قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ حين دعا إلى دين آبائه ومِلّتهم، نزلت هذه الآية في بني المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ منهم الوليد بن المُغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المُغيرة، وعبد الله بن أبي أُمَيّة، وعبد الله بن مخزوم، وعثمان ونوفل ابني عبد الله بن المُغيرة، والعاص، وقيس، وعبد شمس، وبني الوليد سبعة؛ الوليد، وخالد، وعمارة، وهشام، والعاص، وقيس، وعبد شمس، بنو الوليد بن المُغيرة
عن رجل من بني تميم -من طريق الأزرق بن قيس- قال: كُنّا عند أبي العوّام، فقرأ هذه الآية: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. فقال: ما تقولون أتسعة عشر مَلكًا، أو تسعة عشر ألفًا؟ قلتُ: لا، بل تسعة عشر مَلكًا. فقال: ومَن أين علمتَ ذلك؟ قلتُ: لأنّ الله يقول: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: صدقتَ، هم تسعة عشر مَلكًا، بيد كلّ مَلكٍ منهم مِرْزَبّة مِن حديد له شُعبتان، فيَضرب بها الضربة يَهوي بها في جهنم سبعين ألفًا، بين مَنكِبي كلّ مَلكٍ منهم مسيرة كذا وكذا
قال عبد الله بن عباس، والضَّحّاك بن مُزاحِم، وقتادة: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثَكِلتْكم أُمّهاتكم، أسمع ابن أبي كَبْشَة يُخبركم أنّ خَزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم! -أي: الشّجعان- أفَيعجز كلّ عشرة منكم أن يَبطشوا برجلٍ من خَزنة جهنم؟! فقال أبو الأَشَدَّين كَلَدَة بن خَلف بن أسد الجُمحيّ: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر؛ عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، واكفوني أنتم اثنين. فأنزل الله؟:﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾
عن عكرمة مولى ابن عباس، في الآية ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾، قال: هو الكافر، يُعطى كتابه يوم القيامة، فينظر فيه، فيرى فيه كلّ حسنة عملها في الدنيا، فتُردّ عليه حسناته، وذلك قول الله: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فأُبلس، واسودّ وجهه، وأمّا المؤمن فإنه يُعطى كتابه بيمنيه يوم القيامة، فيرى فيها كلّ سيئة عملها في دار الدنيا، ثم يُغفَر له، وذلك قول الله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، فابيضّ وجهه، واشتد سروره
رجَّحَ ابنُ جرير (٢/١٠٨-١٠٩) أنّ معنى ﴿مُسلَّمَة﴾: سلامتها من العيوب، مستندًا في ذلك إلى الدلالة العقلية، فقال: «والذي قاله ابن عباس وأبو العالية ومن قال بمثل قولهما في تأويل ذلك أوْلى بتأويل الآية مما قاله مجاهد؛ لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها لكان في قوله: ﴿مسلمة﴾ مُكْتَفًى عن قوله: ﴿لا شية فيها﴾، وفي قوله: ﴿لا شية فيها﴾ ما يوضح عن أن معنى قوله: ﴿مُسَلَّمة﴾ غير معنى قوله: ﴿لا شية فيها﴾. وإذ كان ذلك كذلك فمعنى الكلام: إنه يقول: إنها بقرة لم تُذَلِّلها إثارة الأرض وقلبها للحراثة، ولا السنو عليها للمزارع، وهي مع ذلك صحيحة مسلمة من العيوب»
علَّق ابنُ تيمية (١/٢٤٨-٢٤٩) على قول أبي روق وقول الكلبي بقوله: «ففي هذا القول -قول أبي روق- جعل الأماني التي هي التلاوة: تلاوة الأميين أنفسهم. وفي ذلك -قول الكلبي- جعل الأماني: ما يسمعونه من تلاوة علمائهم. وكلا القولين حق، والآية تعمهما؛ فإنه سبحانه وتعالى قال: ﴿لا يعلمون الكتاب﴾، لم يقل: لا يقرءون ولا يسمعون. ثم قال: ﴿إلا أماني﴾، وهذا استثناء منقطع، لكن يعلمون أماني؛ إما بقراءتهم لها، وإما بسماعهم قراءة غيرهم. وإن جعل الاستثناء متصلًا كان التقدير: لا يعلمون الكتاب إلا علم أماني، لا علم تلاوة فقط بلا فهم»
ذكر ابن عطية (١/٣٠٣) أن المهدوي حكى أن قولهما: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. وعلَّقَ ابن كثير (١/٥٣٦) على الاستدلال بهذه الآية على تكفير مَن تعلَّم السحر بقوله: «ويستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله، قال: «من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». وهذا إسناد جيد، وله شواهد أُخَر»
انتَقَدَ ابنُ جرير (٢/٤١٤) قولَ أبي العالية بظاهر الخطاب، فقال: «لا أعرف الشِّدَّة في معاني الكفر، ولا الرخاء في معنى الإيمان، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويله الكفر بمعنى الشدة في هذا الموضع، وبتأويله الإيمان في معنى الرخاء: ما أعد الله للكفار في الآخرة من الشدائد، وما أعد الله لأهل الإيمان فيها من النعيم، فيكون ذلك وجهًا، وإن كان بعيدًا من المفهوم بظاهر الخطاب». وانتَقَدَه ابن عطية (١/٣١٩) أيضًا بقوله: «وهذا ضعيف، إلا أن يريدهما مستعارتين، أي: الشدة على نفسه والرخاء لها عبارة عن العذاب أو النعيم. وأما المتعارف من شدة أمور الدنيا ورخائها فلا تفسر الآية به»
قال ابن جرير (٢/٤٢٢) في بيان معنى قوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾: «يعني -جل ثناؤه- بقوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾: أي: من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب -الذين يودون أنهم يردونكم كفارًا من بعد إيمانكم- الحق في أمر محمد، وما جاء به من عند ربه، والملة التي دعا إليها فأضاء لهم: أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه». واستشهد بآثار السلف، ثم قال (٢/٤٢٣): «فدل بقوله ذلك: أنّ كفر الذين قص قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله عنادٌ، وعلى علم منهم ومعرفة بأنهم على الله مفترون». واستشهد عليه بأثر ابن عباس، ولم يورد غيره
ذكر ابن عطية (١/٣٣٨) في عود الضمير من قوله: ﴿به﴾ أقوال: الأول: أنه عائد على الكتاب. الثاني: أنه عائد على محمد ﷺ، كما ورد في آثار السلف. الثالث: أن يعود على الهدى في قوله: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى﴾. ووجّهه بقوله: «وذلك أنّه ذكر كفار اليهود والنصارى في أول الآية وحذر رسوله من اتباع أهوائهم، وأعلمه بأن هدى الله هو الهدى الذي أعطاه وبعثه به، ثم ذكر له أن المؤمنين التالين لكتاب الله هم المؤمنون بذاك الهدى المقتدون بأنواره». ثم بيّن ابن عطية أن الضمير في «به» من قوله: ﴿ومن يكفر به﴾ يحتمل أيضًا هذه الأوجه الثلاثة