جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : وما يكذّب بيوم الدين إلاّ كُلّ مُعْتَدٍ اعتدى على الله في قوله، فخالف أمره، أثِيمٍ بربه، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ للْمُكَذّبِينَ قال الله : وَما يُكَذّبُ بِهِ إلاّ كُلّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ : أي بيوم الدين، إلاّ كلّ معتد في قوله، أثيم بربه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة فِي (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) قال: كتاب مكتوب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ) قال: رقم لهم بشرٍّ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) قال: المرقوم: المكتوب.
وقوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) يقول تعالى ذكره: ويل يومئذ للمكذبين بهذه الآيات، (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ)، يقول: الذين يكذبون بيوم الحساب والمجازاة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) قال: أهل الشرك يكذّبون بالدين، وقرأ: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ... ) إلى آخر الآية.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (١٣) كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: وما يُكذّبُ بيوم الدين (إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ) اعتدى على الله في قوله، فخالف أمره (أثِيمٍ) بربه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) قال الله: (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) أي بيوم الدين، إلا كلّ معتد في قوله، أثيم بربه، (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) يقول تعالى ذكره: إذا قُرئ عليه حججنا وأدلتنا التي بيَّنَاها في كتابنا الذي أنزلناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم
وقوله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) يقول تعالى ذكره مكذّبا لهم في قيلهم ذلك: (كَلا)، ما ذلك كذلك، ولكنه (رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ). يقول: غلب على قلوبهم وغَمَرها وأحاطت بها الذنوب فغطتها، يقال منه: رانت الخمر على عقله، فهي تَرِين عليه رَيْنا، وذلك إذا سكر، فغلبت على عقله؛ ومنه قول أبي زُبيد الطائي:
| ثُمَّ لَمَّا رآهُ رَانَتْ بِهِ الخَم | رُ وأن لا تَرِينَهُ باتِّقاء (١) |
| لم نَروَ حتى هَجَّرَت وَرِينَ بي | وَرِينَ بالسَّاقي الَّذي أمْسَى مَعِي (٢) |
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن القَعْقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ، فإنْ تابَ صُقِلَ مِنْها، فإنْ عادَ عادَتْ حتى تَعْظُمَ فِي قَلْبِهِ، فذلكَ الرَّانُ الَّذي قَالَ الله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ".
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا ابن عَجلان، عن القَعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ المُؤْمَنَ إذَا أذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فإن تابَ وَنزعَ وَاسْتَغْفَرَ صَقَلَتْ
(٢) عطف على قوله: " ولو كان علم... ".
حدثني عليّ بن سهيل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن عَجْلان، عن القَعقَاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ الْعَبْدَ إذَا أذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فإنْ تابَ مِنْهَا صُقِلَ قَلْبُهُ، فإنْ زَادَ زَادَتْ فَذلكَ قَوْلُ اللهِ: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ".
حدثني أبو صالح الضَّراري محمد بن إسماعيل، قال: أخبرني طارق بن عبد العزيز، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول إلله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الْعَبْدَ إذَا أخْطأَ خَطِيئَةً كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فإنْ تَاب واسْتَغْفَرَ وَنزعَ صَقَلَتْ قَلْبَهُ، وَذَلكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللهُ: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) قال: أبو صالح: كذا قال: صقلت، وقال غيره: سَقَلت.
حدثني عليّ بن سهيل الرمليّ، قال: ثنا الوليد، عن خُلَيد، عن الحسن، قال: وقرأ (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) قال: الذنب على الذنب حتى يموت قلبه.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) قال: الذنب على الذنب حتى يَعمى القلب فيموت.
حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) قال: العبد يعمل بالذنوب فتحيط بالقلب، ثم ترتفع، حتى تغشى القلب.
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: أرانا مجاهد بيده، قال: كانوا يرون القلب في مثل هذا يعني: الكفّ، فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا فإذا أذنب ضمّ أصبعا أخرى، فإذا أذنب ضمّ أصبعا أخرى، حتى ضمّ أصابعه كلها، ثم يطبع عليه بطابع، قال مجاهد: وكانوا يرون أن ذلك الرَّيْن.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: القلب مثل الكفّ، فإذا أذنب الذنب قبض أصبعا، حتى يقبض أصابعه كلها، وإن أصحابنا يرون أنه الران.
حدثنا أبو كُرَيب مرة أخرى بإسناده عن مجاهد قال: القلب
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) قال: الخطايا حتى غمرته.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) انبثت على قلبه الخطايا حتى غمرته.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) يقول: يطبع.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) قال: طبع على قلوبهم ما كسبوا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن طلحة، عن عطاء (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) قال: غشيت على قلوبهم فهوت بها، فلا يفزعون، ولا يتحاشون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الحسن (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) قال: هو الذنب حتى يموت القلب.
قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) قال: الران: الطبع يطبع القلب مثل الراحة، فيذنب الذنب فيصير هكذا، وعقد سفيان الخنصر، ثم يذنب الذنب فيصير هكذا، وقَبض سفيان كفه، فيطبع عليه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أعمال السوء، أي والله ذنب على ذنب، وذنب على ذنب حتى مات قلبه واسودّ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: