محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٩٤ من سورة النساء في ١٢٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٥٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٩٤ من سورة النساء

١٢٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيّنُواْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا﴾ : يا أيها الذين صدّقوا الله صدّقوا رسوله، فيما جاءهم به من عند ربهم¹ ﴿إذا ضَرَبْتُمْ فِي سبِيل اللّهِ﴾ يقول : إذا سرتم مسيرا لله في جهاد أعدائكم ﴿فَتَبَيّنُوا﴾ يقول : فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينا حربا لكم ولله ولرسوله. ﴿وَتَقُولُوا لَمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ﴾ يقول : ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم، ﴿لَسْتَ مُؤْمِنا﴾ فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا، يقول : طلب متاع الحياة الدنيا، فإن عند الله مغانم كثيرة من رزقه وفواضل نعمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول : كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلام فقلت له لست مؤمنا فقتلتموه، كذلك أنتم من قبل، يعني : من قبل إعزاز الله دينه بأتباعه وأنصاره، تستخفون بدينكم كما استخفى هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله بدينه من قومه أن يظهره لهم حذرا على نفسه منهم.
وقد قيل : إن معنى قوله :﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ كنتم كفارا مثلهم. ﴿فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يقول : فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تباعه. وقد قيل : فمنّ الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلام. ﴿فَتَبَيّنُوا﴾ يقول : فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتله ممن التبس عليكم أمر إسلامه، فلعلّ ألله أن يكون قد منّ عليه من الإسلام بمثل الذي منّ به عليكم، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان. ﴿إنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ يقول : إن الله كان بقتلكم من تقتلون وكفكم عمن تكفون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم ﴿خَبِيرا﴾ يعني : ذا خبرة وعلم به، يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازي جميعكم به يوم القيامة جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في سبيل قتيل قتلته سرية لرسول الله ﷺ بعد ما قال : إني مسلم، أو بعد ما شهد شهادة الحقّ، أو بعد ما سلم عليهم، لغنيمة كانت معه أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه. ذكر الرواية والآثار بذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، أن ابن عمر، قال : بعث النبيّ ﷺ محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله. فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع : يا رسول الله سُنّ اليوم وغيّر غدا ! فقال عيينة : لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي ! فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ليستغفر له، فقال له النبيّ ﷺ :«لا غَفَرَ اللّهُ لَكَ »فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت به سابعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض. فجاءوا إلى النبيّ ﷺ، فذكروا ذلك له، فقال :«إنّ الأرْضَ تَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌ مِنْ صَاحِبِكُمْ، وَلَكِنّ اللّهَ جَلّ وَعَزّ أرَادَ أنْ يَعِظَكُمْ ». ثم طرحوه بين صَدَفَيْ جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللّهِ فَتَبَيّنُوا﴾. . . الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد، قال : بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعُود له معه مُتَيّع له ووَطْب من لبن. فلما مرّ بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيء كان وبينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتيّعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولُوا لَمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا﴾. . . الاَية.
حدثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال : حدثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه بنحوه.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : لحق ناس من المسلمين رجلاً في غُنَيْمة له، فقال : السلام عليكم ! فقتلوه وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت هذه الاَية :﴿وَلا تَقولُوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا تَبْتَغُونَ عَرَض الحَياةِ الدّنْيا﴾ تلك الغُنيْمة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، بنحوه.
حدثني سعيد بن الربيع، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو سمع عطاء، عن ابن عباس، قال : لحق المسلمون رجلاً، ثم ذكر مثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : مرّ رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ وهو في غنم له، فسلم عليهم، فقالوا : ما سلم عليكم إلا ليتعوّذ منكم ! فعمدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيّنُوا﴾. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال : كان الرجل يتكلم بالإسلام ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سرّية محمد ﷺ أخبر بها حيه يعني قومه ففرّوا، وأقام الرجل لا يخاف المؤمنين من أجل أنه على دينهم حتى يلقاهم، فيلقى إليهم السلام، فيقول المؤمنون : لست مؤمنا ! وقد ألقى السلام، فيقتلونه، فقال الله جلّ وعزّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللّهِ فَتَبَيّنُوا﴾. . . . إلى :﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدّنْيا﴾ يعني : تقتلونه إرادة أن يحلّ لكم ماله الذي وجدتم معه، وذلك عرض الحياة الدنيا، فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله. وهو رجل اسمه مرداس جلا قومه هاربين من خيل بعثها رسول الله ﷺ عليها رجل من بني ليث اسمه قليب، ولم يجامعهم إذا لقيهم مرداس، فسلم عليهم فقتلوه، فأمر رسول الله ﷺ لأهله بديته وردّ إليهم ماله ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا﴾. . . الاَية، قال : هذا الحديث في شأن مرداس رجل من غطفان¹ ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ بعث جيشا عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك، وبه ناس من غطفان وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس : إني مؤمن وإني غير متبعكم ! فصّبحته الخيل غدوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فتلقوه أصحاب رسول الله ﷺ فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جلّ وعزّ في شأنه :﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا﴾ لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يحيى بعضهم بعضا.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياةِ الدّنْيا﴾. . . الاَية. قال : بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أسامة ابن زيد إلى بني ضمرة، فلقوا رجلاً منهم يُدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتبعه أسامة، فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال : السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ! فشدّ عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته. وكان النبيّ ﷺ إذا بعث أسامة أحبّ أن يثني عليه خيرا، ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدّثون النبيّ ﷺ ويقولون : يا رسول الله لو رأيت أسامة ولقيه رجل فقال الرجل : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فشدّ عليه فقتله ! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال :«كَيْفَ أنْتَ وَلا إلَهَ إلاّ اللّهُ » ؟ قال : يا رسول الله إنما قالها متعوّذا، تعوّذ بها. فقال له رسول الله ﷺ :«هَلا شقَقَتْ عَنْ قَلْبِهِ فَنَظَرْتَ إلَيْهِ ؟ » قال : يا رسول الله إنما قلبه بَضْعَة من جسده. فأنزل الله عزّ وجلّ خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول :﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدّنيْا﴾ فلما بلغ :﴿فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يقول : فتاب الله عليكم، فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل وما لقي من رسول الله ﷺ فيه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ إلَيْكُمُ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا﴾ قال : بلغني أن رجلاً من المسلمين أغار على رجل من المشركين، فحمل عليه، فقال له المشرك : إني مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله ! فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فقال للذي قتله :«أَقَتَلْتَهُ وَقَدْ قَالَ لا إله إلا الله ؟ » فقال وهو يعتذر : يا نبيّ الله إنما قالها متعوّذا وليس كذلك. فقال النبيّ صلى الله عل
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
أنه غير غافرٍ الشركَ لأحدٍ بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [سورة النساء: ٤٨، ١١٦]، والقتل دون الشرك. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"، يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم="إذا ضربتم في سبيل الله"، يقول: إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم (٢) ="فتبينوا"، يقول: فتأنَّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، (٣) ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حرْبًا لكم ولله ولرسوله="ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلَم"، (٤) يقول: ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودَعوتكم (٥) ="لست
(١) في المخطوطة: "ولا نقبل دون الشرك"، وهو خطأ محض، والصواب ما في المطبوعة.
(٢) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف ص: ١٧، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٣) في المخطوطة: "فلما تعلموا"، وهو خطأ.
(٤) كان في المطبوعة هنا، "السلام"، كقراءتنا اليوم في مصحفنا، والسلام التحية، وهي إحدى القراءتين، ولكن تفسير أبي جعفر بعد، هو تفسير"السلم"، وهو الاستسلام والانقياد، وهي القراءة الأخرى التي اختارها. فكتابتها هنا"السلام" خطأ. لا يصح به المعنى من تفسيره.
(٥) انظر تفسير"السلم" فيما سلف ص: ٢٣، ٢٤، ٢٩ ومادة"سلم" من فهارس اللغة في الأجزاء السالفة.
مؤمنًا"، فتقتلوه ابتغاء="عرض الحياة الدنيا"، يقول: طلبَ متاعِ الحياة الدنيا، (١) فإن="عند الله مغانم كثيرة"، من رزقه وفواضل نِعَمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده="كذلك كنتم من قبل"، يقول، كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلم فقلتم له (٢) "لست مؤمنًا" فقتلتموه، كذلك كنتم أنتم من قبل، يعني: من قبل إعزاز الله دينه بتُبَّاعه وأنصاره، تستخفُون بدينكم، كما استخفى هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله، بدينه من قومه أن يُظهره لهم، حذرًا على نفسه منهم. وقد قيل إن معنى قوله:"كذلك كنتم من قبل" كنتم كفارًا مثلهم="فمنَّ الله عليكم"، يقول: فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تُبَّاعه. وقد قيل، فمنَّ الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلم (٣) ="فتبينوا"، يقول: فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتلَه ممن التبس عليكم أمرُ إسلامه، فلعلَّ الله أن يكون قد مَنَّ عليه من الإسلام بمثل الذي منَّ به عليكم، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان. (٤) ="إن الله كان بما تعملون خبيرًا"، يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم="خبيرًا"، يعني: ذا خبرة وعلم به، (٥) يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته. (٦)
* * *
(١) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف ٨: ٣١٦ تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام"، وانظر التعليق السالف ص: ٧٠، رقم: ٤.
(٣) في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام"، وانظر التعليق السالف ص: ٧٠، رقم: ٤.
(٤) انظر تفسير"من" فيما سلف ٧: ٣٦٩.
(٥) انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٦) في المطبوعة: "جزاء المحسن بإحسانه.."، وهو غير مستقيم، والصواب من المخطوطة.
وذكر أن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سريّة لرسول الله ﷺ بعد ما قال:"إنيّ مسلم" = أو بعد ما شهد شهادة الحق= أو بعد ما سلَّم عليهم= لغنيمة كانت معه، أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه.
ذكر الرواية والآثار في ذلك: (١)
١٠٢١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال (٢) بعث النبي ﷺ محلِّم بن جثَّامة مَبْعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم حِنَةٌ في الجاهلية، (٣) فرماه محلم بسهم، فقتله. فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سُنَّ اليوم وغيِّر غدًا! (٤) فقال عيينة: لا والله، حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي (٥) فجاء محلِّم في بُرْدين، (٦) فجلس بين يديْ رسول الله ليستغفر له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا غفر الله لك! فقام وهو يتلقى دموعه ببُرْديه، فما مضت به سابعة حتى مات، ودفنوه فلفظته الأرض. فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
(١) في المطبوعة: "والآثار بذلك"، والصواب من المخطوطة.
(٢) في المطبوعة: "عن نافع أن ابن عمر"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "إحنة في الجاهلية"، وهو صواب، و"الإحنة": الحقد في الصدر. من"أحن" وأما "حنة" كما أثبتها من المخطوطة، فهي من"وحن"، وهي أيضًا الحقد. وقد سلف التعليق على هذه اللفظة، حيث وردت في الأثر رقم ٢١٩٥، في الجزء الثالث: ١٥٢، ١٥٣، تعليق: ٢. وقد ذكرت هناك إنكار الأصمعي"حنة"، وزعم الأزهري أنها ليست من كلام العرب. وهذا دليل آخر على صواب هذه الكلمة، وأن الذي قاله الأزهري ليس بشيء.
(٤) في ابن كثير ٢: ٥٤٦: "سر اليوم وغر غدا" وهو خطأ محض.
(٥) في المخطوطة: "حتى تذوق بكاؤه" وهو تحريف من الناسخ، والصواب من السياق ومن تفسير ابن كثير.
(٦) في المخطوطة: "في برد"، والصواب من ابن كثير، وكما صححه في المطبوعة من سياق الخبر.
فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو شرٌّ من صاحبكم! ولكن الله جل وعز أراد أن يَعِظكم. ثم طرحوه بين صَدفَيْ جبل، (١) وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا"، الآية (٢)
١٠٢١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد ابن عبد الله بن قسيط، (٣) عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضَمٍ، (٤) فخرجت في نَفَرٍ من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن رِبْعيّ، ومحلِّم بن جَثَّامة بن قيس الليثي. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعود له، معه مُتَيِّعٌ له، ووَطْبٌ من لبن. (٥) فلما مر بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلِّم بن جثَّامة الليثي لشيء كان بينه وبينه فقتله، وأخذ بعيره ومتَيِّعَه. فلما قدِمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه الخبر، (٦) نزل فينا القرآن:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضَرِبتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمنًا"، الآية (٧)
