ذكر ابن عطية (٨/١٥٢-١٥٣) أنّ قوله: ﴿كذبوا بآياتنا كلها﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد آل فرعون المذكورين أخذناهم كذلك، يريدهم بالضمير؛ لأن ذلك الإغراق الذي كان في البحر كان بالعزّة والقدرة، ويكون قوله: ﴿بآياتنا﴾ يريد بها التسع، ثم أكّد بقوله: ﴿كلها﴾. الثاني: أن يكون قوله: ﴿ولقد جاء آل فرعون النذر﴾ كلامًا تامًّا، ثم يكون قوله: ﴿كذبوا بآياتنا كلها﴾ يعود الضمير في ﴿كذبوا﴾ على جميع مَن ذكر من الأمم، ويجيء جميع الآيات مستقيمًا، ويجيء قوله تعالى: ﴿فأخذناهم﴾ كذلك يعود على جميع الأمم المذكورة
عن يحيى بن زكريا، قال: كنتُ عند سفيان بن عيينة، فقال له رجلٌ: إنّا وجدنا خمسة أصناف من الناس قد كفروا، ليسوا منا. قال: مَن هم؟ قال: الجَهْمِيَّة، والقَدَرِيَّة، والمُرْجِئَة، والرّافِضَة، والنصارى. قال: كيف؟ قال: قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾. قالت الجهمية: لا، ليس كما قلتَ، بل خلقتَ كلامًا. قال: فكفروا، وأوردوا على الله عز وجل. وقال الله: ﴿ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر:٤٨-٤٩]. قالت القدرية: لا، ليس كما قلتَ، الشرُّ من الشيطان، وليس مِمّا خلقه. فكفروا، وأوردوا على الله. وقال الله: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية:٢١]. قالت المُرجِئة: ليس كما قلت، بل هم سواء. فكفروا، وأوردوا على الله. وقال عليُّ بن أبي طالب: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. قالت الرافضة: لا، ليس كما قلت، بل أنت خيرٌ منهما. قال: فكفروا، وأوردوا عليه. وقال عيسى ابن مريم عليه السلام: أنا عبد الله ورسوله. قالت النصارى: ليس كما قلتَ، بل أنت هو. قال: فكفروا، وأوردوا عليه. قال: سفيان: اكتبوه، اكتبوه
عن يحيى بن زكريا، قال: كنت عند سفيان بن عُيينة، فقال له رجل: إنّا وجدنا خمسة أصناف من الناس قد كفروا، ليسوا مِنّا. قال: مَن هم؟ قال: الجهمية، والقدرية، والمُرجئة، والرافضة، والنصارى. قال: كيف؟ قال: قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء:١٦٤]. قالت الجهمية: لا، ليس كما قلتَ، بل خلقتَ كلامًا. قال: فكفروا، وأوردوا على الله عز وجل، وقال الله: ﴿ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. قالت القدرية: لا، ليس كما قلتَ، الشّرّ من الشيطان، وليس مما خلقه. فكفروا، وأوردوا على الله، وقال الله: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية:٢١]. قالت المُرجئة: ليس كما قلتَ، بل هم سواء. فكفروا، وأوردوا على الله. وقال علي بن أبي طالب: إنّ خير هذه الأُمّة بعد نبيّها أبو بكر وعمر. قالت الرافضة: لا، ليس كما قلتَ، بل أنتَ خير منهما. قال: فكفروا، وأوردوا عليه، وقال عيسى ابن مريم عليه السلام: أنا عبد الله ورسوله. قالت النصارى: ليس كما قلتَ، بل أنت هو. قال: فكفروا وأوردوا عليه. قال سفيان: اكتبوه، اكتبوه
قال ابنُ عطية (٤/٥٤٨-٥٤٩): «ووقع التحدي في هذه الآية بعشرٍ لأنّه قيدها بالافتراء، فوسع عليهم في القدر لتقوم الحجة غاية القيام، إذ قد عجَّزهم في غير هذه الآية بسورة مِن مثله دون تقييد، فهذه مماثلة تامة في غيوب القرآن ومعانيه ونظمه ووعده ووعيده، وعُجِّزوا في هذه الآية بأن قيل لهم: عارضوا القدر منه بعشر أمثاله في التقدير، والغرض واحد، واجعلوه مفترًى لا يبقى لكم إلا نظمه، فهذه غاية التوسعة، وليس المعنى: عارضوا عشر سور بعشر؛ لأنّ هذه إنما كانت تجيء معارضة سورة بسورة مفتراة، ولا تبالي عن تقديم نزول هذه على هذه. ويؤيد هذا النظر أنّ التكليف في آية البقرة إنّما هو بسبب الريب، ولا يزيل الريب إلا العلم بأنّهم لا يقدرون على المماثلة التامة، وفي هذه الآية إنّما التكليف بسبب قولهم ﴿افتراه﴾ فكلفوا نحو ما قالوا، ولا يَطَّرِد هذا في آية يونس». ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وقال بعض الناس: هذه مقدمة في النزول على تلك، ولا يَصِحُّ أن يعجزوا في واحدة فيكلفوا عشرًا، والتكليفان سواء، ولا يَصِحُّ أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة، وآية سورة يونس في تكليف سورة متركبة على قولهم: افتراه، وكذلك آية البقرة وإنّما ريبهم بأنّ القرآن مفترى». وعلَّق عليه قائلًا: «وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين؛ في كمال المماثلة مرة، ووقوفها على النظم مرة»
انتقد ابنُ عطية (٦/٣١١) مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ أبي صالح، والسدي، والكلبي، ومقاتل، ويحيى بن سلام، فقال: «وهذا ليس من نمط الآية». ثم قال أيضًا (٦/٣١١-٣١٢): «ومَن قال: إن الحق في الآية: الله تعالى؛ تشعَّبَتْ له لفظة ﴿اتَّبَعَ﴾، وصَعُبَ عليه ترتيبُ الفساد المذكور في الآية؛ لأن لفظة الاتِّباع -على كلا الوجهين- إنما هي استعارة بمعنى أن تكون أهواؤهم يصونها الحق ويقررها، فنحن نجد الله تعالى قد قدَّر كُفْرَ أمم وأهواءهم، فليس في ذلك فساد سماوات، وأما الحق نفسه الذي هو الصواب فلو كان طبْق أهوائهم لفسد كلُّ شيءٍ. فتأمَّلْه». وذكر قولًا آخر ولم ينسبه، وهو أنّ الحق هنا: الصواب والمستقيم، ورجَّحه (٦/٣١١ بتصرف) بقوله: «وهذا هو الأحرى». ثم علَّق بقوله: «على أن يكون الحقّ المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلْ جاءَهُمْ بِالحَقِّ وأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ هو: الذي جاء به محمد رسول الله ﷺ». ثم بيَّن وجْه فساد السماوات والأرض في الآية بناءً على هذا المعنى، فقال: «ويستقيم -على هذا- فساد السماوات والأرض ومن فيهن لو كان بحكم هوى هؤلاء، وذلك أنهم جعلوا لله شركاء وأولادًا، ولو كان هذا حقًّا لم تكن لله -تبارك وتعالى- الصِّفات العَلِيَّة، ولو لم يَكُن له لم تَكُن له الصنعة ولا القدرة، وكان ذلك فساد السماوات والأرض ومن فيهن»
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد بن بشير- في قوله: ﴿وأنزلنا عليكم المن والسلوى﴾ الآية، قال:... أطعمهم المنَّ والسلوى حين بَرَزُوا إلى البَرِّيَّة، فكان المَنُّ يسقط عليهم في مَحِلَّتهم سقوط الثلج، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإن تعدى فسد وما يبقى عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جُمْعَته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه فيبقي عنده؛ لأنه إذا كان يوم عيدٍ لا يَشْخَصُ فيه لأمر معيشة، ولا لطلب شيء، وهذا كله في البَرِّيَّةِ
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي معشر- قال: أنزل الله: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء﴾ إلى قوله: ﴿وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ [النساء:١٥٣-١٥٦]، فلمّا تلاها عليهم -يعني: على اليهود-، وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة؛ جحدوا كل ما أنزل الله، وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، ولا على موسى، ولا على عيسى، وما أنزل الله على نبي من شيء. قال: فحَلَّ حُبْوَتَه، وقال: «ولا على أحد؟!». فأنزل الله -جل ثناؤه-: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام:٩١]
عن سُويد بن غَفَلة -من طريق خيثمة- قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار؛ جَعَل لكلِّ إنسانٍ منهم تابوتًا من نار على قدره، ثم أُقفِل عليه بأقفال من نار، فلا يُضْرَب منه عِرْقٌ إلا وفيه مسمار من نار، ثم جعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم أُقْفِل عليه بأقفال من نار، ثم يُضرَم بينهما نار، فلا يَرى أحدٌ منهم أنّ في النار أحدًا غيرَه، فذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٦]، وذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والذي تولى كبره منهم﴾ يعني: عظمه منهم، يعني: مِن العُصْبَة، وهو عبد الله بن أُبَيٍّ رأس المنافقين، وهو الذى قال: ما بَرِئَتْ منه، وما بَرِئ منها. ﴿له عذاب عظيم﴾ أي: شديد. ففي هذه الآية عبرة لجميع المسلمين إذا كانت خطيئة، فمن أعلن عليها بفعل، أو كلام، أو عرَّض، أو أعجبه ذلك، أو رضي به؛ فهو شريك في تلك الخطيئة على قدر ما كان بينهم، والذى تولى كبره -يعني: الذى ولِي الخطيئة بنفسه- فهو أعظمُ إثْمًا عند الله، وهو المأخوذ به، قال: فإذا كانت خطيئةٌ بين المسلمين فمن شَهِد وكَرِه فهو مثل الغائب، ومَن غاب ورضي فهو كمن شَهِد
عن شهر بن حوشب -من طريق جعفر بن سليمان، عن شيخ من أهل البصرة- قال: إنّ الرجل مِن أهل الجنة لَيَتَّكِئُ اتِّكاءَةً واحدة قَدْرَ سبعين سنة يُحَدِّث بعض نسائه، ثم يلتفت الالتفاتة فتناديه الأخرى: فِدانا لك، أما لنا فيك نصيب؟! فيقول: مَن أنت؟ فتقول: أنا مِن الذين قال الله: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]. قالوا: فيتحدث معها، ثم يلتفت الالتفاتة فتناديه الأخرى: أما إنا لك، أما لنا فيك نصيب؟! فيقول: من أنتِ؟ فتقول: أنا مِن الذين قال الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