أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ولا أوْلادُهُمْ﴾ الآية على أقوال: الأول: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. ففي الآية تقديم وتأخير. وهو قول قتادة، وابن عباس، ومجاهد. الثاني: أنها على نظمها، والمعنى: ليعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد. وهو قول ابن زيد. الثالث: أن المعنى: ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل الله. وهو قول الحسن من طريق سليمان البصري. ورجَّح ابنُ جرير (١١‏/‏٥٠١) مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية القولَ الثالثَ، وعلَّل ذلك قائلًا: «لأنّ ذلك هو الظاهر من التنزيل، فَصَرْفُ تأويله إلى ما دلَّ عليه ظاهرُه أوْلى من صَرْفِه إلى باطنٍ لا دلالة على صحته». ووافقه ابنُ كثير (٧‏/‏٢١٦) بقوله: «واختار ابنُ جرير قول الحسن، وهو القول القويُّ الحسن». وانتقد ابنُ القيم (٢‏/‏١٥) القول الثالث لدلالة العقل بقوله: «وهذا أيضًا عدول عن المراد بتعذيبهم في الدنيا بها، وذهاب عن مقصود الآية». وانتقد ابنُ جرير القول الأول لدلالة العقل بقوله: «وإنما وجَّه مَن وجَّهَ ذلك إلى التقديم وهو مؤخَّر؛ لأنّه لم يَعْرِف لتعذيب الله المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا وجْهًا يوجِّهُهُ إليه، وقال: كيف يعذبهم بذلك في الدنيا، وهي لهم فيها سرور؟ وذهب عنه توجيهه إلى أنّه من عظيم العذاب عليه إلزامُه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفرائضه؛ إذ كان يُلْزمه ويُؤخَذ منه، وهو به غير طَيِّب النَّفْس، ولا راجٍ به من الله جزاء، ولا مِن الأخْذِ منه حمدًا ولا شُكْرًا على ضجرٍ منه وكُرْه». وعلَّق ابنُ القيم (٢‏/‏١٥) على القول الأول بقوله: «وكأنّهم لما أشكل عليهم وجْه تعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا، وأنّ سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك؛ فرُّوا إلى التقديم والتأخير». ورجَّح بأنّ «الصواب -والله أعلم- أن يُقال: تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة: بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم في جمعها، ومقاساة أنواع المشاق في ذلك، فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همِّه، وهو حريص بجهده على تحصيلها. والعذاب هنا هو الألم والمشقة والنصب، كقوله ﷺ: «السفر قطعة من العذاب». وقوله: «إنّ الميت لَيُعَذَّب ببكاء أهله عليه». أي: يتألم ويتوجع، لا أنه يعاقَب بأعمالهم، وهكذا من الدنيا كل همِّه أو أكبر همِّه، كما قال ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: «مَن كانت الآخرةُ همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومَن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له»». وذَكَر ابنُ عطية (٤‏/‏٣٣٥) أنّ القول الثاني الذي قاله ابن زيد، وإن كان يستغرق القول الثالث الذي قاله الحسن، فإنّ قول الحسن يتقوّى تخصيصه بأنّ تعذيبهم بإلزام الشريعة أعظم من تعذيبهم بسائر الرزايا، وذلك لاقتران الذِّلَّة والغلبة بأوامر الشريعة لهم

اختُلف في قوله تعالى: ﴿قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ مَن هؤلاء القوم على أقوال: الأول: هَوازن بحنين. الثاني: الروم. الثالث: أهل الرّدة وبنو حنيفة باليمامة. الرابع: فارس والروم. الخامس: هم أهل فارس. السادس: لم تأت هذه الآية بعد. ورجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٦٩) مستندًا إلى دلالة الإطلاق في ظاهر الآية «أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبر عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب أنهم سيُدعَون إلى قتال قومٍ أولي بأسٍ في القتال، ونجدةٍ في الحروب، ولم يوضَع لنا الدليل من خبرٍ ولا عقلٍ على أن المعنيَّ بذلك هوازن، ولا بنو حنيفة، ولا