(١) "الصدف" (بفتحتين) : جانب الجبل الذي يقابلك منه. والصدف: كل شيء مرتفع عظيم كالحائط والجبل.
(٢) الأثر: ١٠٢١١ - في تفسير ابن كثير ٢: ٥٤٦، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٠٠ مختصرًا.
(٣) في المطبوعة: "عن يزيد عن عبد الله بن قسيط"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة وسائر المراجع.
(٤) "إضم": واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر، من عند المدينة، وهو واد لأشجع وجهينة.
(٥) "القعود": هو البكر من الإبل، حين يمكن ظهره من الركوب، وذلك منذ تكون له سنتان حتى يدخل في السادسة. و"متيع" تصغير"متاع": وهو السلعة، وأثاث البيت، وما يستمتع به الإنسان من حوائجه أو ماله. و"الوطب": سقاء اللبن.
(٦) في المطبوعة: "وأخبرناه" بالواو، وأثبت ما في المخطوطة.
(٧) الأثر: ١٠٢١٢ - هذا الأثر رواه ابن إسحاق في سيرته، سيرة ابن هشام ٤: ٢٧٥، ورواه أحمد في مسنده ٦: ١١، وابن سعد في الطبقات ٤ / ٢ / ٢٢ و٢ / ١ / ٩٦ (بغير إسناد)، والطبري في تاريخه ٣: ١٠٦، وابن عبد البر في الاستيعاب: ٢٨٥، وابن الأثير في أسد الغابة ٣: ٧٧، وابن كثير في تفسيره ٢: ٥٤٥، والحافظ ابن حجر في ترجمة"عبد الله بن أبي حدرد"، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ١٩٩، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم والبيهقي، وكلاهما في الدلائل.
وفي إسناد هذا الأثر اضطراب شديد أرجو أن أبلغ في بيانه بعض ما أريد في هذا المكان.
١- وإسناد محمد بن إسحاق في سيرة ابن هشام: "حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".
٢- وإسناد أحمد في مسنده: "حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق (وفي المطبوعة: عن إسحاق، خطأ صوابه من تفسير ابن كثير)، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".
٣- وإسناد الطبري في تاريخه: "حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد= وقال بعضهم: عن ابن القعقاع= عن أبيه، عن عبد الله بن أبي حدرد".
٤- وإسناد ابن سعد في الطبقات: "أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه".
والأسانيد الثلاثة الأولى، وإسناد الطبري في التفسير، جميعها من طريق محمد بن إسحاق، وقد اتفق إسناد أحمد وإسناد ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.
وأما إسنادا الطبري فقد خالف ما اتفق عليه أحمد وابن هشام في السيرة، فجاء في التفسير هنا"عن أبي القعقاع" لا"عن القعقاع"، ثم زاد الطبري الأمر إشكالا في التاريخ فقال"عن أبي القعقاع.. عن أبيه، عن عبد الله بن أبي حدرد"، فزاد"عن أبيه"، ولا ذكر لها في تفسيره، ولا في سائر الأسانيد، والظاهر أنه خطأ، وأن صوابه كما في التفسير"عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".
وأما إسناد ابن سعد، فقد خالف هذا كله فجعل مكان"القعقاع"، أو "أبي القعقاع"، "عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد"، ولم أجد لعبد الرحمن هذا ذكرًا في كتب تراجم الرجال. وجاء ابن عبد البر في الاستيعاب ٢: ٤٥٢، بما هو أغرب من هذا، فسماه"عبد ربه بن أبي حدرد الأسلمي"، وليس له ذكر في كتاب. ولكني وجدت في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٢٨"عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي"، سمع أبا هريرة. روى عنه أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المديني. ولا أظنه هذا الذي في إسناد ابن سعد. (انظر أيضًا تهذيب التهذيب ٦: ١٦٠).
وأما "القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" فقد ترجم البخاري في الكبير ٤ / ١ / ١٨٧، لصحابي هو"القعقاع بن أبي حدرد الأسلمي" وامرأته"بقيرة"، وهو كما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة، أخو"عبد الله بن أبي حدرد" ثم عقب البخاري على هذه الترجمة بقوله: "ويقال: القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، ولا يصح"، يعني أنه هذا الأخير لا تصح له صحبة، وأنه غير الأول. وكذلك فعل ابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٣٦، كمثل ما في التاريخ الكبير.
أما الحافظ في تعجيل المنفعة: ٣٤٤، فقد ترجم للقعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ووهم في نقله عن البخاري، فظن البخاري قد ترجم له، فذكر في ترجمته ما قال البخاري في ترجمة"القعقاع بن أبي حدرد"، مع أنه صحح ذلك في ترجمة"القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" في القسم الثالث من الإصابة.
أما ما ذكره الطبري من أنه"أبو القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" أو "ابن القعقاع"، فلم أجده في مكان آخر، ولكني تركت ما كان في نص إسناده في التفسير"أبو القعقاع"، مع أنه لا ذكر له في الكتب ولا ترجمة، لأنه وافق ما في التاريخ، ولأن ما رواه من قوله: "ويقال: ابن القعقاع"، يستبعد معه كل تحريف أو زيادة من ناسخ أو غيره.
هذا، وقد جاء في إسناد آخر في التاريخ ٣: ١٢٥ عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق، عن ابن شهاب الزهري، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، "عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد". فلم يذكر اسمه، كما ذكر في الإسناد السالف، كما سيأتي في الإسناد التالي أيضًا: "عن ابن أبي حدرد، عن أبيه".
وهذا اضطراب غريب في إسناده، أردت أن أجمعه في هذا المكان، لأني لم أجد أحدًا استوفى ما فيه، وعسى أن يتوجه لباحث فيه رأي، وكتبه محمود محمد شاكر.
١٠٢١٣- حدثني هارون بن إدريس الأصم قال، حدثنا المحاربي عبد الرحمن
بن محمد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه بنحوه. (١)
١٠٢١٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق ناسٌ من المسلمين رجلا في غُنَيْمة له، فقال: السلام عليكم! فقتلوه وأخذوا تلك الغُنَيْمة، فنزلت هذه الآية:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا"، تلك الغُنَيْمة. (٢)
١٠٢١٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس بنحوه.
١٠٢١٦- حدثني سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن
(١) الأثر: ١٠٢١٣ - انظر التعليق على الأثر السالف."هارون بن إدريس الأصم" شيخ الطبري، مضى برقم: ١٤٥٥.
و"المحاربي""عبد الرحمن بن محمد بن زياد" مضى برقم: ٢٢١، ٨٧٥، ١٤٥٥.
(٢) "الغنيمة" تصغير"غنم"، وهو قطيع من الغنم. وإنما أدخلت التاء في"غنيمة"، لأنه أريد بها القطعة من الغنم. وانظر ما قاله أبو جعفر في دخول هذه التاء فيما سلف ٦: ٤١٢، ٤١٣.
عطاء، عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا ثم ذكر مثله. (١)
١٠٢١٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سُلَيم على نفرٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو في غنم له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلّم عليكم إلا ليتعوذَ منكم! فَعَمَدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا" إلى آخر الآية.
١٠٢١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ مثله. (٢)
١٠٢١٩- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الرجل يتكلم بالإسلام، ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سريَّة محمدٍ صلى الله عليه
(١) الأثر: ١٠٢١٦ - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.
و"سعيد بن الربيع الرازي" مضى برقم: ٣٧٩١، ٥٣١٢.
(٢) الأثران: ١٠٢١٧، ١٠٢١٨ - رواه أحمد في مسنده من طريق يحيى بن أبي بكير، وحسين بن محمد، وخلف بن الوليد، ويحيى بن آدم، جميعًا عن إسرائيل. وأرقامه في المسند: ٢٠٢٣، ٢٤٦٢، ٢٩٨٨، وإسناده صحيح. وقال ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٤٤: "ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى، وعبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن إسرائيل به. وقال في بعض كتبه غير التفسير: وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط (هكذا في الأصل). وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما، لعلل، منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا عن هذا الوجه= ومنها: أن عكرمة في روايته عندهم نظر= ومنها: أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم مختلف فيه، فقال بعضهم: نزلت في محلم بن جثامة. وقال بعضهم: أسامة بن زيد. وقيل غير ذلك. قلت [القائل ابن كثير] : وهذا كلام غريب، وهو مردود من وجوه، أحدها: أنه ثابت عن سماك، حدث به غير واحد من الأئمة الكبار. الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح. الثالث: أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس.."
وهذا الذي نقله ابن كثير من بعض كتب أبي جعفر، أرجح، بل أقطع، أنه في كتابه تهذيب الآثار، وبيانه هذا الذي نقله ابن كثير، مطابق لنهجه في تهذيب الآثار، ونقلت هذا هنا للفائدة، ولأنه أول نقل رأيته في تفسير ابن كثير عن تهذيب الآثار فيما أرجح.
وسلم أخبر بها حيّه= يعني قومه= ففرّوا، وأقام الرجل لا يخافُ المؤمنين من أجل أنه على دينهم، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام، فيقولُ المؤمنون:"لست مؤمنًا"، وقد ألقى السلام فيقتلونه، فقال الله تبارك وتعالى:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا"، إلى"تبتغون عرض الحياة الدنيا"، يعني: تقتلونه إرادةَ أن يحلَّ لكم ماله الذي وجدتم معه -وذلك عرضُ الحياة الدنيا- فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله. وهو رجل اسمه"مِرْداس"، جَلا قومه هاربين من خيلٍ بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليها رجل من بني لَيْث اسمه"قُليب"، (١) ولم يجلُ معهم، (٢) وإذْ لقيهم مرداس فسلم عليهم قتلوه، (٣) فأمر رسول الله ﷺ لأهله بديته، ورد إليهم ماله، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.
١٠٢٢٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا"، الآية، قال: وهذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ بعث جيشًا عليهم غالب اللَّيثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس:"إني مؤمن وإنيّ غيرُ مُتّبعكم، فصبَّحته الخيلُ غُدْوة، (٤) فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فرماه
(١) انظر الاختلاف في اسمه"قليب" بالقاف والباء، أو فليت" بالفاء والتاء، في الإصابة في موضعه.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "ولم يجامعهم" وظاهر أنه تحريف من الناسخ، صوابه ما أثبت.
(٣) في المطبوعة: "إذا لقيهم مرداس فسلم عليهم فقتلوه" وأثبت ما في المخطوطة إلا أني جعلت"وإذا""وإذ"، لأن السياق يقتضيها.
(٤) "صبحتهم الخيل (بفتحتين) وصبحتهم (بتشديد الباء) ": أتتهم صباحًا، وكانت أكثر غاراتهم في الصباح. و"الغدوة" (بضم فسكون) : البكرة، ما بين صلاة الغداة (الفجر) وطلوع الشمس.
أصحاب رسول الله ﷺ فقتلوه، (١) وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جل وعز في شأنه:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا"، لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا. (٢)
١٠٢٢١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا"، (٣) بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مِرداس بن نهيك، معه غُنَيْمة له وجمل أحمر. فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتّبعه أسامة. فلما بلغ مرداسٌ الكهفَ، وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال:"السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله". فشدّ عليه أسامة فقتله، من أجل جمله وغُنَيْمته. وكان النبي ﷺ إذا بعث أسامة أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرٌ، ويسأل عنه أصحابَه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدِّثون النبي ﷺ ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل:"لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، فشد عليه فقتله! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، تعوَّذ بها!. فقال
(١) في المخطوطة: "فدعاه" وهو تحريف، صواب ما أثبت. وفي المطبوعة: "فتلقوه"، وهو رديء، خير منه ما في الدر المنثور: "فتلقاه".
(٢) الأثر: ١٠٢٢٠ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٢٠٠، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.
(٣) كان في المطبوعة: "... عرض الحياة الدنيا، الآية، قال: بعث... "، وأثبت ما في المخطوطة، وإن كان الناسخ قد غفل فأسقط من الآية في كتابته: "كذلك كنتم من قبل".
له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده! (١) فأنزل الله عز وجل خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول:"تبتغون عرض الحياة الدنيا"، فلما بلغ:"فمنَّ الله عليكم"، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلا يقول:"لا إله إلا الله"، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه.
١٠٢٢٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا"، قال: بلغني أن رجلا من المسلمين أغار على رجل من المشركين فَحَمَل عليه، فقال له المشرك:"إنّي مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله"، فقتله المسلم بعد أن قالها. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للذي قتله: أقتلته، وقد قال لا إله إلا الله؟ فقال، وهو يعتذر: يا نبي الله، إنما قالها متعوذًا، وليس كذلك! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا شققت عن قلبه؟ ثم ماتَ قاتلُ الرجل فقُبر، فلفظته الأرض. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته الأرض، حتى فُعل به ذلك ثلاث مرات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الأرض أبتْ أن تقبَله، فألقوه في غارٍ من الغيران= قال معمر: وقال بعضهم: إن الأرض تَقْبَل من هو شرٌّ منه، ولكن الله جعله لكم عِبْرَة.
١٠٢٢٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: أن قومًا من المسلمين لقوا رجلا من المشركين في غُنَيْمة له، فقال:"السلام عليكم، إنِّي مؤمن"، فظنوا أنه يتعوّذ بذلك، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمته. قال: فأنزل الله جل وعز:"ولا تقولوا لمن
(١) "البضعة" (بفتح فسكون) : القطعة من اللحم.
ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا"، تلك الغُنَيْمة="كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا".
١٠٢٢٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قوله:"يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا"، قال: خرج المقداد بن الأسود في سريّة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فمُّروا برجل في غُنَيْمة له، فقال:"إنّي مسلم"، فقتله المقداد. (١) فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا"، قال: الغنيمة. (٢)
١٠٢٢٥- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء=
