تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ) أي : سافرتم في سبيل الله، يعني : الغزو ( فتبينوا ) ويقرأ :" فتثبتوا " (١) ومعناهما : ترك العجلة. وفي الخبر :«التأني من الله، والعجلة من الشيطان »(٢) ( فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) يقرأ " إليكم السلام " ويقرأ " إليكم السلم " (٣)، فالسلام : هو التسليم المعهود، والسلم : المقادة والاستسلام، والسلم : الصلح، وقرأ أبو جعفر المدني يزيد بن القعقاع :" لست مؤمنا " (٤) من الأمان ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) يعني : تبتغون الدنيا، وفي الآثار :«الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يقضي فيها ملك قادر »(٥).
( فعند الله مغانم كثيرة ) أي : غنائم كثيرة. ( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ) أي : تفضل الله عليكم، وفيه قولان : قال سعيد بن جبير : معناه كذلك كنتم من قبل تكتمون الإيمان، فمن الله عليكم، وفيه قولان بالإظهار، وقال قتادة : معناه : كذلك كنتم من قبل ضلالا، فمن الله عليكم بالهداية ( فتبينوا ) إعادة تأكيد ( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) وسبب نزول الآية ما روى :" أن النبيصلى الله عليه وسلم بعث سرية، فلقوا رجلا يقال له : مرداس بن عمرو من فدك، له غنيمات، فانحاز بها إلى الجبل لما أحس بالسرية، ثم تقدم إليهم، فقال : السلام عليكم أنا مؤمن، فبادر إليه أسامة بن زيد وهو يقول : لا إله إلا الله، وقتله، وأخذ سلبه، والغنيمات التي له، فلما رجعوا إلى النبي ﷺ قال لأسامة : أقتلت رجلا يقول : لا إله إلا الله، فقال : إنه إنما أسلم متعوذا، وقال : إنما أسلم، ليحرز نفسه وماله، فقال عليه الصلاة والسلام : هلا شققت عن قلبه ؟ فقال أسامة : استغفر لي يا رسول الله، فقال كيف لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ فقال : استغفر لي يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام : كيف بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ هكذا حتى أعاده ثلاثا- فنزلت الآية فيه. ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ) » (٦) ولأن ذلك الرجل كان قد سلم عليهم، وأسلم لهم ( لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ) يعنى : تبتغون بقتله غنيمات كانت له.
وفي رواية أن النبي ﷺ استغفر لأسامة، وأمره بإعتاق رقبة وكان أسامة من علية الصحابة، وعاش إلى زمان على-رضى الله عنه- فدعاه على إلى المقاتلة معه في الحروب، فقال لعلى : أنت أعز على من كل أحد، ولو قاتلت المسلمين مع أحد لقاتلت معك، ولكني منذ سمعت رسول الله ﷺ قال لي : كيف بلا إله إلا الله يوم القيامة، امتنعت من القتال، فإن أعطيتني سيفا يميز المسلم من الكافر حتى أقاتل فتركه على.
وكان ممن اعتزل الفريقين هو وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.
وقيل : إن قاتِلَ صاحبِ الغنيمات، كان المقداد بن عمرو الكندي-هو ابن الأسود(٧)- هذا هو القول المعروف في سبب نزول الآية، وفي الآية قول آخر :«أنها نزلت في محلم بن جثامة الليثي، قتل رجلا وهو يقول : لا إله إلا الله، ثم جاء إلى النبي ﷺ، وقال : يا رسول الله، استغفر لي، فقال : لا غفر الله لك، فقام يبكي، وانصرف، فلما مات دفن في الأرض، فلفظته الأرض، ثم دفن فلفظته الأرض، ثم دفن فلفظته الأرض-هكذا ثلاثا- فأمر النبي ﷺ حتى ألقي عليه الحجارة، قال : إن الأرض لتنطبق على من هو شر منه-يعنى من محلم-، ولكن الله-تعالى-أراد أن يريكم الآية »(٨).
١ - وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. انظر النشر (٢/٢٥١)..
٢ - رواه أبو يعلى (٧/٢٤٨ رقم ٤٢٥٦)، والبيهقي في الكبرى (١٠/١٠٤)، من حديث أنس به وقال المنذري في الترغيب (٢/٢٥١)، والهيثمي في المجمع (٨/٢٢): رجاله رجال الصحيح..
٣ - قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، وابن عامر، وخلف: بحذف الألف، وقرأ الباقون بإثباتها..
٤ - انظر المصدر السابق..
٥ - رواه الشافعي في مسنده (٢/١٨٨-١٨٩ رقم ٦٧٢) من طريق إبراهيم بن محمد قال أخبرني عمرو «أن النبي ﷺ خطب... » وعزاه في كنز العمال رقم [٢/٤٣٦٠] للشافعي، والبيهقي في المعرفة، عن عمرو مرسلا. ورواه الطبراني في الكبير (٧/٢٨٨/ رقم ٧١٥٨)، وعنه أبو نعيم في الحلية (١/٢٦٤-٢٦٥)، عن شداد بن أوس مرفوعاً.
وقال الهيثمي في المجمع (٢/١٩٢): وفيه أبو مهدي سعيد بن سنان وهو ضعيف جدا..

٦ - هذه الحادثة ثابتة في الصحيحين، رواها البخاري في صحيحه (٧/٥٩٠ رقم ٤٢٦٩) ومسلم (٢/١٣١-١٣٢ رقم ٩٦) من حديث أسامة. وليس فيهما أن هذه الحادثة هي سبب نزول الآية..
٧ - رواه الطبراني في الكبير (١٢/٣٠ رقم ١٢٣٧٩)، والبزار – مختصر الزوائد- (٢/٧٨ رقم ١٤٥٨) كلاهما من حديث ابن عباس.
وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٢): وإسناده جيد..

٨ - رواه الطبري في تفسيره (٥/١٤٠) عن ابن عمر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى