بيّن ابنُ جرير (٢٢/٢٤٢-٢٤٤) أن قوله: ﴿بطائنها من إستبرق﴾ معناه: أنّ بطائن هذه الفُرُش من غليظ الدِّيباج، ودلّل على ذلك بآثار السلف. ثم أورد عن بعض أهل اللغة -وهو موافق لما جاء في قول مقاتل، وقول سعيد بن جُبَير في الأثر في تفسير الآية- أنّ البطائن هاهنا بمعنى: الظواهر. ووجّهه، فقال: «وقد زعم أهل العربية أنّ البطانة قد تكون ظهارة، والظهارة تكون بطانة، وذلك أنّ كل واحد منهما قد يكون وجهًا، قال: وتقول العرب: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه»
ذكر ابنُ عطية (٨/٣٩٢) أنه اختُلف في الفرقة التي ينفذ فيها الوعيد من أهل المعاصي متى تأخذ كتبها، على قولين: الأول: أنها تأخذها مع الناس، وذلك يُؤنسها مدة العذاب. ونقل عن الحسن أنه قال: «فإذا أُعطى كتابه بيمينه لم يقرأه حتى يأذن الله تعالى له، فإذا أذِن له قال: ﴿هاؤم اقرؤا كتابيه﴾». الثاني: أنه إذا أخرجوا من النار، والإيمان يُؤنسهم وقت العذاب. ورجَّح ابنُ عطية القول الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا ظاهر هذه الآية؛ لأنّ مَن يسير إلى النار فكيف يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه؟»
رجّح ابنُ عطية (٨/٤٦٥) أنّ اليقين معناه: «صحة ما كانوا يُكذِّبون به مِن الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخرة». ثم انتقد -مستندًا إلى الدلالة العقلية- القول بأنه الموت، فقال: «وقال المفسرون: اليَقِين: الموت. وذلك عندي هنا مُتعقّب؛ لأن نفس الموت يقين عند الكافر وهو حي، فإنما اليَقِين الذي عَنوا في هذه الآية فهو الشيء الذي كانوا يُكذِّبون به وهم أحياء في الدنيا، فتَيقّنوه بعد الموت، وإنما ُيُفَسَّر اليقين بالموت في قوله تعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]»
ذكر ابنُ عطية (٨/٤٨٦) أنّ قوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد السبيل العامة للمؤمن والكافر، وذلك بخَلْق الحواس، وموهبة الفِطرة، ونَصْب الصنعة الدالة على الصانع. وعلَّق عليه بقوله: «و﴿هديناه﴾ -على هذا- بمعنى: أرشدناه، كما يُرشد الإنسان إلى الطريق، ويُوقف عليه». الثاني: أنْ يريد بالسبيل اسم جنس، أي: هَدى المؤمن لإيمانه والكافر لكفره. وعلَّق عليه بقوله: «فـ﴿هديناه﴾ -على هذا- كأنه بمعنى: أريناه فقط». ثم قال: «وليس الهُدى في هذه الآية بمعنى: خَلْق الهدى والإيمان»
اختُلف في السبيل الذي يسّره الله لها على قولين: الأول: أنها خروجه من بطن أمه. الثاني: أنها طريق الحق والباطل. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/١١٣) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلل ذلك بقوله: «وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أنّ الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته؛ خَلْقه، وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده». ورجّح ابنُ كثير (١٤/٢٥٠) القول الثاني بقوله: «وهذا هو الأرجح». ولم يذكر مستندًا
ذكر ابنُ كثير (١٤/٢٧٦) هذا الأثر من طريق محمد بن سنان القزاز، عن مطهر بن الهيثم، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن جده، ثم علّق عليه بقوله: ""وهكذا رواه ابن أبي حاتم، والطبراني، من حديث مطهر بن الهيثم به. وهذا الحديث لو صح لكان فيصلًا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأنّ مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يُشبِه حديث الأثبات""
نقل ابنُ عطية (٥/٤٨١ ط: دار الكتب العلمية) أقوالًا أخرى في معنى الآية، وعلَّق على بعضها، فقال: «وقال قوم من المتأولين: المعنى: لِحَياتِي في قبري عند بعْثي الذي كنت أُكَذِّب به وأعتقد أني لن أعود حيًّا. وقال آخرون: ﴿لِحَياتِي﴾ هنا مجازًا، أي: لَيْتَنِي قَدَّمْتُ عملًا صالحًا لأنعم به اليوم وأحيا حياةً طيّبة. فهذا كما يقول الإنسان: أحيني في هذا الأمر. وقال بعض المتأولين: المعنى: لوقت أو لمدة حياتي الماضية في الدنيا، وهذا كما تقول: جئت لطلوع الشمس ولتاريخ كذا ونحوه»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٢ بتصرف يسير) الاختلاف في مكّيّة السورة ومدنيتها، وبيّن أنّ القول بمكيتها أشهر. وذكر (٨/٦٦٣-٦٦٤ بتصرف) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.. ﴾ [البينة:٥] -مستندًا إلى النظائر، وأحوال النزول- أنّ القول بمدنيتها يقوّيه «كون الصلاة مع الزكاة في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها؛ لأنّ الزكاة فُرِضتْ بالمدينة، ولأنّ النبي ﷺ إنما دفع لمناقضة أهل الكتاب بالمدينة»