فارس، ولا الروم، ولا أعيانٌ بأعيانهم، وجائزٌ أن يكون عُنِيَ بذلك بعض هذه الأجناس، وجائزٌ أن يكون عُنِيَ بهم غيرهم، ولا قول فيه أصح مِن أن يُقال كما قال الله -جلَّ ثناؤه-: إنهم سيُدعَون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديد». وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٦٧٦) على القول الأول بقوله: «ويندرج في هذا القول عندي مَن حورب وغلب في فتح مكة». ثم رجَّح القول الأول والثاني مستندًا إلى دلالة الواقع، وانتقد باقي الأقوال قائلًا: «والقولان الأوَّلان حسنان؛ لأنهما الذي كشف الغيب، وباقيهما ضعيف». ثم نقل ابنُ عطية تعليق منذر بن سعيد على القول الثالث بقوله: «وقال منذر بن سعيد: يتركَّب على هذا القول أن الآية مُؤذنة بخلافة أبي بكر الصِّديق وعمر بن الخطاب». ووجَّهه بقوله: «يريد: لما كشف الغيب أنهما دَعَوا إلى قتال أهل الردة». ونقل عن منذر بن سعيد أيضًا قوله: «رفع الله في هذه الجزية، وليس إلا القتال أو الإسلام، وهذا لا يوجد إلا في أهل الردة». ثم علَّق عليه بقوله: «وكذا مَن حورب في فتح مكة». ورجَّح ابنُ تيمية (٦‏/‏٢١-٢٢) القول الرابع مستندًا إلى دلالة الواقع، فذكر: أن أظهر الأقوال في الآية هو أن المراد «تُدعون إلى قتال أولي بأس شديد أعظم من العرب، لا بُدَّ فيهم مِن أحد أمرين: إما أن يُسلموا، وإما أن يُقاتَلوا؛ بخلاف مَن دُعوا إليه عام الحُدَيبية، فإنّ بأسهم لم يكن شديدًا مثل هؤلاء ودُعوا إليهم، ففي ذلك لم يُسلموا ولم يقاتلوا. وكذلك عام الفتح في أول الأمر لم يُسلموا ولم يقاتلوا، لكن بعد ذلك أسلموا. وهؤلاء هم الروم والفرس ونحوهم، فإنه لابد من قتالهم إذا لم يُسلموا، وأول الدعوة إلى قتال هؤلاء عام مؤتة وتبوك». وانتقد (٦‏/‏١٩) القول الأول بأنه لا «يجوز أن يكون دعاهم إلى قتال أهل مكة وهَوازن عقيب عام الفتح؛ لأن هؤلاء هم الذين دعوا إليهم عام الحُدَيبية، ومن لم يكن منهم فهو من جنسهم ليس هو أشدَّ بأسًا منهم، كلّهم عرب من أهل الحجاز، وقتالهم من جنس واحد، وأهل مكة ومَن حولها كانوا أشد بأسًا وقتالًا للنبي ﷺ وأصحابه يوم بدر وأحد والخندق مِن أولئك، وكذلك في غير ذلك من السرايا»

سورة يوسف — الآية ٧٦

عن إسماعيل السُّدِّيّ-من طريق أسباط- قال: ﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه﴾، فلمّا بقي رَحْلُ الغلام قال: ما كان هذا الغلام ليأخُذَها. قالوا: واللهِ، لا يُتْرَكُ حتى تنظر في رحله؛ ونذهب وقد طابت نفسُك. فأدخل يدَه في رحله، فاستخرَجها مِن رحل أخيه، ... فلمّا استخرجها مِن رحل الغلامِ انقَطَعَتْ ظهورُهم، وهلكوا، وقالوا: ما يزال لنا منكم بلاءٌ يا بني راحيل، متى أخذتَ هذا الصُّواع؟! قال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البَرِّيَّة، وما وضع هذا الصُّواعَ في رحلي إلا الذي وضع الدراهم في رِحالكم. قالوا: لا تَذْكُرِ الدراهمَ فنُؤْخَذ بها. فوقعوا فيه، وشتموه، فلمّا أدخلوهم على يوسف دعا بالصُّواع، ثُمَّ نَقَر فيه، ثم أدناه مِن أُذُنِه، ثم قال: إنّ صُواعِي هذا لَيُخبِرني أنّكم كنتم اثني عشر أخًا، وأنّكم انطلقتم بأخٍ لكم فبِعْتُمُوه. فلمّا سمعها بنيامين قام فسَجَد ليوسف، وقال: أيُّها المَلِك، سل صُواعَك هذا: أحَيٌّ أخي ذاك أم لا؟ فنقرها يوسف، ثم قال: نعم هو حَيٌّ، وسوف تراه. قال: اصنع بي ما شئت، فإنه إن عَلِم بي اسْتَنقَذَني. فدخل يوسف، فبكى، ثُمَّ تَوَضَّأ، ثم خرج. فقال بنيامين: أيها الملِك، إنِّي أراك تضرب بصواعك فيُخبِرُكَ بالحق، فسَلْه مَن صاحبه؟ فنقر فيه، ثم قال: إن صواعي هذا غضبان، يقول: كيف تسألني مَن صاحبي وقد رأيتَ مَعَ مَن كنتُ؟ وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يُطاقوا، فغَضِب روبيل، فقام، فقال: أيها الملك، واللهِ، لَتَتْرُكَنّا أو لَأَصِيحَنَّ صيحةً لا تبقى امرأةٌ حامِلٌ بمصر إلا طَرَحَتْ ما في بطنها. وقامتْ كلُّ شَعَرة مِن جسد روبيل، فخرجت مِن ثيابه، فقال يوسف لابنه: مُرَّ إلى جنب روبيل، فمُسَّه. وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمَسَّه الآخَرُ ذَهِب غضبُه، فمَرَّ الغلامُ إلى جانبه، فمَسَّه، فذهب غَضَبُه، فقال روبيل: مَن هذا؟! إنّ في هذه البلاد لَبزْرًا من بَزْرِ يعقوب. قال يوسف: ومَن يعقوب؟ فغضِب روبيل، فقال: يأيُّها المَلِك، لا تَذْكُرَنَّ يعقوب؛ فإنّه سَرِيُّ الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله. فقال يوسف: أنت إذن إن كنت صادِقًا

اختُلِف في معنى قوله: ﴿أنى شئتم﴾؛ فقال بعضهم: معنى ﴿أنى﴾: كيف. وقال آخرون: معناها: من حيث شئتم، وأي وجه أحببتم. وذهب قوم إلى أنّ معناها: متى شئتم. وذهب آخرون إلى أنّ معناها: أين وحيث شئتم. وذكر قوم أنّ المعنى: ائتوا حرثكم كيف شئتم، إن شئتم فاعزلوا، وإلا فلا. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٧٥٩-٧٦٠) القولَ الثانيَ الذي قال به ابنُ عباس من طريق عكرمة، وعكرمةُ من طريق العتكي، والربيعُ، ومجاهد من طريق ابن جريج، مستندًا إلى اللغة، والنظائر، فقال: «وذلك أنّ»أنّى«في كلام العرب كلمة تَدُلُّ -إذا ابتُدِئ بها في الكلام- على المسألة عن الوجوه والمذاهب، فكأنّ القائل إذا قال لرجل: أنّى لك هذا المال؟ يريد: مِن أيِّ الوجوه لك. ولذلك يجيب المجيبُ فيه بأن يقول: مِن كذا وكذا. كما قال الله -تعالى ذِكْرُه- مخبرًا عن زكريا في مسألته مريم: ﴿أنى لك هذا قالت هو من عند الله﴾ [آل عمران:٣٧]». ثم انتَقَدَ (٣‏/‏٧٦١) بَقِيَّة الأقوال مُستندًا لمخالفتها اللغة، فقال: «والذي يدُلُّ على فساد قولِ مَن تَأَوَّل قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾: كيف شئتم، أو تأوله بمعنى: حيث شئتم، أو بمعنى: متى شئتم، أو بمعنى: أين شئتم؛ أنّ قائلًا لو قال لآخر: أنّى تأتي أهلك؟ لكان الجواب أن يقول: مِن قُبُلها أو مِن دُبُرها. كما أخبر الله -تعالى ذكره- عن مريم إذ سُئِلَت: ﴿أنى لك هذا﴾؟ أنها قالت: ﴿هو من عند الله﴾ [آل عمران:٣٧]، وإذ كان ذلك هو الجواب؛ فمعلومٌ أنّ معنى قول الله -تعالى ذكره-: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ إنّما هو: فأتوا حرثكم من حيث شئتم من وجوه المَأْتى، وأنّ ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل». ومن ثَمَّ صَحَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٧٦١) ما رُوِي عن جابر وابن عباس من أنّ هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين: إذا أتى الرجل المرأةَ من دُبُرِها في قُبُلِها جاء الولدُ أحولَ، فقال: «وبَيِّنٌ بما بَيَّنا صحة معنى ما رُوِي عن جابر، وابن عباس...». وكذلك قال ابنُ تيمية (١‏/‏٥١٥)

عَلَّق ابنُ جرير (٦‏/‏١١٠) على هذه القراءة، فقال: «وأمّا الذين قرءوا ذلك: ‹قُتِل› فإنهم قالوا: إنّما عنى بالقتل النبي وبعضَ من معه من الربيين دون جميعهم، وإنّما نفى الوهن والضعف عمَّن بقي من الربيين مِمَّن لم يُقْتَل». ورَجَّحها مستندًا إلى السياق، وأقوال أهل التأويل، فقال: «لأنّ الله عز وجل إنّما عاتب بهذه الآية والآيات التي قبلها مِن قوله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ الذين انهزموا يوم أحد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح: إنّ محمدًا قد قتل. فعذَلَهم اللهُ عز وجل على فرارهم وتركهم القتال، فقال: أفإن مات محمدٌ أو قتل -أيها المؤمنون- ارتددتم عن دينكم، وانقلبتم على أعقابكم؟! ثم أخبرهم عما كان مِن فعل كثير مِن أتباع الأنبياء قبلهم، وقال لهم: هلّا فعلتم كما كان أهلُ الفضل والعلم مِن أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قُتِل نبيُّهم؛ مِن المُضِيِّ على منهاج نبيِّهم، والقتال على دينه أعداءَ دين الله على نحو ما كانوا يُقاتِلون مع نبيهم، ولم تهنوا ولم تضعفوا كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قُتِل نبيُّهم، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم. وبذلك من التأويل جاء تأويل المتأول». وعَلَّق ابنُ تيمية (٢‏/‏١٥٠) على قراءة ‹قُتِل›، وقال: «أي: النبي قُتل». ثُمَّ رجَّح (٢‏/‏١٥٠-١٥١ بتصرف) هذا المعنى بقوله: «هذا أصحُّ القَولَيْن، وقوله: ﴿معه ربيون كثير﴾ أي: كم من نبي معه ربيون كثير قُتل ولم يُقتلوا معه. فإنّه كان يكون المعنى: أنّه قتل وهم معه. والمقصود: أنّه كان معه ربيون كثير، وقتل في الجُملة، وأولئك الربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله». ثم ذكر مستنده في ذلك، وهو سبب النزول، والسياق، فقال: «وهذا المعنى هو الذي يناسب سبب النزول؛ وهو ما أصابهم يوم أحد لَمّا قيل: إنّ محمدًا قد قُتِل. وقد قال قبل ذلك: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإيْن كات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾»

أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في تعيين النصيب الذي ذكر لهم في قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ على أقوال: الأول: أنّه عذاب الله لهم. والثاني: أنّه أعمالهم وما سَبَق لهم من الشقاء والسعادة. والثالث: أنّه جزاؤهم على افترائهم على الله؛ وهو اسوداد وجوههم ونحوه. والرابع: أنه ما كُتبَ لهم من الرزق والعمر والعمل. ورَجَّح ابنُ جرير (١٠‏/‏١٧٥) القول الثاني والرابع، وهو قول عبدالله بن عباس من طُرُق، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، ومحمد بن كعب، والربيع، وإسماعيل السدي مستندًا في هذا إلى السياق، والدلالة العقلية، وقال: «وذلك أنّ الله -جلَّ ثناؤُه- أتْبَع ذلك قوله: ﴿حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله﴾، فأبان بإتباعه ذلك قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ أنّ الذي ينالهم من ذلك إنما هو ما كان مقضِيًّا عليهم في الدنيا أن ينالهم، لأنّه قد أخبر أنّ ذلك ينالهم إلى وقت مجيئهم رسله لتقبض أرواحهم، ولو كان ذلك نصيبَهم من الكتاب أو مِمّا قد أُعِدَّ لهم في الآخرة لم يكن محدودًا بأنّه ينالهم إلى مجيء رسل الله لو فاتهم؛ لأنّ رسل الله لا تجيئهم للوفاة في الآخرة، وأنّ عذابهم في الآخرة لا آخر له ولا انقضاء؛ فإنّ الله قد قضى عليهم بالخلود فيه، فبيَّن بذلك أنّ معناه ما اخترنا من القول فيه». وبنحو ذلك قال ابنُ القيم (١‏/‏٣٨٩)، وابنُ كثير (٦‏/‏٤١٠). وذكر ابنُ كثير أن نظير الآية على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون* متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون﴾ [يونس:٦٩-٧٠]، وقوله: ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور * نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾ [لقمان:٢٣-٢٤]. ووجَّه ابنُ عطية (٣‏/‏٥٥٨-٥٥٩) معنى الآية على قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بقوله: «معنى الآية على هذا التأويل: أولئك يتمتعون ويتصرفون من الدنيا بقدر ما كُتِب لهم، حتى إذا جاءتهم رسلنا لموتهم، وهذا تأويل جماعة في مجيء الرسل للتوفي»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ على أقوال: الأول: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه. الثاني: ولذكركم الله أكبر من كل شيء. الثالث: أن الآية تحتمل الوجهين السابقين. الرابع: لذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة. الخامس: وللصلاة التي أتيت أنت بها، وذكرك الله فيها؛ أكبر مما نهتك الصلاة من الفحشاء والمنكر. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٤١٧) مستندًا إلى ظاهر الآية القول الأول، فقال: «وأشبه هذه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل قولُ من قال: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه». ورجّح ابنُ عطية (٦‏/‏٦٥٠) القول الثاني مستندًا إلى دلالة العقل، فقال: «وعندي أن المعنى: ولَذِكْر الله أكبرُ على الإطلاق، أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر. فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة؛ لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكِرٍ مُراقِب، وثواب ذلك الذكر أن يذكره الله تعالى كما في الحديث: «ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه». والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها فينهى، والذكر النافع هو مع العلم، وإقبال القلب، وتفرغه إلا من الله تعالى، وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى». وقد ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٣٢٠ ط: الكتب العلمية) قولًا لم ينسبه إلى أحد من السلف أن المعنى: ولذكر الله كبير. ثم علّق عليه وعلى قول سلمان الفارسي، فقال: «كأنه يحض عليه في هذين التأويلين الأخيرين». وانتقد ابنُ تيمية (٥‏/‏١٠٨) مستندًا إلى النصّ والإجماع والدلالة العقلية بعضَ ما يندرج تحت القول الثاني قائلًا: «ومَن ظن أن المعنى: ولذكر الله أكبر من الصلاة. فقد أخطأ؛ فإن الصلاة أفضل من الذكر المجرد بالنص والإجماع. والصلاة ذكر الله لكنها ذِكْرٌ على أكمل الوجوه، فكيف يفضل ذكر الله المطلق على أفضل أنواعه؟! ومثال ذلك قوله ﷺ: «عليكم بقيام الليل؛ فإنه قربة إلى ربكم، ودأب الصالحين قبلكم، ومنهاة عن الإثم، ومكفرة للسيئات، ومطردة لداعي الحسد». فبين ما فيه من المصلحة بالقرب إلى الله، وموافقة الصالحين، ومن دفع المفسدة بالنهي عن المستقبل من السيئات، والتكفير للماضي منها، وهو نظير الآية»

اختلف في معنى: «الفتح» في هذه الآية على قولين: الأول: الحُكْم. الثاني: عُنِيَ به: فتح مكة. ورجَّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٦٤٤) مستندًا إلى ظاهر الآيات والدلالة العقلية القول الأول، وهو قول قتادة، ومقاتل، ويحيى بن سلام، وعلَّل ابنُ جرير ذلك، فقال: «يدل على أن ذلك معناه قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، ولا شك أن الكفار قد كان جعل الله لهم التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان معنى قوله: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ على ما قاله من قال: يعني به: فتح مكة؛ لكان لا توبة لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، ولا شك أن الله قد تاب على بَشَرٍ كثيرٍ من المشركين بعد فتح مكة، ونفعهم بالإيمان به وبرسوله، فمعلومٌ بذلك صحة ما قلنا من التأويل، وفساد ما خالفه». ورجَّحه ابنُ عطية (٧‏/‏٨٣)، فقال: «وهو أقوى الأقوال». ولم يذكر مستندًا. ورجَّح ابنُ كثير (١١‏/‏١٠٩) القول الأول، وانتقد القول الثاني مستندًا إلى دلالة التاريخ والنظائر، فقال: «ومَن زعم أنّ المراد من هذا الفتح: فتح مكة؛ فقد أبعد النّجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قَبِل رسول الله ﷺ إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريبًا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قَبِلَ إسلامهم؛ لقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، وإنما المراد: الفتح الذي هو القضاء والفصل، كقوله تعالى: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهُمْ فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١١٨]، وكقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦]، وقال تعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥]، وقال: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩]، وقال: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال:١٩]». وانتقد