= فذكر من قصة أبي الدرداء، نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله:"وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ"، (٣) ثم قال في الخبر:
= ونزل الفرقان:"وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ"، فقرأ حتى بلغ:"لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا"، غنمه التي كانت، عرض الحياة الدنيا ="فعند الله مغانم كثيرة"، خير من تلك الغنم، إلى قوله:"إن الله كان بما تعملون خبيرًا".
(١) في المخطوطة: "فقتله الأسود"، والصواب ما في المطبوعة، أو أن تكون: "فقتله ابن الأسود".
(٢) الأثر: ١٠٢٢٤-"حبيب بن أبي عمرة" القصاب، بياع القصب، ويقال"اللحام"، أبو عبد الله الحماني. روى عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأم الدرداء. روى عنه الثوري وجماعة. قال ابن سعد: "ثقة قليل الحديث". مترجم في التهذيب.
(٣) انظر ما سلف رقم: ١٠٢٢١.
١٠٢٢٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا"، قال: راعي غنم، لقيه نفر من المؤمنين فقتلوه، (١) وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه:"السلام عليكم، فإني مؤمن".
١٠٢٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا"، قال: حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله:"لست مؤمنًا"، كما حرم عليهم الميْتَة، فهو آمن على ماله ودمه، لا تردّوا عليه قوله.
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله:"فَتَبَيَّنُوا".
فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين وبعضُ الكوفيين والبصريين: (فَتَبَيَّنُوا) بالياء والنون، من"التبين" بمعنى، التأني والنظر والكشف عنه حتى يتَّضح. (٢)
وقرأ ذلك عُظْم قرأة الكوفيين: (فَتَثَبَّتُوا)، بمعنى التثبُّت، الذي هو خلاف العَجَلة.
قال أبو جعفر: والقولُ عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة المسلمين بمعنى واحد، وإن اختلفت بهما الألفاظ. لأن"المتثبت" متبيّن، و"المتبيِّن" متثبِّت، فبأي القراءتين قرأ القارئ، فمصيبٌ صوابَ القراءة في ذلك.
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم". (٣)
(١) في المخطوطة: "بعثه نفر من المؤمنين"، وهو خطأ، صوابه ما في المطبوعة.
(٢) انظر تفسير"التبين" فيما سلف ص: ٧٠.
(٣) في المطبوعة: "... السلام" بالألف، والصواب إثباتها كرسم المصحف هنا، حتى يظهر سياق اختلاف القراءة.
فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين والكوفيين: (السَّلَمَ) بغير ألف، بمعنى الاستسلام.
* * *
وقرأ بعض الكوفيين والبصريين: (السَّلامَ) بألف، بمعنى التحية.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: (لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ)، بمعنى: من استسلم لكم، مذعنًا لله بالتوحيد، مقرًّا لكم بملَّتكم.
وإنما اخترنا ذلك، لاختلاف الرواية في ذلك: فمن راوٍ رَوى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحق وقال:"إنّي مسلم" = ومن راوٍ رَوى أنه قال:"السلام عليكم"، فحياهم تحية الإسلام= ومن راوٍ رَوى أنه كان مسلمًا بإسلامٍ قد تقدم منه قبل قتلهم إياه= وكل هذه المعاني يجمعه"السَّلَم"، لأن المسلم مستسلم، والمحيي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحق مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى"السَّلم" جامع جميع المعاني التي رُويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية وليس ذلك في"السلام"، (١) لأن"السلام" لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية. فلذلك وصفنا"السلم"، بالصواب.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"كذلك كنتم من قبل".
فقال بعضهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السَّلَم، مستخفيًا في قومه بدينه خوفًا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرًا على أنفسكم منهم، فمنَّ الله عليكم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٢٢٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن
(١) في المطبوعة: "وليس كذلك في الإسلام"، والصواب الجيد من المخطوطة.
جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله:"كذلك كنتم من قبل"، تستخفون بإيمانكم، (١) كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.
١٠٢٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير:"كذلك كنتم من قبل"، تكتمون إيمانكم في المشركين.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه، بعد ما ألقى إليكم السلم، (٢) كافرًا، كنتم كفارًا، فهداه كما هداكم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٢٣٠- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم"، كفارًا مثله="فتبينوا".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الأول، وهو قول من قال: كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمون بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيمًا بين أظهر قومه من المشركين مستخفيًا بدينه منهم.
وإنما قلنا:"هذا التأويل أولى بالصواب"، لأن الله عز ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلم ولم يُقَدْ به قاتلوه، (٣) للبْس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنِّهم أنه ألقى
(١) في المخطوطة: "مستخفون بإيمانكم"، وما في المطبوعة أجود.
(٢) قوله"كافرًا" ليس في المخطوطة، والسياق يقتضيها كما في المطبوعة، وانظر اعتراض أبي جعفر بعد، فهو يوجب إثبات هذه الكلمة في هذا الموضع.
(٣) في المطبوعة في هذا الموضع وما يليه"السلام" مكان"السلم"، ولكني أثبت ما في المخطوطة، لأن تفسير أبي جعفر جار على"السلم" لا على"السلام". وقوله: "لم يقد" بالبناء للمجهول من"القود" (بفتح القاف والواو) وهو القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، يقال منه"أقدته به أقيده إقادة".
السلم إلى المؤمنين تعوّذًا منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركًا فيقال:"كما كان كافرًا كنتم كفارًا"، بل لا وجه لذلك، لأن الله جل ثناؤه لم يعاتب أحدًا من خلقه على قتل محارِبٍ لله ولرسوله من أهل الشرك، بعد إذنه له بقتلِه.
واختلف أيضًا أهل التأويل في تأويل قوله:"فمنّ الله عليكم".
فقال بعضهم: معنى ذلك: فمنّ الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتتمون به من أهل الشرك. (١)
*ذكر من قال ذلك:
١٠٢٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير:"فمن الله عليكم"، فأظهر الإسلام.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن الله عليكم= أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلم (٢) طلبَ عرض الحياة الدنيا= بالتوبة من قتلكم إياه.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٢٣٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فمن الله عليكم"، يقول: تاب الله عليكم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير، لما ذكرنا من الدِّلالة على أن معنى قوله:"كذلك كنتم من قبل"، ما وصفنا قبل. فالواجب أن يكون عَقِيب ذلك:"فمن الله عليكم"،
(١) في المطبوعة: "بعد ما كانوا يكتمونه"، والجيد ما في المخطوطة."يكتتمون به"، يستخفون به.
(٢) في المخطوطة: "أيها القاتلو الذي ألقي إليكم السلم"، وهو لا بأس به.
فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم، بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته، حِذَارًا من أهل الشرك. (١)
* * *
(١) في المطبوعة: "حذرًا"، وأثبت ما في المخطوطة، وهما سواء.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
[ قوله عز وجل ](١)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، وحسين بن محمد، وخلف بن الوليد، قالوا : حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال : مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم فقالوا : ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ فنزلت هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ](٢) إلى آخرها.
ورواه الترمذي في التفسير، عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رِزْمَة، عن إسرائيل، به. وقال : هذا حديث حسن، وفي الباب عن أسامة بن زيد. ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، به. ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل، به(٣) وقال في بعض كتبه غير التفسير - وقد رواه من طريق عبد الرحمن(٤) فقط - : وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما، لعلل منها : أنه لا يعرف له مخرج عن سِمَاك إلا من هذا الوجه، ومنها : أن عكرمة في روايته عندهم نظر، ومنها : أن الذي أنزلت فيه الآية مختلف فيه، فقال بعضهم : أنزلت في مُحَلِّم(٥) بن جَثَّامَةَ، وقال بعضهم : أسامة بن زيد. وقيل غير ذلك.
قلت : وهذا كلام غريب، وهو مردود من وجوه أحدها : أنه ثابت عن سِمَاك، حدث به عنه غير واحد من الكبار. الثاني : أن عكرمة محتج به في الصحيح. الثالث : أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس، كما قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس :﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا﴾ قال : قال ابن عباس : كان رجل في غُنَيْمَة له، فلحقه المسلمون، فقال : السلام عليكم. فقتلوه وأخذوا غُنَيمته [ فأنزل الله ذلك إلى قوله :﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تلك الغنيمة. قرأ ابن عباس( السلام ) وقال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال : لحق المسلمون رجلا في غُنَيْمَة فقال : السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمَته ](٦) فنزلت :﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا﴾
ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من طريق سفيان بن عيينة، به(٧)
وأما قصة محلم(٨) بن جَثَّامة فقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله ابن أبي حدرد، رضي الله عنه، قال : بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضَم، فخرجت في نفر من المسلمين، فيهم : أبو قتادة الحارث بن رِبْعي، ومحلم(٩) بن جَثَّامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، على قَعُود له، معه مُتَيَّع ووَطْب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم(١٠) بن جثامة فقتله، بشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره مُتَيَّعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ](١١) خَبِيرًا.﴾
تفرد به أحمد(١٢)
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا جرير، عن ابن إسحاق، عن نافع ؛ أن ابن عمر قال : بعث رسول الله ﷺ مُحَلِّم(١٣) بن جَثَّامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام وكانت بينهم حسنة في الجاهلية، فرماه محلم(١٤) بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع : يا رسول الله، سن اليوم وغير غدا. فقال عيينة : لا والله، حتى تذوق نساؤه من الثُّكل ما ذاق نسائي. فجاء محلم(١٥) في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال رسول الله ﷺ :" لا غَفَرَ الله لك ". فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات، ودفنوه، فلفظته(١٦) الأرض، فجاءوا إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال :" إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم من جرمتكم " ثم طرحوه بين صدفي جبل(١٧) وألقوا عليه الحجارة، ونزلت :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيَن آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية(١٨).
وقال البخاري : قال حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد، عن ابن عباس قال : قال رسول الله(١٩) ﷺ للمقداد :" إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلتَه، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل ".
هكذا ذكر البخاري هذا الحديث معلقا مختصرا(٢٠) وقد روي مطولا موصولا فقال الحافظ أبو بكر البزار :
حدثنا حماد(٢١) بن علي البغدادي، حدثنا جعفر بن سلمة، حدثنا أبو بكر بن علي(٢٢) بن مُقَدَّم، حدثنا حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : بعث رسول الله ﷺ سرية، فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال : أشهد أن لا إله إلا الله. وأهوى(٢٣) إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه : أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله ؟ والله لأذكرَن ذلك للنبي ﷺ. فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا : يا رسول الله، إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد. فقال :" ادعوا لي المقداد. يا مقداد، أقتلت رجلا يقول : لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غدا ؟ ". قال : فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ فقال رسول الله ﷺ للمقداد :" كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه، فقتلْتَه، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل " (٢٤).
وقوله :﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي : خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر إليكم(٢٥) الإيمان، فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية ؛ لتبتغوا عَرَضَ الحياة الدنيا، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا.
وقوله :﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي : قد كنتم من قبل هذه(٢٦) الحال كهذا(٢٧) الذي يُسرّ إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفا، وكما قال تعالى :﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ [ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ](٢٨) الآية [الأنفال: ٢٦]، وهذا هو مذهب سعيد بن جبير، كما رواه الثوري، عن حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين.
ورواه عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تستخفون بإيمانكم، كما استخفى(٢٩) هذا الراعي بإيمانه.
وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم : وذُكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله :﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [ تورعون عن مثل هذا، وقال الثوري عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق :﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ ](٣٠) لم تكونوا مؤمنين ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [ فَتَبَيَّنُوا﴾ وقال السدي :﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ](٣١) أي : تاب عليكم، فحلف أسامة لا يقتل(٣٢) رجلا يقول :" لا إله إلا الله " بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه.
وقوله :﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تأكيد(٣٣) لما تقدم. وقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قال سعيد بن جبير : هذا تهديد ووعيد.
١ زيادة من ر..
٢ زيادة من ر، أ..
٣ المسند (١/٢٢٩) من طريق يحيى بن بكير، و(١/٢٧٢) من طريق حسين بن محمد وخلف بن الوليد، وسنن الترمذي برقم (٣٠٣٠) والمستدرك (٢/٢٣٥) وتفسير الطبري (٩/٧٦)..
٤ في أ: "عبد الرحيم".
.

