سورة الصافات — الآية ١٠٧

عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: فاخَرَ أسماءُ بنُ خارجة رجلًا عند ابن مسعود، فقال: أنا ابنُ الأشياخ الكِرام. فقال ابنُ مسعود: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله

وجّه ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٨) هذه القراءة، فقال: «وذكر عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ ذلك: ‹يَسَّآءَلُونَ› بتشديد السين، بمعنى: يتساءلون، أي: يسأل بعضهم بعضًا عن ذلك». وبنحوه ابنُ عطية (٧‏/‏١٠٤). ثم رجّح ابنُ جرير قراءة ﴿يسألون﴾ لإجماع الحجة من القراء عليه

لم يذكر ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٣١) غير قول ابن زيد. وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٦٦٢) أن الفاعل في قوله: ﴿ويخرج﴾ يحتمل ثلاثة احتمالات: الأول: أن يكون الله -تبارك وتعالى-. الثاني: أن يكون البخل الذي يتضمنه اللفظ. الثالث: أن يكون السؤال الذي يتضمنه اللفظ أيضًا

نقل ابنُ عطية (٨‏/‏٢٠١) قولين آخرين في معنى «اليحموم»: الأول: عن ابن عباس أنّ «اليحموم»: «سرادق النار المحيط بأهلها، فإنه يرتفع من كلّ ناحية حتى يُظلّهم». الثاني: عن النقاش، وابن كيسان «أنّ اليحموم: اسم من أسماء جهنم»

استدرك ابنُ تيمية (٦‏/‏١٣٢) على قول ابن عباس قائلًا: «وأمّا قول ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين. فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ ثم قال: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ -والظاهر أنه مستنده- فقد صحّ عنه ﷺ أن هذا المرئيَّ جبريلُ عليه السلام، رآه مرتين في صورته التي خلق عليها». وبنحوه قال ابنُ القيم (٣‏/‏٧٣)

سورة النور — الآية ٣١

عن ابن جُرَيج، قال: قال ابنُ عباس في قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾، قال: الخاتم، والمسكة، قال ابن جريج: وقالت عائشة: القلب والفتخة، قالت عائشة: دخلتْ عَليَّ ابنةُ أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مُزيَّنةً، فدخل عليَّ النبيُّ - ﷺ -، فأعرض، فقالت عائشة: إنها ابنة أخي، وجارية. فقال: «إذا عركت المرأةُ لم يَحِلَّ لها أن تُظهِر إلا وجهها، وإلّا ما دون هذا». وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى

اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مّا ورَآءَ ذَلِكُمْ﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المعنى: أُحِلَّ لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح. وهذا قول السديّ، وعبيدة. وثانيها: أنّ المعنى: أُحِلَّ لكم ما وراء مَن سمّي لكم تحريمه مِن أقاربكم. وهذا قول عطاء. وثالثها: أنّ المعنى: أُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم. وهذا قول قتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٨٢) أنّ الآية تشمل جميع تلك المعاني استنادًا إلى دلالة السياق، والعموم، فقال: «أوْلى الأقوال في ذلك بالصواب ما نحن مبيِّنوه، وهو أنّ الله -جل ثناؤه- بيَّن لعباده المحرَّماتِ بالنسب والصهر، ثُمَّ المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم -جلَّ ثناؤه- أنّه قد أحلَّ لهم ما عدا هؤلاء المحرَّمات المبيَّنات في هاتين الآيتين أن نَبْتغيه بأموالنا نكاحًا وملك يمين، لا سفاحًا. فإن قال قائل: عرفنا المحلَّلات اللواتي هُنَّ وراء المحرَّمات بالأنساب والأصهار، فما المحلَّلات من المحصَنات والمحرمات منهن؟ قيل: هو ما دون الخمس مِن واحدة إلى أربع -على ما ذكرنا عن عبيدة والسدي- من الحرائر، فأما ما عدا ذوات الأزواج فغيرُ عددٍ محصورٍ بملك اليمين. وإنما قلنا: إنّ ذلك كذلك لأنّ قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ عامٌّ في كل مُحَلَّل لنا مِن النساء أن نبتغيها بأموالنا. فليس توجيه معنى ذلك إلى بعضٍ مِنهُنَّ بأولى مِن بعض، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجَّة يجب التسليم لها، ولا حُجة بأن ذلك كذلك». وذَهَبَإلى ذلك أيضًا ابن عطية (٢‏/‏٥١٦). وذَهَبَ ابنُ كثير (٣‏/‏٤٢٧) إلى القول الثاني، واسْتَدْرَكَ على القول الأول بقوله: «هذا بعيد، والصحيح قول عطاء»

