سورة النور — الآية ٣٩

عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب﴾ الآية، قال: هو مَثَل ضربه الله لرجل عَطِش، فاشْتَدَّ عطشُه، فرأى سرابًا، فحسبه ماءً، فطلبه، فظنَّ أنه قدر عليه حتى أتاه، فلمّا أتاه لم يجده شيئًا، وقُبِض عند ذلك. يقول: الكافر كذلك السراب؛ يحسب أنّ عمله يُغني عنه أو نافعُه شيئًا، ولا يكون على شيء حتى يأتيه الموت، فإذا أتاه الموتُ لم يجد عمله أغنى عنه شيئًا، ولم ينفعه إلا كما نُفِع العطشان المشتد إلى السراب...

سورة الكهف — الآية ٨٢

عن موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عمِّه، قال: بلغني في قول الله عز وجل: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما﴾: أنّ الكنز الذي كان لوحًا من ذهب مكتوبٌ فيه: عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟! عجبًا لمن أيقن بالحساب كيف يضحك؟! عجبًا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟! عجبًا لمن يرى الدنيا وزوالها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟! لا إله إلا الله، محمد رسول الله

سورة الدخان — الآية ٣

قال محمد بن إسحاق: ابتُدئ رسول الله ﷺ بالتنزيل في شهر رمضان. قال الله تبارك وتعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ إلى آخر الآية [البقرة:١٨٥]، وقال الله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ إلى آخر السورة، وقال: ﴿حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين﴾، وقال: ﴿إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان﴾ [الأنفال:٤١] وذلك التقاء رسول الله ﷺ والمشركين ببدر

قال ابنُ عطية (٣‏/‏٤١٤بتصرف): «ومعنى الريبة في هذه الآية: أمرٌ يعمُّ الغيظ والحنق، ويعمُّ اعتقاد صواب فعلهم، ونحو هذا مما يُؤَدِّي كله إلى الريبة في الإسلام، فمقصد الكلام: لا يزال هذا البنيان الذي هُدِم لهم يُبقي في قلوبهم حزازةً وأثرَ سوء. وبالشكِّ فَسَّر ابنُ عباس الرِّيبة هنا، وفَسَّرها السُّدِّيُّ بالكفر. ويحتمل أن يكون المعنى: لا يزالون مريبين بسبب بنائهم الذي اتضح فيه نفاقهم؟ وجملة هذا: أنّ الريبة في الآية تعمُّ معاني كثيرة، يأخذ كلُّ منافق منها بحسب قدْره من النفاق»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٤٨٧) في قوله: ﴿يتعارفون﴾ احتمالات، فقال: «وأمّا قوله: ﴿يتعارفون﴾ فيحتمل أن يكون معادلة لقوله: ﴿ويوم يحشرهم﴾، كأنّه أخبر أنهم يوم الحشر يتعارفون، وهذا التعارف على جهة التلاوم والخزي من بعضهم لبعض. ويحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿يحشرهم﴾، ويكون معنى التعارف كالذي قبله. ويحتمل أن يكون حالًا من الضمير في ﴿يلبثوا﴾، ويكون التعارف في الدنيا، ويجيء معنى الآية: ويوم نحشرهم للقيامة فتنقطع المعرفة بينهم والأسباب، ويصير تعارفهم في الدنيا كساعةٍ من النهار لا قَدْر لها»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٦٥٧-٦٥٨) قول ابن جريج، ثم أردف معلِّقًا: «وكثر النقاش وغيره في هذا المعنى، والظاهر من اللفظ أنها عبارة بليغة عن قرب الشمس منهم وفعلها؛ لقدرة الله تعالى فيهم، ونيلها منهم، ولو كان لهم أسراب تغني لكان سترًا كثيفًا، وإنما هم في قبضة القدرة، سواء كان لهم أسراب أو دُور أو لم يكن، ألا ترى أنّ الستر -عندنا نحن- إنما هو من السحاب والغمام وبرد الهوى، ولو سلَّط الله علينا الشمس لأحرقتنا!»