٥ في ر، أ: "محكم"..
٦ زيادة من أ..
٧ صحيح البخاري برقم (٤٥٩١) وتفسير الطبري (٩/٧٥)..
٨ في ر: "محكم"..
٩ في ر: "محكم"..
١٠ في ر: "محكم"..
١١ زيادة من ر، وفي هـ: "إلى قوله تعالى"..
١٢ المسند (٦/١١)..
١٣ في ر: "محكم"..
١٤ في ر: "محكم"..
١٥ في ر: "محكم".
.

١٦ في أ: "ونفضته"..
١٧ في ر، أ: "ثم طرحوه في جبل"..
١٨ تفسير الطبري (٩/٧٢)..
١٩ في د، أ: "النبي"..
٢٠ صحيح البخاري برقم (٦٨٦٦)..
٢١ في ر، أ: "حمدان"..
٢٢ في أ: "عامر"..
٢٣ في د: "فأهوى"..
٢٤ مسند البزار برقم (٢٢٠٢) "كشف الأستار" وقال البزار: "لا نعلمه يروي عن ابن عباس إلا من هذا الوجه ولا له عنه إلا هذا الطريق" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨): "إسناده جيد"..
٢٥ في ر: "لكم"..
٢٦ في أ: "هذا"..
٢٧ في ر: "لهذا".
.

٢٨ زيادة من ر، أ..
٢٩ في أ: "يستخفى".
٣٠ زيادة من أ..
٣١ زيادة من أ..
٣٢ في ر: "لا يقاتل"..
٣٣ في ر: "تأكيدا".
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ضَمْرَة بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنِ الغَريف الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ اللَّيْثِيَّ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا حَدِيثًا سمعتَه مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَوْجَبَ، فَقَالَ: "أَعْتِقُوا عَنْهُ، يُعْتق اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا (١) مِنْهُ مِنَ النَّارِ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، بِهِ (٢) وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ عَنِ الْغَرِيفِ الدَّيْلَمِيِّ (٣) قَالَ: أَتَيْنَا وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ. فَغَضِبَ فَقَالَ: إِنْ أَحَدَكُمْ لَيَقْرَأُ وَمُصْحَفُهُ مُعَلَّقٌ فِي بَيْتِهِ فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قُلْنَا: إِنَّا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَوْجَبَ -يَعْنِي النَّارَ-بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: "أَعْتِقُوا عَنْهُ، يُعْتِقُ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ" (٤).
[قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ] (٥)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر، وَحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَخَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْنَا إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنَّا. فَعَمَدُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا] (٦)﴾ إِلَى آخِرِهَا.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَة، عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى وَعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ (٧) وَقَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ غَيْرِ التَّفْسِيرِ -وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٨) فَقَطْ-: وَهَذَا خبر عندنا
(١) في ر: "عضو".
(٢) المسند (٣/٤٩١) وسنن أبي داود برقم (٣٩٦٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٤٨٩٢).
(٣) في ر: "ابن الديلمي".
(٤) سنن أبي داود برقم (٣٩٦٤).
(٥) زيادة من ر.
(٦) زيادة من ر، أ.
(٧) المسند (١/٢٢٩) من طريق يحيى بن بكير، و (١/٢٧٢) من طريق حسين بن محمد وخلف بن الوليد، وسنن الترمذي برقم (٣٠٣٠) والمستدرك (٢/٢٣٥) وتفسير الطبري (٩/٧٦).
(٨) في أ: "عبد الرحيم".
صَحِيحٌ سَنَدُهُ، وَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ الْآخَرِينَ سَقِيمًا، لِعِلَلٍ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَخْرَجٌ عَنْ سِمَاك إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْهَا: أَنَّ عِكْرِمَةَ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَهُمْ نَظَرٌ، وَمِنْهَا: أَنَّ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ الْآيَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُنْزِلَتْ فِي مُحَلِّم (١) بْنِ جَثَّامَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا كَلَامٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ مَرْدُودٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ سِمَاك، حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْكِبَارِ. الثَّانِي: أَنَّ عِكْرِمَةَ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الصَّحِيحِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَرْوِيٌّ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا﴾ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَة لَهُ، فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيمته [فَأَنْزِلُ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ. قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (السَّلَامَ) وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَحِقَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا فِي غُنَيْمَة فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَته] (٢) فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا﴾
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ (٣)
وَأَمَّا قِصَّةُ مُحَلِّمِ (٤) بْنِ جَثَّامة فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَثَنِي يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسيط، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إضَم، فَخَرَجْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فِيهِمْ: أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعي، وَمُحَلِّمُ (٥) بْنُ جَثَّامة بْنِ قَيْسٍ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إذا كنا ببطن إضَم مَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ، عَلَى قَعُود لَهُ، مَعَهُ مُتَيَّع ووَطْب مِنْ لَبَنٍ، فَلَمَّا مَرَّ بِنَا سَلَّمَ عَلَيْنَا، فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ (٦) بْنُ جَثَّامَةَ فَقَتَلَهُ، بِشَيْءٍ كان بينه وبينه، وأخذ بعيره مُتَيَّعه، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، نَزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ] (٧) خَبِيرًا.﴾
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ (٨)
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَلِّم (٩) بْنَ جَثَّامة مَبْعَثًا، فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ، فَحَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الإسلام وكانت بينهم حسنة فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَرَمَاهُ مُحَلِّمٌ (١٠) بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ عُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سُنَّ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدًا. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَا وَاللَّهِ، حَتَّى تَذُوقَ نِسَاؤُهُ مِنَ الثُّكل مَا ذَاقَ نِسَائِي. فَجَاءَ مُحَلِّمٌ (١١) فِي بُرْدَيْنِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ
(١) في ر، أ: "محكم".
(٢) زيادة من أ.
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٥٩١) وتفسير الطبري (٩/٧٥).
(٤) في ر: "محكم".
(٥) في ر: "محكم".
(٦) في ر: "محكم".
(٧) زيادة من ر، وفي هـ: "إلى قوله تعالى".
(٨) المسند (٦/١١).
(٩) في ر: "محكم".
(١٠) في ر: "محكم".
(١١) في ر: "محكم".
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ". فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ، فَمَا مَضَتْ لَهُ سَابِعَةٌ حَتَّى مَاتَ، وَدَفَنُوهُ، فَلَفَظَتْهُ (١) الْأَرْضُ، فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ الْأَرْضَ تَقَبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَنْ صَاحَبِكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَعِظَكُمْ مِنْ جرمتكم" ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْنَ صَدَفَيْ جَبَلٍ (٢) وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَنَزَلْتُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيَن آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَةَ (٣).
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (٤) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمِقْدَادِ: "إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فقتلتَه، فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ".
هَكَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَلَّقًا مُخْتَصَرًا (٥) وَقَدْ رُوِيَ مُطَوَّلًا مَوْصُولًا فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ:
حدثنا حماد (٦) بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيِّ (٧) بْنِ مُقَدَّم، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، فِيهَا الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَلَمَّا أَتَوُا الْقَوْمَ وَجَدُوهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا، وَبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَبْرَحْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَهْوَى (٨) إِلَيْهِ الْمِقْدَادُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَقَتَلْتَ رَجُلًا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ وَاللَّهِ لأذكرَن ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ رَجُلًا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ الْمِقْدَادُ. فَقَالَ: "ادْعُوَا لِي الْمِقْدَادَ. يَا مِقْدَادُ، أَقَتَلْتَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَيْفَ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَدًا؟ ". قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمِقْدَادِ: "كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ، فقتلْتَه، وَكَذَلِكَ كُنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ قُبَلُ" (٩).
وَقَوْلُهُ: ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أَيْ: خَيْرٌ مِمَّا رَغِبْتُمْ فِيهِ مِنْ عَرَضِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى قَتْلِ مِثْلِ هَذَا الَّذِي أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ، وَأَظْهَرَ إِلَيْكُمُ (١٠) الْإِيمَانَ، فَتَغَافَلْتُمْ عَنْهُ، وَاتَّهَمْتُمُوهُ بِالْمُصَانَعَةِ وَالتَّقِيَّةِ؛ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمَغَانِمِ الْحَلَّالِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ مَالِ هَذَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ (١١) الْحَالِ كَهَذَا (١٢) الذي
(١) في أ: "ونفضته".
(٢) في ر، أ: "ثم طرحوه في جبل".
(٣) تفسير الطبري (٩/٧٢).
(٤) في د، أ: "النبي".
(٥) صحيح البخاري برقم (٦٨٦٦).
(٦) في ر، أ: "حمدان".
(٧) في أ: "عامر".
(٨) في د: "فأهوى".
(٩) مسند البزار برقم (٢٢٠٢) "كشف الأستار" وقال الْبَزَّارُ: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ولا له عنه إلا هذا الطريق" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨) :"إسناده جيد".
(١٠) في ر: "لكم".
(١١) في أ: "هذا".
(١٢) في ر: "لهذا".
يُسرّ إِيمَانَهُ وَيُخْفِيهِ مِنْ قَوْمِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ آنِفًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ [تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ] (١)﴾ الْآيَةَ [الْأَنْفَالِ: ٢٦]، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كَمَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تُخْفُونَ إِيمَانَكُمْ فِي الْمُشْرِكِينَ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تَسْتَخْفُونَ بِإِيمَانِكُمْ، كَمَا اسْتَخْفَى (٢) هَذَا الرَّاعِي بِإِيمَانِهِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وذُكر عَنْ قَيْسٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [تَوَرَّعُونَ عَنْ مَثَلِ هَذَا، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ ] (٣) لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [فَتَبَيَّنُوا﴾ وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ] (٤) أَيْ: تَابَ عَلَيْكُمْ، فَحَلَفَ أُسَامَةُ لَا يَقْتُلُ (٥) رَجُلًا يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" بَعْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَمَا لَقِيَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تَأْكِيدٌ (٦) لِمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ.
(١) زيادة من ر، أ.
(٢) في أ: "يستخفى"
(٣) زيادة من أ.
(٤) زيادة من أ.
(٥) في ر: "لا يقاتل".
(٦) في ر: "تأكيدا".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادًا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان : واضحة وغير واضحة. فالواضحة البيِّنة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا ؟
فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها(١)  قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمَّا لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنًّا أنه يستكفي بذلك قتلَهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله :﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي : فلا يحملنكم العرض الفاني القليل على ارتكاب ما لا ينبغي فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي، فما عند الله خير وأبقى.
وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها.
ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام :﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي : فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال :﴿فَتَبَيَّنُوا﴾
فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلم تعوذا من القتل وخوفا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويتبين الرشد والصواب.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازي كُلًّا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم.
١ - في النسختين: بداوتها..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٩٤} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادًا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البيِّنة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟
فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها (١) قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمَّا لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنًّا أنه يستكفي بذلك قتلَهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: فلا يحملنكم العرض الفاني القليل على ارتكاب ما لا ينبغي فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي، فما عند الله خير وأبقى.
وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها.
ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، -[١٩٥]- وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان - على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلم تعوذا من القتل وخوفا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويتبين الرشد والصواب.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازي كُلا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم.
(١) في النسختين: بداوتها.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
ضَرَبْتُمْ
خَرَجْتُمْ فِي الأَرْضِ.
عَرَضَ الْحَيَاةِ
مَتَاعَهَا الزَّائِلَ، وَالمَقْصُودُ: الغَنِيمَةُ.