ابنُ عطية القول الثاني مستندًا إلى ظاهر الآيات والدلالة العقلية قائلًا: «وهذا ضعيف، يردُّه الإخبار بأن الكفرة لا ينفعهم الإيمان، فلم يَبْقَ أن يكون الفتح إما حُكْمُ الآخرة، وهو قول مجاهد، وإما فَصْل الدنيا كبدر ونحوه»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ على أربعة أقوال: أولها: أن المعنى: تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتيها، وتأتي من شئت من أزواجك فلا تعزلها، والقَسْم على هذا التأويل كان ساقطًا عنه ﷺ. والثاني: أن المعنى: تترك نكاح مَن تشاء، وتنكح من تشاء مِن نساء أُمّتك. والثالث: أن المعنى: تطلق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء منهن. والرابع: أن المعنى: تؤخر من تشاء من الواهبات، وتضم إليك من تشاء منهن. واختار ابنُ جرير (١٩‏/‏١٤٣) أنّ الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده أنه مخير فيهن، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم؛ لعدم الحصر، فقال: «أولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله -تعالى ذِكْرُه- جعل لنبيه أن يرجي من النساء اللواتي أحلهن له من يشاء، ويؤوي إليه منهن من يشاء، وذلك أنه لم يحصر معنى الإرجاء والإيواء على المنكوحات اللواتي كُنَّ في حباله -ثَمَّ نزلت هذه الآية- دون غيرهن مِمَّن يستحدث إيواءها أو إرجاءها منهن. وإذ كان ذلك كذلك فمعنى الكلام: تؤخر من تشاء مِمَّن وهبت نفسها لك، وأحللت لك نكاحها، فلا تقبلها ولا تنكحها، أو ممن هن في حبالك؛ فلا تقربها، وتضم إليك من تشاء ممن وهبت نفسها لك أو أردت من النساء اللاتي أحللت لك نكاحهن؛ فتقبلها أو تنكحها، ومِمَّن هي في حبالك؛ فتجامعها إذا شئت وتتركها إذا شئت بغير قسم». ومالَ ابنُ كثير (١١‏/‏١٩٦) إلى اختيار ابن جرير، مستندًا إلى السياق، فقال: «هذا الذي اختاره حسن جيّد قويّ، وفيه جمع بين الأحاديث، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: إذا عَلِمْنَ أنّ الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أن تقسم لهنَّ اختيارًا منك، لا أنه على سبيل الوجوب، فَرِحْن بذلك واستبشرن به، وحملن جميلك في ذلك، واعْتَرَفْن بمِنَّتك عليهن في قسمتك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن». وعلَّقَ ابنُ عطية (٧‏/‏١٣٤) على كلّ تلك الأقوال بقوله: «وعلى كل معنى فالآية معناها التوسعة على رسول الله ﷺ، والإباحة له»

سورة النساء — الآية ٩٤

عن الحسن البصري: أنّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ذهبوا يَتَطَرَّقُون، فلقوا أناسًا من العدو، فحملوا عليهم، فهزموهم، فشدَّ رجل منهم، فتبعه رجلٌ يريد متاعه، فلما غَشِيه بالسنان قال: إني مسلم، إني مسلم. فأَوْجَرَه السِّنان، فقتله، وأخذ مُتَيِّعه، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ للقاتل: «أقتلته بعد ما قال: إني مسلم؟!». قال: يا رسول الله، إنما قالها مُتَعَوِّذًا. قال: «أفلا شققت عن قلبه». قال: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «لتعلم أصادق هو أو كاذب». قال: وكنتُ عالِمَ ذلك، يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: «إنما كان يُعَبِّر عنه لسانُه، إنما كان يعبر عنه لسانه». قال: فما لبث القاتل أن مات، فحفر له أصحابه، فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره. قال الحسن: فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله ﷺ، كم دفناه، مرتين أو ثلاثة؟ كل ذلك لا تقبله الأرض، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه، فألقيناه في بعض تلك الشِّعاب؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ أهل الإسلام. إلى آخر الآية. قال الحسن: أما واللهِ، ما ذاك ألّا تكون الأرض تُجِنُّ من هو شر منه، ولكن وعظ الله القوم ألّا يعودوا