ذكر ابنُ عطية (٧/٣٦٤) هذا القول، ثم علّق قائلًا: «وهذا إن صحَّ فإنما ذُكِر على جهة التشريف للأربعة، والتنبيه منها، وإلا فإذا حققنا النظر فكل مخلوق هو بالقدرة التي بها يقع الإيجاد بعد العدم». وما قاله ابن عطيه باطل، والحق إثبات صفة اليدين لله تعالى على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم. ينظر: الشريعة ٣/١١٤٧-١١٧٧، والإبانة ٣/٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٥١-٤٨٠

اختُلف في معنى الحرد على أقوال: الأول: أنّ معناه: على قصد. الثاني: على قدرة في أنفسهم وجِدّ. الثالث: على فاقة وحاجة. الرابع: على حَنق. الخامس: أنّ «الحرد» اسم الجنة. السادس: على منع. ذكره ابنُ جرير (٢٣‏/‏١٧٨-١٧٩)، ونسبه لبعض أهل اللغة من البصرة. وذكر أنّ مَن قال بالقول الأخير وجّه المعنى إلى أنه من قولهم: حارَدت السنة إذا لم يكن فيها مطر. وبنحوه قال ابنُ عطية (٨‏/‏٣٧٤). وانتقده ابنُ جرير مستندًا لأقوال السلف، فقال: «وهذا قول لا نَعلم له قائلًا مِن متقدمي العلم قاله، وإن كان له وجْه، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز عندنا أن يُتعدى ما أجمعتْ عليه الحُجّة، فما صحّ من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم». ورجَّح -مستندًا إلى اللغة، وأقوال السلف- القول الأول الذي قاله وعكرمة، ومجاهد، من طريقي إبراهيم بن المهاجر، وابن أبي نجيح، وذلك أنّ «المعروف من معنى الحرد في كلام العرب: القصد، من قولهم: قد حرَد فلان حرْد فلان: إذا قصد قصده؛ يعني: يقصد قصدها». وعلَّق ابنُ عطية (٨‏/‏٣٧٤) على القول الأول بقوله: «وبذلك فسّر بعض اللغويين». وذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏٣٧٩) «أنّ»الحرد«يحتمل أن يُراد به: المنع، والقصْد، والغضب». فقال: «الحرد فيه معنى العزم الشديد؛ فإنّ هذا اللفظ يقتضي هذا، وحرد السنة والناقة لما فيه من معنى الشدة، وكذلك الحَنق والغضب فيه شدة؛ فكان لهم عزم شديد على أخْذها، وعلى حرمان المساكين». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨‏/‏٣٧٤). وذكر (٨‏/‏٣٧٥) أنّ قوله تعالى: ﴿قادرين﴾ يحتمل احتمالين: الأول: «أن يكون من القدرة، أي: هم قادرون في زعمهم». الثاني: «أن يكون من التقدير، كأنهم قد قَدَروا على المساكين، أي: ضيّقوا عليهم». وعلَّق عليه بقوله: «ومنه قوله تعالى: ﴿ومن قُدِر عليه رزقه﴾ [الطلاق:٧]»

اختلف في معنى قوله: ﴿فهم يوزعون﴾ على أقوال خمسة: الأول: معنى ذلك: يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا. الثاني: يساقون. الثالث: يتقدمون. الرابع: يدفعون. الخامس: يوقفون. ورجح ابنُ جرير (٦‏/‏٢٧) مستندًا إلى اللغة القولَ الأول الذي قاله ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وأبو رزين، فقال: «وذلك أنّ الوازع في كلام العرب هو: الكافُّ، يقال منه: وزع فلان فلانًا عن الظلم: إذا كفه عنه». وعلَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٥٢٥) على القول الأول بقوله: «ومنه قول الحسن البصري حين ولي قضاء البصرة: لا بُدَّ للحاكم مِن وزعة. ومنه قول أبي قحافة حين وصفت له الجارية في يوم الفتح أنّها ترى سوادًا أمامه فارس قد تقدم من الصف، فقال لها: ذلك الوازع»

انتَقَدَ ابنُ كثير (٢‏/‏٢٢٤-٢٢٥) هذا القول الذي قاله القاسم بن محمد، وقتادة من طريق سعيد، مُسْتَنِدًا لمخالفته السنة، فقال: «وهذا القول فيه نظر؛ لأنّه قد ثبت أنّ رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر، كلها في ذي القعدة: عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجُعُرّانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته، أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشر، ولا اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ: «عمرة في رمضان تَعْدِل حَجَّةً معي». وما ذاك إلا لأنها [كانت] قد عَزَمَتْ على الحج معه عليه السلام، فاعتاقَتْ عن ذلك بسبب الطُّهْر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونصَّ سعيد بن جبير على أنه من خصائصها». وعَلَّق عليه ابنُ عطية (١‏/‏٤٧٠) بقوله: «وهذا مبنيٌّ على أنّ الدم في الحج والعمرة جَبْرُ نَقْصٍ»