إعراب الآية ٩٤ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

في العربية يجزه الله جهنم والدليل على هذا أنّ بعده. وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أي عاقبه وَلَعَنَهُ أي باعده من رحمته وثوابه.

[سورة النساء (٤) : آية ٩٤]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)
إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ويقرأ فتثبّتوا «١»، وتبيّنوا في هذا أوكد لأن الإنسان قد يتثبّت ولا يتبيّن، وفي «إذا» معنى الشرط وقد يجازى بها كما قال: [الكامل] ١٠٣-
وإذا تصبك خصاصة فتجّمل «٢»
والجيّد أن لا يجازى بها كما قال: [الكامل] ١٠٤-
والنّفس راغبة إذا رغّبتهاوإذا تردّ إلى قليل تقنع «٣»
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً هكذا قرأ «٤» ابن عباس وأبو عبد الرّحمن وأبو عمرو بن الغلاء وعاصم الجحدريّ، والحديث يدلّ على ذلك لأنه يروى أن مرداسا الفدكيّ مرّ بغالب فقال: السلام عليكم فقام إليه غالب فقتله وأخذ ماله فأنزل الله جلّ وعزّ: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً. ومن جيّد ما قيل فيه ما رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: مرّ المسلمون برجل في غنمه فقال: سلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنمه فنزلت وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً هكذا الحديث بالألف. وقرأ أهل الحرمين وأهل الكوفة لمن ألقى إليكم السّلم «٥» وذلك جائز لأنه إذا سلم فقد ألقى السلم والعرب تقول:
ألقى فلان إليّ السّلم أي انقاد واستسلم وقال الله جلّ وعزّ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ
(١) هذه قراءة حمزة والكسائي والباقون فتبيّنوا، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٤٢.
(٢) الشاهد لعبد قيس بن خفاف في الدرر ٣/ ١٠٢، وشرح اختيارات المفضل ١٥٥٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٧١، ولسان العرب (كرب)، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٠٣، ولحارثة بن بدر الغداني في أما لي المرتضى ١/ ٣٨٣، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٥، وشرح الأشموني ٣/ ٥٨٣، وشرح عمدة الحافظ ص ٣٧٤، ومغني اللبيب ١/ ٩٣، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٦، وصدره:
«واستغن ما أغناك ربّك بالغنى» [.....]
(٣) الشاهد لأبي ذؤيب في الدرر ٣/ ١٠٤، وشرح اختيارات المفضّل ص ١٦٩٣، وشرح أشعار الهذليين ١/ ٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٦٢، ومغني اللبيب ١/ ٩٣، وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ٢٠٦.
(٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٤٢.
(٥) وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي أيضا، انظر تيسير الداني ٨٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٩٤ من سورة النساء

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾. [٩٤].
أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن حامد، قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار، قال: حدَّثنا محمد بن عَبَّاد، قال: حدَّثنا سفيان، عن عَمْرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال:
لحق المسلمون رجلاً في غُنَيْمَةٍ له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمَتَهُ. فنزلت هذه الآية: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [أي] تلك الغنيمة. رواه البخاري عن علي بن عبد الله، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة؛ كلاهما عن سفيان.
وأخبرنا إسماعيل، قال: أخبرنا أبو عمرو بن نجيد، قال: حدَّثنا محمد بن الحسن بن الخليل، قال: حدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن عِكْرَمَة، عن ابن عباس، قال:
مرّ رجل من سُلَيم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه غنم [له] فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم عليكم إِلا لِيَتَعَوَّذَ منكم، فقاموا إِليه فقتلوه، وأخذوا غنمه، وأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾.
أخبرنا أبو بكر الأصفهاني، قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، قال: أخبرنا أبو يحيى الرازي، قال: حدَّثنا سهل بن عثمان، قال: حدَّثنا وكيع عن سفيان، عن حَبيب بن أبي عَمْرَة، عن سَعيد بن جُبَيْر، قال:
خرج المِقْدَادُ بن الأَسْوَد في سَرِيَّة، فمروا برجل في غُنَيْمَةٍ له فأرادوا قتله، فقال: لا إله إلاَّ الله، فقتله المقداد، فقيل له، أقتلته وقد قال: لا إِله إِلا الله؟ ودَّ لو فرَّ بأهله وماله. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكروا ذلك له، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾.
وقال الحسن: إن أصحاب النبي عليه السلام خرجوا يطوفون فلقوا المشركين فهزموهم، فشد منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسِّنان قال: إني مسلم، إني مسلم. فكذبه ثم أوْجَرَهُ بالسنان فقتله وأخذ متاعه وكان قليلاً، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قتلته بعدما زعم أنه مسلم؟ فقال: يا رسول الله، إنما قالها مُتَعَوِّذاً. قال: فهلا شققت عن قلبه! [قال: لم يا رسول الله؟ قال]: لتنظر أصادق هو أم كاذب؟ قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟ قال: ويك إنك [إِن] لم تكن تعلم ذلك، إنما كان يبين [عنه] لسانه. قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن، فأصبح وقد وضع إِلى جنب قبره. قال: ثم عادوا فحفروا له وأمكنوا ودفنوه، فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أو ثلاثاً. فلما رأوا أن الأرض لا تقبله أَلْقُوه في بعض تلك الشعاب. قال: وأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال الحسن: إن الأرض تُجِنُّ من هو شر منه، ولكن وُعِظَ القومُ أَن لا يعودوا.
أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد المُزَكّي، قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد بن بَطَّة، قال: أخبرنا أبو القاسم البَغَوِيّ، قال: حدَّثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن القَعْقَاع بن عبد الله بن أبي حَدْرَد، عن أبيه، قال:
بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيَّة إلى إضَم، قبل مخرجه إلى مكة، قال: فمر بنا عامر الأَضْبط الأشجَعِي، فحيانا تحية الإسلام فنزعنا عنه، وحمل عليه محلِّم بن جَثَّامة، لشركان بينه وبينه في الجاهلية، فقتله واستلب بعيراً له ووطاء ومُتَيِّعاً كان له. قال: فأنهينا شأننا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه بخبره، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾. إلى آخر الآية.
وقال السدي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسامَةَ بن زيد على سرية، فلقي مِرْدَاس بن نهيك الضَّمْرِي فقتله، وكان من أهل "فَدَكَ" ولم يسلم من قومه غيره، وكان يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويسلِّم عليهم. قال أسامة: فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرته فقال: قتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟ فقلت: يا رسول الله، إنما تَعَوَّذَ من القتل. فقال: كيف أنت إذا خاصَمَكَ يوم القيامة بلا إله إلا الله، قال: فما زال يرددها عليّ: اقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟ حتى تمنيت لو أن إسلامي كان يومئذ، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾. الآية. ونحو هذا قال الكلبي وقتادة.
[و] يدل على صحته الحديث الذي.
أخبرناه أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه، قال: حدَّثنا إبراهيم بن سفيان، قال: حدَّثنا مسلم قال: حدَّثني يعقوب الدَّوْرَقي، قال: حدَّثنا هشيم، قال: أخبرنا [ابن] حصين، قال: حدَّثنا أبو ظبيان، قال: سمعت أسامة بن زيد بن حارثة يحدث، قال:
بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جُهَيْنَةَ، فصبحنا القوم فهزمناهم. قال: فلحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. قال: فكفّ عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته، فلما قدمنا بلغ النبي عليه السلام فقال: يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذاً. قال: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قال: فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

القراءات في الآية ٩٤ من سورة النساء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

السَّلاَمَ

(السَّلاَمَ) بألف بعد اللام

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو شعبة عن عاصم حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(السَّلَم) بحذف الألف بعد اللام

قالون عن نافع ورش عن نافع هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر خلف عن حمزة خلاد عن حمزة ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

فَتَبَيَّنُواْ

(فَتَبَيَّنُوا) بياء بعد التاء وبعدها ياء مشددة وبعدها نون مضمومة

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(فَتَثَبَّتُوا) بثاء بعد التاء وبعدها ياء مشددة وبعدها تاء مضمومة

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ

(فَتَبيَّنوَا إِن) ومد المنفصل 6 حركات

ورش عن نافع

(فتبيّنوا) ومد المنفصل 3 حركات

قالون عن نافع الدوري عن أبي عمرو

(فتبيَّنوا) ومد المنفصل 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

(فتبينوا) ومد المنفصل 4 حركات

هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر

(فتبينوا) ومد المنفصل حركتين

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(فَتَثَبَّتُوا إن) ومد المنفصل 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

(فَتَثَبَّتُوا) ومد المنفصل 4 حركات

أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

كَذَلِكَ كُنتُم

إدغام الكاف في الكاف وإسكان الميم

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الكاف الأولى مفتوحة وإسكان الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

