عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ وأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فاحْذَرُوهُمْ﴾: كان الرجلُ إذا أراد أن يُهاجِر من مكة إلى المدينة تَمنعه زوجته وولده، ولم يَألُوا يُثبّطوه عن ذلك، فقال الله: إنهم عدوٌّ لكم؛ فاحذروهم، واسمعوا وأطيعوا، وامَضُوا لشأنكم. فكان الرجل بعد ذلك إذا مُنع وثُبِّط مرَّ بأهله وأقسم -والقَسم يمين- ليفعَلنّ وليُعاقبنّ أهله في ذلك، فقال الله -جلّ ثناؤه-: ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾، قال: القرآن رُوح من الله. وقرأ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى:٥٢] إلى آخر الآية. وقرأ: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًارَسُولًا﴾ قال: القرآن. وقرأ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت:٤١]، قال: بالقرآن. وقرأ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩]، قال: القرآن. قال: وهو الذِّكر، وهو الرّوح
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم: أنّ حفصة زارتْ أباها ذات يوم، وكان يومها، فجاء النبيُّ ﷺ، فلم يجدها في المنزل، فأَرسَل إلى أمَته مارية، فأصاب منها في بيت حفصة، وجاءتْ حفصةُ على تلك الحال، فقالتْ: يا رسول الله، أتفعل هذا في بيتي وفي يومي؟! قال: «فإنها عَلَيَّ حرامٌ، ولا تُخبِري بذلك أحدًا». فانطلَقتْ حفصة إلى عائشة، فأَخبَرتْها بذلك؛ فأَنزلَ الله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾، فأُمِر أن يُكفّر عن يمينه، ويُراجع أمَته
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾، قال: دخَلتْ حفصةُ على النبيِّ ﷺ في بيتها، وهو يَطأ مارية، فقال لها رسول الله ﷺ: «لا تُخبري عائشة حتى أُبشّركِ بشارة؛ فإنّ أباكِ يلي الأمر بعد أبي بكر إذا أنا متُّ». فذهبتْ حفصة، فأَخبَرتْ عائشة، فقالتْ عائشة للنبي ﷺ: مَن أنبأكَ هذا؟ قال: ﴿نبأني العليم الخبير﴾. فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تُحرّم مارية. فحَرّمها؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها النَّبِيّ لم تحرم﴾
عن كَرْدَم بن أبي السّائِب الأنصاري -من طريق إسحاق- قال: خرجتُ مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذُكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئبٌ، فأخذ حَملًا من الغنم، فوَثب الراعي، فقال: يا عامر الوادي، جارك. فنادى منادٍ لا نراه: يا سِرْحان، أرسِله. فأتى الحَمل يشتدّ حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة: ﴿وأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجنّ﴾ الآية
قال مقاتل بن سليمان: نزلت هذه الآية في النّضر بن الحارث بن علقمة، قدم الحيرة، فكتب حديث رستم و[إسفنديار]، فلما قدم قال: ما يُحَدِّثكم محمد؟ قالوا: حدَّثنا عن القرون الأولى. قال: وأنا أُحَدِّثكم بمثل ما يُحَدِّثكم به محمد أيضًا. فأنزل الله عز وجل فيه: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ [لقمان:٦]، فذلك قوله: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾
عن سعيد بن مِينا مولى البَخْتريّ -من طريق محمد بن إسحاق- قال: لقي الوليدُ بن المُغيرة، والعاصي بن وائل، والأسودُ بن المُطَّلِب، وأُميّة بن خلف؛ رسولَ الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، هَلُمّ فلتعبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنتَ في أمْرنا كلّه، فإن كان الذي نحن عليه أصحّ مِن الذي أنتَ عليه كنتَ قد أخذتَ منه حظًّا، وإن كان الذي أنتَ عليه أصحّ من الذي نحن عليه كُنّا قد أخذنا منه حظًّا. فأنزل الله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ حتى انقضت السورة
ذَهَبَ ابن جرير (٢/٣٧٢)، وابن عطية (١/٣٠٦)، وابن تيمية (١/٢٨٩) إلى أنّ المثوبة في الآية بمعنى: الثواب، كما هو في لسان العرب، قال ابن عطية: «والمثوبة عند جمهور الناس بمعنى: الثواب والأجر، وهذا هو الصحيح». ثم أورد قولًا آخر، فقال: «وقال قوم: معناه لرجعة إلى الله من ثاب يثوب إذا رجع». وبيَّن أن قوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ يحتمل احتمالين: الأول: نفي العلم عنهم. الثاني: أن يراد: لو كانوا يعلمون علمًا ينفع
رَجَّح ابنُ جرير (٢/٦٧٢ بتصرف) ما قاله أبو العالية من أنّ الآية تشمل كِلا القولين المذكورين: كتمان اليهود والنصارى لأمر القبلة، ولأمر محمد، ولم يُخَصِّص واحدًا من هذين، حيث قال: «وذلك الحق هو القبلة التي وجه الله عز وجل إليها نبيه محمدًا ﷺ، فكتمتها اليهود والنصارى، فتوجّه بعضهم شرقًا، وبعضهم نحو بيت المقدس، ورفضوا ما أمرهم الله به، وكتموا مع ذلك أمر محمد ﷺ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل». ولم يذكر مُسْتَنَدًا
رَجَّح ابنُ جرير (٣/٤٦٨-٤٦٩) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ النهيَ عن الرفث يَعُمُّ جميع معانيه لا بعضها، فقال: «والرَّفَثُ في كلام العرب أصله: الإفحاشُ في المنطق، ثم تستعمله في الكناية عن الجماع، فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلم مختلفين في تأويله، وفي: هل النهي من الله عن بعض معاني الرفث، أم عن جميع معانيه؟ ؛ وجَبَ أن يكون على جميع معانيه؛ إذ لم يأتِ خبرٌ بخصوص الرَّفث الذي هو بالمنطق عند النساء من سائر معاني الرفث يجب التسليم له، إذ كان غير جائزٍ نقلُ حكم ظاهر آيةٍ إلى تأويلٍ باطنٍ إلا بحجة ثابتة»