ذكر ابنُ عطية (٨/٤٥٧-٤٥٨) في قوله: ﴿فقتل كيف قدر﴾ احتمالين: الأول: «أن يكون دعاء عليه على معنى تقبيح حاله». ثم وجّه معنى قوله: ﴿ثم نظر﴾ على هذا الاحتمال، فقال: «وعلى التأويل الأول أنّ الدعاء عليه دعاء على مُستقبح فعله يجيء قوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ معنىً معادًا بعينه؛ لأن ﴿فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ يقتضيه، لكنه إخبار بترديده النظر في الأمر، وقد رُوي أنّ النبي ﷺ دعا الوليد فقال له: «أنظُرُ وأُفَكِّرُ». فلمّا فَكّر قال ما تقدم». الثاني: «يحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه الأول في مدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه، فيجري هذا مجرى قول النبي ﷺ لأبي جَندل بن سهيل: «ويل أمه، مسْعَر حرب». ومجرى قول عبد الملك بن مروان: قاتل الله كُثَيِّرًا، كأنه رآنا حين قال كذا. وهذا معنًى مشهور في كلام العرب». ثم وجّه معنى قوله: ﴿ثم نظر﴾ على هذا الاحتمال، فقال: «وإذا قلنا إنّ ذلك دعاء على مستحسن فعله فيجيء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ فيما احتج به للقرآن، فرأى ما فيه من علوِّ مرتبة محمد عليه السلام، فـ﴿عَبَسَ﴾ لذلك، ﴿وبَسَرَ﴾ أي: قطب، وقبض ما بين عينيه، واربدَّ وجهه حسدًا له»
عن الرُّبَيِّعِ بِنتِ مُعَوِّذٍ بن عَفْراء: أنّ رسول الله ﷺ دخل عليها، فدعا بوضوء، قالت: فأتيته بإناء فيه ماء قدر مُدٍّ وثُلُث، أو مُدٍّ ورُبُع، فغسل يديه ثلاثًا قبل أن يُدْخِلهما في الإناء، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه ما أقبل منه وما أدبر، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثًا. قالت: فأتاني غلامٌ من بني عبد المطلب -يعني: ابن عباس-، فحدثته هذا الحديث، فقال: أبى الناس إلا الغَسْل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح
عن زيد بن أسلم أنّه قال في القَدَرِيَّة: واللهِ، ما قالوا كما قال الله، ولا كما قال النَّبِيُّون، ولا كما قال أصحابُ الجنة، ولا كما قال أصحابُ النار، ولا كما قال أخوهم إبليس، قال الله: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان:٣٠]. وقال شعيبٌ: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله﴾. وقال أصحاب الجنة: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف:٤٣]. وقال أصحاب النار: ﴿ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾ [الزمر:٧١]. وقال إبليسُ: ﴿رب بما أغويتني﴾ [الحجر:٣٩]
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي ظَبْيان- قال: إنّ أول شيء خَلَقه الله القلم، فقال له: اكتب. قال: يا ربّ، وما أكتب؟ قال: اكتب القَدَر. فجرى مِن ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طُوِي الكتاب، ورُفِع القلم، وكان عرشُه على الماء، فارتفع بخارُ الماء، ففُتِقتْ منه السماوات، ثم خَلَق النُّون، فبُسطتْ الأرض عليه، والأرض على ظهر النُّون، فاضطرب النُّون، فمادت الأرض، فأُثبتت بالجبال، فإنّ الجبال لَتَفْخَر على الأرض إلى يوم القيامة. ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كُبْكُبَة من الملائكة، يُصلُّون على كلّ عبد قائم أو قاعد يذكر الله، فإذا كان يوم عيدهم باهى بهم ملائكته، فقال: يا ملائكتي، ما جزاء أجِيرٍ وفّى عمله؟ قالوا: ربنا، جزاؤه أن يؤتى أجره. قال: يا ملائكتي، عبيدي وإمائي قَضَوا فريضتي عليهم، ثم خرجوا يَعُجُّون إلَيّ بالدعاء، وعِزَّتي وجلالي وكرمي وعلوي وارتفاع مكاني، لأجيبنّهم. فيقول: ارجعوا فقد غفرتُ لكم، وبدّلتُ سيئاتكم حسنات. فيَرجعون مغفورًا لهم»