إظهار الكاف الأولى مفتوحة وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

مُؤْمِنًا

(مُؤمِنًا) تحقيق الهمزة الساكنة وكسر الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(مُومِنًا) إبدال الهمزة وكسر الميم

ورش عن نافع السوسي عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر

(مُومَنًا) إبدال الهمزة وفتح الميم

ابن وردان عن أبي جعفر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٩٤ من سورة النساء

٦ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٧ أقوال
١
عن ابن عصام المزني عن أبيه عن النبي ﷺ أنّه كان إذا بعث سرية قال: «إذا رأيتم مسجدًا، أو سمعتم مُؤَذِّنًا؛ فلا تقتلوا أحدًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٤‏/‏٤٨٨ (١٥٧١٤)، وأبو داود ٤‏/‏٢٧٢ (٢٦٣٥)، والترمذي ٣‏/‏٣٧٦-٣٧٧ (١٦٣٠). قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وقال ابن الأثير في أسد الغابة ٤‏/‏٣٩ (٣٦٨٢) في ترجمة عطاء المزني: «خرجه ابن منده، وأبو نعيم، وقالا: هو وهمٌ، والصواب ابن عصام المزني، عن أبيه». وقال ابن رجب في فتح الباري ٥‏/‏٢٣٣: «وقال ابن المديني: إسناد مجهول، وابن عصام لا يعرف، ولا ينسب أبوه». وقال ابن حجر في إتحاف المهرة ١١‏/‏١٦٥ (١٣٨٣٧): «رواه النسائي أتم منه، وسمى بعضهم ابن عصام: عبد الله، وأخرجه الحميدي تامًّا عن سفيان». وقال الهيثمي في المجمع ٥‏/‏٣٢٤-٣٢٥ (٩٦٥٩): «رواه الطبراني، والبزار، وقد حسَّن الترمذي هذا الحديث، وإسنادهما أفضل من إسناده». وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢‏/‏٣٢٩ (٤٥٤): «إسناده ضعيف؛ لجهالة حال ابن نوْفل، وجهالة عين ابن عصام».
٢
عن أسامة، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصَبَّحْنا الحُرَقات١ من جهينة، فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله. فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «قال: لا إله إلا الله. وقتلته؟!». قلت: يا رسول الله، إنما قالها فَرَقًا من السلاح. قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم قالها أم لا؟!». فما زال يُكَرِّرها عَلَيَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ٢
التخريج
  1. ١الحُرَقات: اسم لقبائل من جهينة، وقيل: هو اسم موضع. انظر: معجم البلدان ٢‏/‏٢٤٣، والفتح لابن حجر ٧‏/‏٥١٧، ٥١٨، وعون المعبود ٢‏/‏٣٤٨.
  2. ٢أخرجه البخاري ٥‏/‏١٤٤ (٤٢٦٩)، ٩‏/‏٤ (٦٨٧٢)، ومسلم ١‏/‏٩٦ (٩٦).
٣
عن جعفر بن برقان، قال: حدثنا الحضرمي -رجل من أهل اليمامة- قال: بلغني: أنّ رسول الله ﷺ بعث أسامة بن زيد على جيش. قال أسامة: فأتيتُ رسول الله ﷺ، فجعلت أحدثه، فقلت: فلما انهزم القوم أدركت رجلًا، فأهويت إليه بالرمح، فقال: لا إله إلا الله. فطعنته، فقتلته. فتغَيَّر وجه رسول الله ﷺ، وقال: «ويحك، يا أسامة! فكيف لك بـلا إله إلا الله؟! ويحك، يا أسامة! فكيف لك بلا إله إلا الله؟!». فلم يزل يرددها علي حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته واستقبلت الإسلام يومئذ جديدًا، فلا واللهِ، لا أقاتل أحدًا قال: لا إله إلا الله. بعدما سمعت من رسول الله ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤‏/‏٥١، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٨‏/‏٦٣ من طريقه، عن كثير بن هشام، أنا جعفر بن برقان، نا الحضرمي رجل من أهل اليمامة، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ بعث أسامة... فذكره. إسناده ضعيفٌ؛ لجهالة الحضرمي، وانقطاع الإسناد، حيث بلغ به ولم يسمّ مَن حدّثه به.
٤
قال أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله، أبدًا. فقال سعد بن مالك: وأنا واللهِ لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، أبدًا. فقال لهما رجل: ألم يقل الله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾؟ [الأنفال:٣٩]. فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ٤‏/‏٦٩.
٥
عن عقبة بن مالك الليثي، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فغارت على قوم، فشذَّ رجل من القوم، فأتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه، فقال الشاذُّ من القوم: إني مسلم. فلم ينظر فيما قال، فضربه، فقتله، فنُمِي الحديث إلى رسول الله ﷺ، فقال فيه قولًا شديدًا، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله ﷺ يخطب إذ قال القاتل: واللهِ، ما قال الذي قال إلا تعوُّذًا من القتل. فأعرض رسول الله ﷺ عنه وعمَّن قِبَله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم قال أيضًا: يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوُّذًا من القتل. فأعرض عنه وعمَّن قِبَله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر، فقال الثالثة: واللهِ، يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوُّذًا من القتل. فأقبل رسول الله ﷺ تُعْرَف المَساءة في وجهه، فقال: «إنّ الله أبى عَلَيَّ أن أقتل مؤمنًا». ثلاث مرار١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٨‏/‏٢٢٠ (١٧٠٠٨)، ٢٨‏/‏٢٢١ (١٧٠٠٩)، ٣٧‏/‏١٥٥-١٥٦ (٢٢٤٩٠)، والحاكم ١‏/‏٦٦ (٤٧)، وابن حبان ١٣‏/‏٣١٠ (٥٩٧٢). قال الحاكم: «حديث مخرج مثله في المسند الصحيح لمسلم». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢٩٣ (١٢٢٨٤): «رواه أبو يعلى وأحمد باختصار، إلا أنه قال: عقبة بن مالك، بدل: عقبة بن خالد. والطبراني بطوله، ورجاله رجال الصحيح، غير بشر بن عاصم الليثي، وهو ثقة». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٥‏/‏١٦٥ (٤٤٥٠): «رواه النسائي في السير، من طريق سليمان بن المغيرة به. وقد تقدم له شاهد في كتاب الإيمان، وسيأتي له آخر في كتاب الفتن في باب ستكون فتن كقطع الليل المظلم، من حديث جندب بن سفيان». وقال المناوي في فيض القدير ٢‏/‏١٩٩ (١٦٥٩): «قال العراقي في أماليه: حديث صحيح».
٦
عن المقداد بن الأسود، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ إن اختلفتُ أنا ورجل من المشركين بضربتين، فقطع يدي، فلما عَلَوْتُه بالسيف قال: لا إله إلا الله. أضربه أم أدعه؟ قال: «بل دَعْه». قلت: قطع يدي! قال: «إن ضربته بعد أن قالها فهو مثلك قبل أن تقتله، وأنت مثله قبل أن يقولها»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٥‏/‏٨٥ (٤٠١٩)، ٩‏/‏٣ (٦٨٦٥)، ومسلم ١‏/‏٩٥ (٩٥) والبيهقي في الأسماء والصفات ١‏/‏٢٤٤-٢٤٥ (١٧٧) واللفظ له.
٧
عن جُندَُب البجلي، قال: إنِّي لعند رسول الله ﷺ حين جاءه بشير من سريته، فأخبره بالنصر الذي نصر الله سريته، وبفتح الله الذي فتح لهم، قال: يا رسول الله، بينا نحن نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى، إذ لحقت رجلًا بالسيف، فلما حسَّ أن السيف واقعه، وهو يسعى ويقول: إني مسلم، إني مسلم. قال: «فقتلته؟». فقال: يا رسول الله، إنّما تعَوَّذ. فقال: «فهلّا شَقَقْت عن قلبه فنظرت أصادق هو أم كاذب؟!». فقال: لو شققت عن قلبه ما كان علمي؟! هل قلبه إلا مضغة من لحم؟! قال: «لا ما في قلبه تعلم، ولا لسانَه صدَّقتَ!». قال: يا رسول الله، استغفر لي. قال: «لا أستغفر لك». فمات ذلك الرجل، فدفنوه، فأصبح على وجه الأرض، ثم دفنوه، فأصبح على وجه الأرض، ثلاث مرات، فلما رأوا ذلك استحيوا وخَزُوا مما لقي، فاحتملوه، فألقوه في شِعب من تلك الشِّعاب١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٢‏/‏١٧٦ (١٧٢٣)، وأبو يعلى في المسند ٣‏/‏٩١ (١٥٢٢). قال البوصيري في إتحاف الخيرة ٨‏/‏٥٤ (٧٤٦٣): «رواه مسلم مختصرًا، وله شاهد من حديث عقبة بن مالك». وقال الهيثمي في المجمع ١‏/‏٢٧ (٦٠): «هو في الصحيح باختصار. رواه الطبراني في الكبير، وأبو يعلى، وفي إسناده عبد الحميد بن بهرام، وشهر بن حوشب، وقد اختلف في الاحتجاج بهما».