اختُلِف في معنى الخِفَّة والثّقَل اللَّذَيْن أمر الله بهما في الآية على ستّة أقوال: أولها: أنّ المعنى: شبابًا، وشيوخًا. وثانيها: أنّ المعنى: مشاغيل، وغير مشاغيل. وثالثها: أنّ المعنى: نِشاطًا، وغيرَ نِشاط. ورابعها: أنّ المعنى: في اليسر والعسر، فقراء وأغنياء. وخامسها: أنّ المعنى: رُكبانًا، ومُشاةً. وسادسها: أنّ المعنى: ذا ضيعةٍ، وغيرَ ذي ضيعةٍ. وذهب ابنُ جرير (١١‏/‏٤٧٤) إلى أنّ كلَّ تلك الأقوال تدخل تحت الآية، مستندًا إلى عموم لفظها، فقال: «أولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أمَرَ المؤمنين بالنَّفر لجهاد أعدائه في سبيله، خفافًا وثقالًا. وقد يدخل في الخِفاف كلُّ مَن كان سهلًا عليه النفر لقوة بدنه على ذلك، وصحة جسمه، وشبابه، ومَن كان ذا يُسْرٍ بمالٍ، وفراغ من الاشتغال، وقادرًا على الظهر والركاب. ويدخل في الثِّقال كلُّ مَن كان بخلاف ذلك، مِن ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومِن مُعسِرٍ من المال، ومشتغلٍ بضَيْعَة ومعاش، ومَن كان لا ظهرَ له ولا ركاب، والشيخ، وذو السِّن، والعِيال. فإذ كان قد يدخل في الخفاف والثقال مَن وصفنا مِن أهل الصفات التي ذكرنا، ولم يكن الله -جل ثناؤُه- خصَّ مِن ذلك صنفًا دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول ﷺ، ولا نَصَب على خصوصه دليلًا؛ وجب أن يُقال: إنّ الله -جل ثناؤه- أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافًا وثقالًا مع رسوله ﷺ، على كل حالٍ مِن أحوال الخفّة والثقل». وهو ظاهر قول ابن كثير (٧‏/‏٢٠٨). وقال ابنُ عطية (٤‏/‏٣٢٠): «هذه الأقوال إنّما هي على معنى المثال في الثِّقل، والخِفَّة»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ تفيضون فيه﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: إذ تفعلون. وثانيها: إذ تُشِيعون في القرآن الكذبَ. وثالثها: إذ تفيضون في الحق. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٢‏/‏٢٠٥-٢٠٦) القولَ الأولَ -وهو قول عبد الله بن عباس- استنادًا إلى السياق، فقال: «إنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه لأنّه -تعالى ذِكْرُه- أخبر أنّه لا يعمل عبادُه عملًا إلا كان شاهدَه، ثم وصل ذلك بقوله: ﴿إذ تفيضون فيه﴾، فكان معلومًا أن قوله: ﴿إذ تفيضون فيه﴾ إنما هو خبرٌ منه عن وقت عمل العاملين أنّه له شاهد، لا عن وقْت تلاوة النبي ﷺ القرآن؛ لأنّ ذلك لو كان خبرًا عن شهوده -تعالى ذِكْرُه- وقتَ إفاضة القوم في القرآن لكانت القراءة بالياء: إذ يفيضون فيه. خبرًا منه عن المكذبين فيه. فإن قال قائل: ليس ذلك خبرًا عن المكذبين، ولكنه خطاب للنبي ﷺ أنّه شاهده إذْ تلا القرآن. فإنّ ذلك لو كان كذلك لكان التنزيل: إذ تفيض فيه. لأنّ النبي ﷺ واحدٌ لا جمع، كما قال: ﴿وما تتلوا منه من قرآن﴾، فأفرده بالخطاب، ولكن ذلك في ابتدائه خطابَه ﷺ بالإفراد، ثم عَوْده إلى إخراج الخطاب على الجمع نظير قوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق:١]، وذلك أنّ في قوله: ﴿إذا طلقتم النساء﴾ دليلًا واضِحًا على صرفه الخطابَ إلى جماعة المسلمين مع النبي ﷺ مع جماعة الناس غيره؛ لأنه ابتدأ خطابه، ثم صرف الخطابَ إلى جماعة الناس، والنبي ﷺ فيهم. وخبرٌ عن أنّه لا يعمل أحدٌ من عباده عملًا إلا وهو له شاهد، يُحْصِي عليه ويعلمُه، كما قال: ﴿وما يعزب عن ربك﴾ يا محمد عملَ خلقِه، ولا يذهب عليه عِلْمُ شيءٍ حيث كان من أرض أو سماء». وفي كلام ابن عطية (٤‏/‏٤٩٦)، وابن كثير (٧‏/‏٣٧٤) ما يُفيدُ ذهابهما إلى هذا القول