عن علي بن أبي طالب -من طريق الأصبغ- قال: أنا -واللهِ- حرّضتُ عمرَ على القيام في شهر رمضان. قيل: وكيف ذلك، يا أمير المؤمنين؟ قال: أخبرته أنّ في السماء السابعة حظيرة يقال لها: حظيرة القُدس، فيها ملائكة يقال لهم: الروح -وفي لفظ: الروحانيون-، فإذا كان ليلة القدر استأذنوا ربّهم في النزول إلى الدنيا، فيأذن لهم، فلا يمُرُّون بمسجد يُصلّى فيه ولا يستقبلون أحدًا في طريق إلا دعوا له، فأصابه منهم بركة. فقال له عمر: يا أبا الحسن، فتُحرّض الناس على الصلاة حتى تُصيبهم البركة. فأمر الناس بالقيام
ذكر ابنُ عطية (٥/١٧٥) قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقتادة، ثم وجَّهه بقوله: «وهذا وجْه من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قطع مختلفات بتخصيص الله لها بمعان فهي تسقى بماءٍ واحد، ولكن تختلف فيما تخرجه». ثم علَّق بقوله: «والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو: أنّها مِن تربة واحدة ونوع واحد، والعبرة في هذا أبْيَن؛ لأنها مع اتفاقها في التربة والماء تفضل القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سُئِل عن هذه الآية فقال: «الدَّقَل، والفارسي، والحلو، والحامض»»
على هذه الأقوال الواردة: فالقمر كان مضيئًا، ثم محي ضوؤه، والفاء للتعقيب، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٥/٤٤٨)، ثم ذكر قولًا آخر بأنّ الفاء ليست للتعقيب، والمحو في أصل الخلق، كما تقول: بنيت داري، فبدأت بالأسّ، ثم تابعت. ورجَّحَه بقوله: «وهو الظاهر». ولم يذكر مستندًا. ثم قال: «وظاهر لفظ الآية يقتضي أربع آيات، لا سيما لمن بنى على أنّ القمر هو الممحو، والشمس هي المبصرة، فأما من قدر الممحو في ظلام الليل والإبصار في ضوء النهار أمكن أن تتضمن الآية آيتين فقط، على أن يكون فيها طرف من إضافة الشيء إلى نفسه»
بيّن ابنُ عطية (٦/٢٧١ ط: دار الكتب العلمية) أنّ قوله: ﴿فلا ينازعنك﴾ يحتمل معنى التخويف، ويحتمل معنى احتقار الفاعل، وأنّه أقل من أن يُفاعل. ورجّح الثاني بقوله: «وهذا هو المعنى في هذه الآية». ثم ذكر عن أبي إسحاق قوله: «المعنى: فلا تنازعهم فينازعوك». ثم علّق قائلًا: «وهذا التقدير الذي قدَّر إنما يحسن مع معنى التخويف، وإنما يحسن أن يُقدَّر هنا المعنى: فلا يد لهم بمنازعتك، فالنهي إنما يُراد به معنى من غير اللفظ، كما يراد في قولهم: لا أرينك هاهنا، أي: لا تكن هاهنا»
ذكر ابنُ عطية (٨/٣٩) أنّ المفسرين قالوا: العامل في: ﴿إذ﴾ هو ﴿أقرب﴾، ثم ساق احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل عندي أن يكون العامل فيه فعلًا مضمرًا تقديره: اذكر إذ يتلقى المتلقيان». وعلَّق عليه بقوله: «ويحسن هذا المعنى؛ لأنه أخبر خبرًا مجرّدًا بالخلْق، والعلم بخطرات الأنفس، والقُرب بالقدرة، والمِلك، فلما تمّ الإخبار أخبر بذِكر الأحوال التي تصدّق هذا الخبر، وتبيّن وروده عند السامع، فمنها: ﴿إذ يتلقى المتلقيان﴾، ومنها: مجيء سكرة الموت، ومنها: النّفخ في الصور، ومنها: مجيء كل نفس»