تفسير

٢٨ قولًا
١
عن سعيد بن جبير -من طريق عبد الله بن كثير- في قوله: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾، قال: تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه. وفي لفظ: تكتمون إيمانكم من المشركين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٧٠، وابن أبي شيبة ١٠‏/‏١٢٤-١٢٥ من طريق حبيب بن أبي عمرة، وابن جرير ٧‏/‏٣٦٣-٣٦٤، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١-١٠٤٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢
عن سعيد بن جبير -من طريق قيس بن سالم- قوله: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ [تُوزَعون]١ عن مثل هذا٢
التخريج
  1. ١ذكر محققه د. حكمت بشير ٤‏/‏١٥٢٥ أنها في الأصل غير منقوطة.
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١.
٣
عن قتادة بن دِعامة: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾، قال:كنتم كُفّارًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كذلك﴾ يعني: هكذا ﴿كنتم من قبل﴾ الهجرة، بمنزلة مرداس؛ تأمنون في قومكم بالتوحيد من أصحاب النبي ﷺ إذا لقوكم، فلا تخيفون أحدًا بأمرٍ كان فيكم تأمنون بمثله قبل هجرتكم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٠.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: ﴿كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم﴾، قال: كُفّارًا مثله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٦٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ على أقوال: الأول: كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفيًا في قومه بدينه خوفًا على نفسه منهم، كذلك كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم، خائفين منهم على أنفسكم، فمَنَّ الله عليكم. وهو قول سعيد بن جبير. الثاني: كما كان الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السَّلَم كافرًا، كذلك كنتم كفارًا، فهداكم الله كما هدى الذي قتلتموه. وهو قول ابن زيد، وقتادة، ومسروق. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٣٦٤) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وعلَّل ذلك، فقال: «لأن الله إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السَّلَم، ولم يُقَدْ به قاتِلُوه لِلَّبْسِ الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمُقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنِّهم أنه ألقى السَّلَم إلى المؤمنين تعوُّذًا منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إيّاه مشركًا، فيقال: كما كان كافرًا كنتم كفارًا، بل لا وجه لذلك؛ لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- لم يُعاتِب أحدًا من خلقه على قتل محاربٍ لله ولرسوله من أهل الشرك بعد إذنه له بقَتْلِه».
٦
عن سعيد بن جبير -من طريق عبد الله بن كثير- في قوله: ﴿فمن الله عليكم﴾ فأظهر الإسلام، فأعلنتم إيمانكم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٧٠، وابن أبي شيبة ١٠‏/‏١٢٤-١٢٥، من طريق حبيب بن أبي عمرة، وابن جرير ٧‏/‏٣٦٣-٣٦٤، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١-١٠٤٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٧
عن سعيد بن جبير -من طريق قيس بن سالم- قال: ﴿فمن الله عليكم﴾ فهداكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٢.
٨
عن قتادة بن دعامة: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾، قال: كُنتُم كُفّارًا حتى مَنَّ الله عليكم بالإسلام، وهداكم له١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٩
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿فمن الله عليكم﴾، يقول: تاب الله عليكم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٦٥، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ على أقوال: الأول: فمَنَّ الله عليكم بإظهار دينه، وإعزاز أهله، وإعلانكم الإيمان. وهو قول سعيد بن جبير. الثاني: فمَنَّ الله عليكم بالتوبة على الذي قتل ذلك الرجل، وهو قول السدي. ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٣٦٥) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لما ذكرنا من الدلالة على أن معنى قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ ما وصفنا من قبل، فالواجب أن يكون عَقِيب ذلك: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ برَفْعِ ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم بإظهار دينه، وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به، من توحيده وعبادته، حذارًا من أهل الشرك».
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فمن الله عليكم﴾ بالهجرة فهاجرتم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٠.
١١
عن سعيد بن جبير –من طريق عبد الله بن كثير-في قوله: ﴿فتبينوا﴾، قال: وعيد من الله مرتين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٧٠، وابن أبي شيبة ١٠‏/‏١٢٤-١٢٥ من طريق حبيب بن أبي عمرة، وابن جرير ٧‏/‏٣٦٣، ٣٦٤، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١، ١٠٤٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فتبينوا﴾ إذا خرجتم فلا تقتلوا مسلمًا، ﴿إن الله كان بما تعملون خبيرا﴾. فقال أسامة: والله لا أقتل رجلًا بعد هذا يقول: لا إله إلا الله١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٠.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ يعني: سرتم غزاة في سبيل الله، ﴿فتبينوا﴾ مَن [تقتلون]١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٠.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾، قال: حرَّم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن يشهد أن لا إله إلا الله: لست مؤمنًا. كما حرم عليهم الميتة، فهو آمِن على ماله ودمه، فلا تَرُدُّوا عليه قوله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٦١، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾، قال: راعي غنم لقيه نفرٌ من المؤمنين، فقتلوه، وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه: السلام عليكم، إني مؤمن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٦٠-٣٦١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٦
قال محمد بن سيرين: إنما هو السلام؛ لأنّه سلَّم عليهم رجل فقتلوه. ومَن قرأ: ‹السَلَم› فمعناه: المقادة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣‏/‏٣٦٩.
١٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام﴾ يعني: مرداس، وذلك أنه قال لهم: السلام عليكم، إني مؤمن، ﴿لست مؤمنا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٠.
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، يعني: تقتلونه إرادة أن يحِلُّ لكم مالُه الذي وُجِد معه، وذلك عَرَض الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١.
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قوله: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، قال: تلك الغُنَيمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١.
٢٠
عن مسروق بن الأجدع -من طريق أبي الضحى- ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، قال: تلك الغُنَيْمَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٥٩. وعلقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١.
٢١
عن سعيد بن جبير -من طريق حبيب بن أبي عمرة- ﴿مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، قال: الغُنَيْمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٠‏/‏١٢٤-١٢٥، ١٢‏/‏٣٧٧، وابن جرير ٧‏/‏٣٦٠. وعلقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١.
٢٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، يعني: غنم مرداس١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٠.
٢٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: ﴿لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾: غنمه التي كانت عرض الحياة الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٦٠.
٢٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾، قال: فإنّ عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١.
٢٥
عن سعيد بن جبير -من طريق قيس بن سالم- ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾، قال: هي أحَلُّ لكم مِن هذا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١.
٢٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾ في الآخرة والجنة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٠.
٢٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾ خير من تلك الغنم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٦٠.
٢٨
عن مسروق بن الأجدع -من طريق أبي الضحى- ﴿كذلك كنتم من قبل﴾، قال: لم تكونوا مؤمنين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

نزول الآية

١٩ قولًا
١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ الآية، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرَة، فلقوا رجلًا منهم يُدْعى: مِرْداس بن نُهَيْك، معه غنمة له وجمل أحمر، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتبعه أسامة، فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فشدَّ عليه أسامة، فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي ﷺ إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيرًا، ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يُحَدِّثون النبي ﷺ ويقولون: يا رسول الله، لو رأيتَ أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فشد عليه فقتله! وهو مُعْرِض عنهم، فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة، فقال: «كيف أنت ولا إله إلا الله؟!». قال: يا رسول الله، إنّما قالها مُتَعَوِّذًا تعوَّذ بها. فقال له رسول الله ﷺ: «هَلّا شققت عن قلبه فنظرت إليه!». قال: يا رسول، إنما قلبه بَضْعَة من جسده. فأنزل الله خبر هذا، وأخبر إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾ فلما بلغ: ﴿فمن الله عليكم﴾. يقول: تاب الله عليكم. فحلف أسامة ألا يقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٥٧-٣٥٨.
٢
عن ابن عباس-من طريق الكلبي، عن أبي صالح- نحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ٣ /٣٦٧، وينظر الفتح ٨‏/‏٢٥٨. إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾، وذلك: أن النبي ﷺ بعث سرية، وبعث عليها غالب بن عبد الله الليثي أخا ثميلة بن عبد الله، فلما أصبحوا رأوا رجلًا يسمى: مرداس بن عمرو بن نهيك العَنْسِيّ١ من بني تيم بن مرة من أهل فدك، معه غُنَيْمَة له، فلما رأى الخيل ساق غُنَيْمَتَه حتى أحرزها في الجبل، وكان قد أسلم من الليل، وأخبر أهله بذلك، فلما دنوا منه كبَّروا، فسمع التكبير، فعرفهم، فنزل إليهم، فقال: سلام عليكم، إني مؤمن. فحمل عليه أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي من بني عبد وُدٍّ، فقال مرداس: إني منكم، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فطعنه أسامه برمحه، فقتله، وسلبه، وساق غنمه، فلما قدم المدينة أخبر أسامةُ النبي ﷺ، فلامه النبي ملامة شديدة، فقال النبي ﷺ: «قتلته وهو يقول: لا إله إلا الله؟!». قال: إنما قال ذلك أراد أن يحرز نفسه وغنمه، فقال النبي ﷺ: «أفلا شققت عن قلبه، فتنظر صدق أم لا؟!». قال: يا رسول الله، كيف يتبين لي، وإنما قلبه بضعة من جسده؟! فقال: «فلا صدقته بلسانه، ولا أنت شققت عن قلبه فبين لك». فقال: استغفر لي، يا رسول الله. قال: «فكيف لك بلا إله إلا الله؟!». يقول ذلك ثلاث مرات، فاستغفر له النبي ﷺ الرابعة. قال أسامة في نفسه: وددت أني لم أسلم حتى كان يومئذ، فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة. فعاش أسامة زمن أبى بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، حتى أدرك علي بن أبى طالب رضي الله عنه، فدعاه علي إلى القتال، فقال أسامة: ما أحدٌ أعزَّ عَلَيَّ منك، ولكن لا أقاتل مسلمًا بعد قول النبي ﷺ: «كيف لك بلا إله إلا الله؟!». فإن أتيت بسيف إذا ضربتُ به مسلمًا قال السيف: هذا مسلم. وإن ضربتُ به كافرًا قال لي: هذا كافر. قاتلتُ معك. فقال له عليٌّ: اذهب حيث شئت. فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾٢
التخريج
  1. ١كذا في مطبوعة المصدر، ولعله تصحّف.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٩٨-٤٠٠.
٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء. فذكر من قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذُكِرَت عن أسامة بن زيد، ونزل القرآن: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾، فقرأ حتى بلغ إلى قوله: ﴿إن الله كان بما تعملون خبيرا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٦٠.
٥
عن عبد الله بن عباس، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القومَ وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلًا شهد أن لا إله إلا الله؟! واللهِ، لَأَذْكُرَنَّ ذلك للنبي ﷺ. فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إنّ رجلًا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد. فقال: «ادعوا لي المقداد». فقال: «يا مقداد، أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلا الله؟! فكيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟!». فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ إلى قوله: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾. قال: فقال رسول الله ﷺ للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه، فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل»١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار في مسنده ١١‏/‏٣١٧ (٥١٢٧) واللفظ له، والطبراني في الكبير ١٢‏/‏٣٠ (١٢٣٧٩). وعلقه البخاري ٩‏/‏٣ (٦٨٦٦) مختصرًا. قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن ابن عباس، ولا نعلم له طريقًا عن ابن عباس إلا هذا الطريق». وقال ابن القيسراني في أطراف الغرائب ٣‏/‏١٦٢ (٢٣١٨): «غريب». وقال ابن عساكر في تاريخه ٦٠‏/‏١٧٢ في ترجمة مقداد بن عمرو: «قال الدارقطني: غريب من حديث سعيد عن ابن عباس، تفرد به حبيب بن أبي عمرة عنه، وتفرد به أبو بكر بن علي بن مقدم عن حبيب». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٨-٩ (١٠٩٤٣): «إسناده جيد». ووصله ابن حجر في تغليق التعليق ٥‏/‏٢٤٢ (٦٨٦٦). وقال الألباني في الضعيفة ٩‏/‏١٠٨ (٤١٠٩): «ضعيف».
٦
عن عبد الله بن عباس، قال: كان الرجل يتكلم بالإسلام، ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سرية رسول الله ﷺ أخبر بها حيَّه -يعني: قومه-، وأقام الرجل لا يخاف المؤمنين من أجل أنه على دينهم، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام، فيقولون: لست مؤمنًا. وقد ألقى السلام، فيقتلونه، فقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ إلى: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾. يعني: تقتلونه إرادة أن يحل لكم ماله الذي وجدتم معه، وذلك عَرَض الحياة الدنيا، فإنّ عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله. وهو رجل اسمه مرداس، خلّى قومه هاربين من خيل بعثها رسول الله ﷺ عليها رجل من بني ليث اسمه قُلَيْب، ولم يجامعهم، وإذا فيهم مرداس، فسلم عليهم، فقتلوه، فأمر رسول الله ﷺ لأهله بديته، وردَّ إليهم ماله، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٥٦-٣٥٧، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤١ (٥٨٣١) مختصرًا من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده عطية العوفي، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: مرَّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ وهو يسوق غنمًا له، فسلَّم عليهم، فقالوا: ما سلَّم علينا إلا لِيَتَعَوَّذ مِنّا. فعمدوا إليه، فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ؛ فنزلت الآية: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣‏/‏٤٦٧ (٢٠٢٣)، ٤‏/‏٢٧١ (٢٤٦٢)، والترمذي ٥‏/‏٢٧٣ (٣٢٧٩)، والحاكم ٢‏/‏٢٥٦ (٢٩٢٠)، وابن حبان ١١‏/‏٥٩ (٤٧٥٢)، وابن جرير ٧‏/‏٣٥٥-٣٥٦. وأورده الثعلبي ٣‏/‏٣٦٨. قال الترمذي: «هذا حديث حسن». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال ابن كثير في تفسيره ٢‏/‏٣٨٢-٣٨٣: «وقال -يعني: ابن جرير- في بعض كتبه غير التفسير: وهذا خبر عندنا صحيح سنده». وقال الألباني في الضعيفة ٩‏/‏١١٠: «فيه نظر؛ لأن سماك بن حرب وإن كان ثقة ومن رجال مسلم؛ إلا أن روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره فكان ربما يلقن؛ كما قال الحافظ في التقريب».
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: لحق ناس من المسلمين رجلًا معه غنيمة له، فقال: السلام عليكم. فقتلوه، وأخذوا غنيمته؛ فنزلت: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ إلى قوله: ﴿عرض الحياة الدنيا﴾. قال: تلك الغنيمة. قال: قرأ ابن عباس ﴿السلام﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٤٧ (٤٥٩١)، ومسلم ٤‏/‏٢٣١٩ (٣٠٢٥)، وعبد الرزاق ١‏/‏٤٧٢ (٦٢٥)، وسعيد بن منصور في التفسير من سننه ٤‏/‏١٣٥٠ (٦٧٧)، وابن جرير ٧‏/‏٣٥٥، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٣٩-١٠٤٠ (٥٨٢٥).
٩
عن عبد الله بن عمر، قال: بعث رسول الله ﷺ مُحَلِّم بن جَثّامة مَبْعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحْنَة١ في الجاهلية، فرماه مُحَلِّم بسهم، فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فجاء مُحَلِّم في بُرْدَيْن، فجلس بين يدي النبي ﷺ ليستغفر له، فقال: «لا غفر الله لك». فقام وهو يتلقى دموعه ببُرْدَيْه، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا النبي ﷺ، فذكروا ذلك له، فقال: «إنّ الأرض تقبل مَن هو شَرٌّ مِن صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم». ثم طرحوه في جبل، وألقوا عليه الحجارة؛ فنزلت: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم﴾ الآية٢
التخريج
  1. ١الإحنة: الحقد. النهاية (أحن).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٥٣-٣٥٤ من طريق ابن وكيع، قال: حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، أنّ ابن عمر به. إسناده ضعيف، فيه سفيان بن وكيع بن الجرّاح، قال ابن حجر في التقريب (٢٤٥٦): «كان صدوقًا، إلا أنه ابتلى بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنُصِح فلم يقبل، فسقط حديثه».
١٠
عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضَم، فخرجت في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة الحارث بن رِبْعِيِّ، ومُحَلِّم بن جَثّامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم مرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعُود١ له، معه مُتَيِّع له ووَطْبٌ من لبن، فلمّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه، فقتله، وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ الآية٢
التخريج
  1. ١القعود: ما يتخذه الرجل من الدواب للركوب والحمل ولا يكون إلا ذكرًا. النهاية (قعد).
  2. ٢أخرجه أحمد ٣٩‏/‏٣١٠ (٢٣٨٨١) واللفظ له، وابن جرير ٧‏/‏٣٥٤-٣٥٥، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٠ (٥٨٢٦). قال ابن كثير في تفسيره ٢‏/‏٣٨٣: «تفرد به أحمد». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٨ (١٠٩٤٢): «رواه أحمد والطبراني، ورجاله ثقات». وقال الألباني في الضعيفة ٩‏/‏١١٠: «هذا إسناد حسن».
١١
عن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه -من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط-، نحوه، وفيه: فقال النبي ﷺ: «أقتلته بعد ما قال: آمنت بالله؟!». فنزل القرآن١
التخريج
  1. ١هو الحديث السابق نفسه.
١٢
عن جزء بن الحِدْرِجان، قال: وفَد أخي قُداد بن الحِدْرِجان بن مالك إلى رسول الله ﷺ من اليمن بإيمانه وإيمان مَن أعطى الطاعة مِن أهل بيته، فخرج مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ، فلقيه في بعض الطريق سرية النبي ﷺ، فقال قداد: أنا مؤمن. فلم يقبلوه، وقتلوه في جوف الليل، فبلغنا ذلك، فخرجتُ إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته، وطلبت ثأري؛ فنزلت على رسول الله ﷺ: ﴿ياأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ الآية. فأعطاني النبي ﷺ دِيَة أخي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن منده -كما في أسد الغابة ١‏/‏٥٣٣ (٧٣٦)-، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٢‏/‏٦٢٨ (١٦٩٠). قال ابن حجر في الإصابة ١‏/‏٥٨٥ (١١٤٦) جزء ابن حدرد: «هذا إسناد مجهول».
١٣
عن جابر بن عبد الله، قال: أُنزلت هذه الآية: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام﴾ في مرداس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٠ (٥٨٢٨)، وابن شبة في تاريخ المدينة ٢‏/‏٤٥٠. قال ابن حجر في الفتح ٨‏/‏٢٥٩: «وهذا شاهد حسن». وقال السيوطي في لباب النقول ص٦٦: «وهو شاهد حسن».
١٤
عن مسروق بن الأجدع -من طريق أبي الضحى-: أنّ قومًا من المسلمين لقوا رجلًا من المشركين ومعه غُنَيْمة له، فقال: السلام عليكم، إني مؤمن. فظنوا أنه يتعوذ بذلك، فقتلوه، وأخذوا غنيمته؛ فأنزل الله: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾ تلك الغُنَيمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٥٩.
١٥
عن سعيد بن جبير -من طريق حبيب بن أبي عمرة- قال: خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله ﷺ، فمروا برجل [في] غُنَيْمة له، فقال: إني مسالم. فقتله ابن الأسود، فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي ﷺ؛ فنزلت هذه الآية: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾. قال: الغُنَيْمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٠‏/‏١٢٤-١٢٥، ١٢‏/‏٣٧٧، وابن جرير ٧‏/‏٣٦٠.
١٦
عن الحسن البصري: أنّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ذهبوا يَتَطَرَّقُون، فلقوا أناسًا من العدو، فحملوا عليهم، فهزموهم، فشدَّ رجل منهم، فتبعه رجلٌ يريد متاعه، فلما غَشِيه بالسنان قال: إني مسلم، إني مسلم. فأَوْجَرَه السِّنان، فقتله، وأخذ مُتَيِّعه، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ للقاتل: «أقتلته بعد ما قال: إني مسلم؟!». قال: يا رسول الله، إنما قالها مُتَعَوِّذًا. قال: «أفلا شققت عن قلبه». قال: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «لتعلم أصادق هو أو كاذب». قال: وكنتُ عالِمَ ذلك، يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: «إنما كان يُعَبِّر عنه لسانُه، إنما كان يعبر عنه لسانه». قال: فما لبث القاتل أن مات، فحفر له أصحابه، فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره. قال الحسن: فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله ﷺ، كم دفناه، مرتين أو ثلاثة؟ كل ذلك لا تقبله الأرض، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه، فألقيناه في بعض تلك الشِّعاب؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ أهل الإسلام. إلى آخر الآية. قال الحسن: أما واللهِ، ما ذاك ألّا تكون الأرض تُجِنُّ من هو شر منه، ولكن وعظ الله القوم ألّا يعودوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٣٩، والبيهقي في الدلائل ٤‏/‏٣١٠ بنحوه.
١٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾، قال: هذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان. ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ بعث جيشًا عليهم غالب الليثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففَرَّ أصحابُه، فقال مرداس: إني مُؤْمِن غيرُ مُتَّبِعِكم. فصَبَّحَتْه الخيلُ غُدْوَةً، فلما لقوه سَلَّم عليهم مرداس، فتلقاه أصحاب النبي ﷺ، فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع؛ فأنزل الله في شأنه: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾. لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٥٧. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٣٩٧-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾، قال: بلغني: أنّ رجلًا من المسلمين أغار على رجل من المشركين، فحمل عليه، فقال له المشرك: إني مسلم، لا إله إلا الله. فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال للذي قتله: «أقتلته وقد قال: لا إله إلا الله؟!». فقال وهو يعتذر: يا نبي الله، إنما قال مُتَعَوِّذًا وليس كذلك. فقال النبي ﷺ: «فهلّا شَقَقْتَ عن قلبه!». ثم مات قاتل الرجل، فقبر، فلفظته الأرض، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته، حتى فعل ذلك به ثلاث مرات، فقال النبي ﷺ: «إنّ الأرض أبَتْ أن تقبله، فألقوه في غار من الغيران». قال معمر: وقال بعضهم: «إنّ الأرض تقبل مَن هو شرٌّ منه، ولكن الله جعله لكم عبرة»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٦٨-١٦٩، وابن جرير ٧‏/‏٣٥٩ مرسلًا.
١٩
عن النعمان بن سالم أنّه كان يقول: نزلت في رجل من هذيل١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