قال ابن أبي حاتم: أخبرني علي بن عبد العزيز، فيما كتب إليَّ قال: قال أبو عُبَيْد [القاسم بن سلّام] في الأنفال: إنها المغانم، وفي كل نَيْل ناله المسلمون؛ لقول الله - عز وجل -: ﴿يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يُخَمِّسها، على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذاك آية الخُمُسِ فنَسَخَتِ الأولى، وفي ذلك آثار. والأنفال أصلها: جِماعُ الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة. ومعنى الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل تَفَضُّلًا من غير أن يجب ذلكعليه، فكذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، إنما هو شيء خصهم الله به تَطَوُّلًا منه عليهم، بعد أن كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلهم، فنَفَّلها الله هذه الأمة، فهذا أصل النفل، وبه سمي ما جعل الإمام للمقاتلة نفلًا، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك على قدر الغَناءُ عن الإسلام، والنكاية في العدو. وفي النفل الذي ينفله الإمام سُنَنٌ أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى. فإحداهن: في النفل لا خمس فيه، وذلك السَّلَب. والثانية: النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع والثلث بعد الخمس. والثالثة: في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تُحازَ الغنيمةُ كلُّها، ثم تُخَمَّسَ، فإذا صار الخُمُس في يدي الإمام نَفَّل منه على قدر ما يرى. والرابعة: في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يُخَمَّسَ منها شيء، وهو أن تُعطى الأدِلّاءُ ورِعاءُ الماشِيَةِ والسُّوّاقُ لها، وفي كل ذلك اختلاف
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يومُ القيامة نادى منادٍ: ألا لتَلحقَ كلّ أُمّة بما كانت تعبد. فلا يَبقى أحد كان يعبد صنمًا ولا وثنًا ولا صورة إلا ذَهبوا، حتى يتساقطوا في النار، ويَبقى مَن كان يعبد الله وحده مِن بَرٍّ وفاجر، وغُبَّراتُ أهل الكتاب، ثم تُعرض جهنم كأنها سَرابٌ يَحطم بعضها بعضًا، ثم يُدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: عُزَيْر ابن الله. فيقول: كَذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون: أي ربّنا، ظَمِئنا. فيقول: أفلا تَرِدُون! فيَذهبون حتى يَتساقطوا في النار، ثم تُدعى النصارى، فيقال: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيح ابن الله. فيقول: كَذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون: أي ربّنا، ظَمِئنا، اسقِنا. فيقول: أفلا تَرِدُون! فيَذهبون فيَتساقطون في النار، فيبقى مَن كان يعبد الله من بَرٍّ وفاجر. قال: ثم يَتبدّى الله لنا في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أول مرة، فيقول: أيها الناس، لَحِقتْ كلُّ أُمّة بما كانت تعبد، وبَقيتم أنتم. فلا يُكلّمه يومئذ إلا الأنبياء، فيقولون: فارقْنا الناس في الدنيا، ونحن كُنّا إلى صحبتهم فيها أحوج، لَحِقتْ كلّ أُمّة بما كانت تعبد، ونحن ننتظر ربّنا الذي كنا نعبد. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك. فيقول: هل بينكم وبين الله آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم. فيَكشف عن ساق، فيَخِرّون سُجّدًا أجمعون، ولا يَبقى أحد كان سجد في الدنيا سُمعة ولا رياء ولا نفاقًا إلا صار ظهره طبقًا واحدًا، كلّما أراد أن يَسجد خَرّ على قفاه. قال: ثم يرجع، يرفع بَرُّنا ومُسيئنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نَعم، أنت ربّنا. ثلاث مرار»