اختُلِف في فاعل ﴿شروه﴾ على قولين: الأول: أنّ الذي باعه إخوته. الثاني: أنّ الذي باعه السيّارة الذين مرُّوا به وهو في البئر. وقد رجّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٥٣) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنّ الله عز وجل قد أخبر عن الذين اشتروه أنّهم أسَرُّوا شراء يوسف مِن أصحابهم خيفةَ أن يَسْتَشْرِكوهم بادِّعائِهم أنّه بضاعة، ولم يقولوا ذلك إلا رَغْبَةً فيه أن يخلص لهم دونهم، واسترخاصًا لثمنه الذي ابتاعوه به؛ لأنهم ابتاعوه كما قال -جل ثناؤه-: ﴿بثمن بخس﴾، ولو كان مبتاعوه مِن إخوته فيه من الزاهدين لم يكن لقيلهم لرفقائهم: هو بضاعة، معنًى، ولا كان لشرائهم إيّاه وهم فيه من الزاهدين وجه، إلا أن يكونوا كانوا مغلوبًا على عقولهم؛ لأنّه محال أن يشتري صحيح العقل ما هو فيه زاهد مِن غير إكراه مكره له عليه، ثم يكذب في أمره الناس بأن يقول: هو بضاعة لم أشتره مع زهده فيه، بل هذا القول مِن قول مَن هو بسلعته ضنين لنفاستها عنده، ولما يرجو من نفيس الثمن لها وفضل الربح». ووافقه ابنُ كثير (٨‏/‏٢٣) مُعَلَّلًا ذلك بدلالة عقلية بقوله: «لأنّ قوله: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ إنّما أراد إخوته، لا أولئك السيارة؛ لأنّ السيارة استبشروا به وأَسَرُّوه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فيرجح من هذا أنّ الضمير في ﴿وشروه﴾ إنما هو لإخوته». وقوّاه ابنُ عطية (٥‏/‏٦١)، فقال: «وقوله: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ وصفٌ يترتب في وُرّاد الماء، أي: كانوا لا يعرفون قَدْرَه، فهُم لذلك قليلٌ اغتباطهم به، لكنَّه أرْتَبُ في إخوة يوسف؛ إذ حقيقة الزهد في الشيء: إخراج حبِّه مِن القلب، ورفضه من اليد. وهذه كانت حالُ إخوة يوسف في يوسف، وأمّا الوُرّاد فتَمَسُّكهم به وتَجْرُهم يُمانِع زهدَهم، إلا على تَجَوُّز»