قراءات

٤ أقوال
١
عن أبي عبد الرحمن السلمي -من طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني-، ومجاهد بن جبر -من طريق حميد الأعرج- أنهما كانا يقرآن: ﴿لمن ألقى إليكم السلام﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٦٧٨، ٦٧٩)، وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد. وهي قراءة متواترة، قرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، والكسائي، ويعقوب، وقرأ بقية العشرة:» السَّلَمَ «بحذف الألف. ينظر: النشر ٢/ ٢٥١، والإتحاف ص ٢٤٥.
٢
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة- أنّه كانا يقرأ: (ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السِّلْمَ)١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٦٨٠). وهي قراءة شاذة، قرأ بها أيضًا أبان بن زيد عن عاصم. ينظر: مختصر ابن خالويه ص٣٣، وإعراب القرآن للنحاس ١‏/‏٤٨٢، والبحر المحيط ٣‏/‏٣٤٢.
٣
عن أبي رجاء [العطاردي]، والحسن البصري -من طريق عوف- أنهما كانا يقرآن: (ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السِّلْمَ) بكسر السين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد. وأخرجه سعيد بن منصور (٦٨٠) عن الحسن وحده.
٤
عن عاصم بن أبي النجود أنّه قرأ: ﴿فتبينوا﴾ بالياء١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة العشرة ما عدا حمزة، والكسائي، وخلف العاشر، فإنهم قرأوا ‹فَتَثَبَّتُوا›. ينظر: النشر ٢‏/‏٢٥١، والإتحاف ص٢٤٤.
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٩٤ من سورة النساء

١٥ وقفةً في هذه الآية

  • ذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "حتى في أوضاع الصراع والقتال تتطلب العدالة التزامنا بالتثبت، لا شيء يبرر التهور في إصدار الأحكام على الآخرين

    — عبدالله بلقاسم

  • ذا رأيت صغيرا سفيها في تصرفاته أو رأيت شابا لاهيا في حياته فلا تشمت وتذكر { كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم}

    — محمد الربيعة

  • إلى كل معلم : قال ابن عاشور في قوله تعالى: ( كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم ...) هي عظة لمن يمتحنون طلبة العلم فيعتادون التشديد عليهم

    — نايف الفيصل

  • فعلى الباحث المجتهد أن يكون رفيقا،وليعط للناس الذي هو خير بتواضع وسكينة؛فلربما كان في زمن سابق مع الرأي يخالفه؛وليتذكر: (كذلك كنتم من قبل

    — خباب مروان الحمد

  • قوله تعالى: (كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ)، فيه تربية عظيمة: وهي أن يستشعر الإنسان -عند مؤاخذته غيره- أحوالًا كان هو عليها تساوي أحوال من يؤاخذه، كمؤاخذة المعلم التلميذ بسوء إذا قصر في إعمال جهده، وكذلك هي عظة لمن يمتحنون طلبة العلم، فيعتادون التشديد عليهم، وتطلب عثراتهم.

    — ابن عاشور

  • (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) الاحتراسُ طيِّب، وإحسانُ الظنِّ أطيب!

    — محمد الحمد

  • هدايات من تفسير السعدي (من أدب القرآن)

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • مجالس في تدبر القرآن(تدبر آية 94 سورة النساء)

    — خالد السبت

  • (كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم) تفكر في حالك قبل الهداية وكيف منّ الله عليك وفضلك وأكرمك..

    — مجالس التدبر

  • " كذلك كُنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا" الأولى بالمسلم الحق النظر للمسيء من أهل الغفلة و العصاة بعين الرحمة والنصيحة

    — مجالس التدبر

  • ما من عبد يعيب علي أخيه ذنبا إلا ويبتلي به فإذا بلغك عن فلان سيئة فقل في نفسك غفر الله لنا وله

    — ابن قيم الجوزية (ابن القيم)

  • رغبات شخصية قد تجعل البعض يرد بعض الحق فاحذر { {...وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ...}.

    — مجالس التدبر

و٣ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٩٤ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(94) O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"[211] aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
[211]- Do not assume that he pretends Islām merely in order to save himself, for he may be sincere in faith.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال