسأل أهل الكتاب. فأخرج هذا المعنى في أوجز عبارة، وأدلها على المقصود، بأن جعل الخطاب لرسوله الذي لم يشك قط، ولم يسأل قط، ولا عرض له ما يقتضي ذلك. وأنت إذا تأملت هذا الخطاب بدا لك على صفحاته: مَن شكّ فليسأل، فرسولي لم يشكّ، ولم يسأل». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٣‏/‏٤٩٢-٤٩٧). وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٢٦) أنّ قومًا قالوا: الكلام بمنزلة قولك: إن كنت ابني فبرني. وانتقده بقوله: «وليس هذا المثال بجيد، وإنما مثال هذه قوله تعالى لعيسى: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني﴾ [المائدة:١١٦]». وذكر(٤‏/‏٥٢٧) أنّ قوله: ﴿مما أنزلنا إليك﴾ يريد به أنّ بني إسرائيل لم يختلفوا في أمره إلا من بعد مجيئه، وبين أنّ هذا قول أهل التأويل قاطبة، ثم علَّق بقوله: «وهذا هو الذي يشبه أن ترتجى إزالة الشك فيه مِن قِبَل أهل الكتاب». ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل اللفظ أن يريد بـ»ما أنزلنا«: جميع الشرع». وانتقده بأنّه بعيد بالمعنى؛ لأنّ ذلك لا يعرف ويزول الشك فيه إلا بأدلة العقل، لا بالسماع من مؤمني بني إسرائيل

ذكر ابنُ جرير (١٥‏/‏١٠٦) قراءة علي، وعلّق عليها بقوله: «ومن قرأ ذلك على هذه القراءة فإنه ينبغي أن يكون على مذهبه تأويل قوله: ﴿إني لأظنك يا موسى مسحورا﴾ [الإسراء:١٠١] إني لأظنك قد سحرت، فترى أنك تتكلم بصواب وليس بصواب. وهذا وجه من التأويل». وبنحوه ابنُ عطية (٥‏/‏٥٥٢)، قال: «وتتقوى هذه القراءة لمن تأول ﴿مَسْحُورًا﴾ على بابه». ثم انتقدها ابنُ جرير مستندًا لمخالفتها قراءة قراء الأمصار، ورجّح قراءة الفتح، فقال: «غير أن القراءة التي عليها قراء الأمصار خلافها، وغير جائز عندنا خلاف الحجة فيما جاءت به من القراءة مجمعة عليه. وبعد، فإنّ الله -تعالى ذكره- قد أخبر عن فرعون وقومه أنهم جحدوا ما جاءهم به موسى من الآيات التسع مع علمهم بأنها من عند الله بقوله: ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قومًا فاسقين فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ [النمل:١٣]، فأخبر -جلَّ ثناؤه- أنهم قالوا: هي سحر مع علمهم واستيقان أنفسهم بأنها من عند الله، فكذلك قوله: ﴿لقد علمت﴾ إنما هو خبر من موسى لفرعون بأنه عالم بأنها آيات من عند الله. وقد ذكر عن ابن عباس أنه احتج في ذلك بمثل الذي ذكرنا من الحجة...». ورجّحها ابنُ القيم (٢‏/‏١٥٥-١٥٦) مستندًا إلى المعنى بقوله: «وقراءة الجمهور أحسن وأوضح وأفخم معنى، وبها تقوم الدلالة، ويتم الإلزام بتحقق كفر فرعون وعناده، ويشهد لها قوله تعالى إخبارًا عنه وعن قومه: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عقابة المفسدين﴾، فأخبر سبحانه أن تكذيبهم وكفرهم كان عن يقين- وهو أقوى العلم - ظلمًا منهم وعلوًا لا جهلًا». وعلى هذه القراءة ففى الآية احتمالين على ما ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٥٥٣): الأول: أن هذا خبر من موسى عليه السلام بعلم فرعون، وأنه كفر عنادًا. الثاني: أن ذلك مبالغة في توبيخ فرعون، أي: «أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث تعلمها، ولم يكن ذلك على جهة الخبر عن علم فرعون»

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٢٨٩-٢٩٠) تعليقًا على القولين المختلفين في الآية: «مَن قال: إنّ القومَ المشارَ إليهم: هم كفار مكة. قال: معنى قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ كما يئس الكافر من صاحب قبر؛ لأنه إذا مات له حميم قال: هذا آخر العهد به، لن يُبعث أبدًا. فمعنى الآية: أن اعتقاد أهل مكة في الآخرة كاعتقاد الكافر في البعث ولقاء موتاه. وهذا هو تأويل ابن عباس، والحسن، وقتادة في معنى قوله تعالى: ﴿كما يئس الكفار﴾، ومَن قال: إنّ القوم المشار إليهم: هم اليهود. قال: معنى قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ أي: كما يئس الكافر من الرحمة إذا مات، وكان صاحب قبر، وذلك أنه يُروى أنّ الكافر إذا كان في قبره عُرض عليه مقعده في الجنة أن لو كان مؤمنًا، ثم يُعرض عليه مقعده من النار الذي يصير إليه، فهو يائس من رحمة الله مع علمه بها ويقينه. وهذا تأويل مجاهد، وابن جبير، وابن زيد في قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ فمعنى الآية: أن يأس اليهود من رحمة الله في الآخرة مع علمهم بها كيأس ذلك الكافر في قبره، وذلك لأنهم قد رِين على قلوبهم، وحملهم الحسد على ترْك الإيمان، وغلب على ظنونهم أنهم معذَّبون، وهذه كانت صفة كثير من معاصري النبي ﷺ. و﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِن أصحاب﴾ على القول الأول هي لابتداء الغاية، وفي القول الثاني هي لبيان الجنس والتبعيض يتوجَّهان فيها، وبيان الجنس أظهر». ولم يذكر مستندًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٢‏/‏٦٠٥) القولَ الثاني استنادًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «أولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول مَن قال: قد يئس هؤلاء الذين غضب الله عليهم مِن اليهود مِن ثواب الله لهم في الآخرة وكرامته؛ لكفرهم وتكذيبهم رسوله محمدًا ﷺ على علمٍ منهم بأنه لله نبي، كما يئس الكفار منهم الذين مضوا قبلهم فهلكوا، فصاروا أصحاب القبور، وهم على مثل الذي هؤلاء عليه، مِن تكذيبهم عيسى -صلوات الله عليه- وغيره من الرسل، من ثواب الله وكرامته إياهم. وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بتأويل الآية. لأنّ الأموات قد يئسوا من رجوعهم إلى الدنيا، أو أن يُبعثوا قبل قيام الساعة المؤمنون والكفار، فلا وجهَ لأن يخصّ بذلك الخبر عن الكفار، وقد شركهم في الإياس من ذلك المؤمنون»

سورة البقرة — الآية ١٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: نزلتهذه الآية في عبد الله بن أُبَيٍّ وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفرٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ: انظروا كيف أردُّ هؤلاء السفهاء عنكم. فذهب، فأخذ بيد أبي بكر، فقال: مرحبًا بالصِّدِّيق، سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله - ﷺ -. ثم أخذ بيد عمر، فقال: مرحبًا بسيد عَدِيِّ بن كعب الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله - ﷺ -. ثم أخذ بيد عليٍّ، وقال: مرحبًا بابن عم رسول الله، وخَتَنِه، سيِّد بني هاشم ما خلا رسول الله - ﷺ -. ثم افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلتُ. فأثنوا عليه خيرًا، فرجع المسلمون إلى النبي، وأخبروه بذلك، فنزلت هذه الآية

سورة آل عمران — الآية ١٠٣

عن مقاتل بن حيان -من طريق زكريا- قال: بلغني -والله أعلم-: أنّ هذه الآية أنزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في رجلين أحدهما من الخزرج، والآخر من الأوس، اقتتلوا في الجاهلية زمانًا طويلًا، فقدم النبي ﷺ المدينة، فأصلح بينهم، فجرى الحديث بينهما في المجلس، فتفاخروا، فقال بعضهم: أما -والله- لو تأخر الإسلام قليلًا لقتلنا سادتكم، ونكحنا نساءكم. قال الآخرون: قد كان الإسلام مستأخرًا زمانًا طويلًا، فهلا فعلتم ذلك! فنادوا عند ذلك بالأشعار، وذكروا القتل، فتفاخروا، واستبُّوا، حتى كان بينهم، فغضبت الأوس [إلى الأوس] والخزرج إلى الخزرج، ودنا بعضهم من بعض، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فركب إليهم، وقد أشرع بعضهم الرِّماح إلى بعض، فنادى النبي ﷺ بأعلى صوته، واطلع عليهم، وتلا: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ حتى بلغ إلى آخر الآيات، يقول: ﴿حق تقاته﴾ أن تطيعوه فلا تعصوه في شيء، فذلك حق الله على العباد. فلما سمعوا ذلك كفَّ بعضهم عن بعض، وتناول بعضهم خدود بعض بالتقبيل

سورة البقرة — الآية ١٢٥

عن أبي سعيد الخدري -من طريق عمر بن الحكم- قال: سألتُ عبد الله بن سلام عن الأثر الذي في المقام. فقال: كانت الحجارة على ما هي عليه اليوم، إلا أنّ الله أراد أن يجعل المقام آيةً من آياته، فلمّا أُمِر إبراهيم عليه السلام أن يُؤَذِّن في الناس بالحج قامَ على المقام، فارتفع المقامُ حتى صار أطول الجبال، وأشرف على ما تحته، فقال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم. فأجابه الناس، فقالوا: لبيك اللهم لبيك. فكان أثره فيه لِما أراد الله، فكان ينظر عن يمينه وعن شماله: أجيبوا ربكم. فلما فَرَغ أمَرَ بالمقام فوضعه قِبلة، فكان يُصَلِّي إليه مُسْتَقْبِل الباب، فهو قبلة إلى ما شاء الله، ثم كان إسماعيل بعدُ يصلي إليه إلى باب الكعبة، ثم كان رسول الله ﷺ، فأُمِر أن يُصَلِّي إلى بيت المقدس، فصَلّى إليه قبل أن يهاجر وبعدما هاجر، ثم أحب الله أن يصرفه إلى قبلته التي رضي لنفسه ولأنبيائه، فصلى إلى المِيزاب وهو بالمدينة، ثم قَدِم مكة فكان يصلي إلى المَقام ما كان بمكة