جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيّنُواْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا﴾ : يا أيها الذين صدّقوا الله صدّقوا رسوله، فيما جاءهم به من عند ربهم¹ ﴿إذا ضَرَبْتُمْ فِي سبِيل اللّهِ﴾ يقول : إذا سرتم مسيرا لله في جهاد أعدائكم ﴿فَتَبَيّنُوا﴾ يقول : فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينا حربا لكم ولله ولرسوله. ﴿وَتَقُولُوا لَمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ﴾ يقول : ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم، ﴿لَسْتَ مُؤْمِنا﴾ فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا، يقول : طلب متاع الحياة الدنيا، فإن عند الله مغانم كثيرة من رزقه وفواضل نعمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول : كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلام فقلت له لست مؤمنا فقتلتموه، كذلك أنتم من قبل، يعني : من قبل إعزاز الله دينه بأتباعه وأنصاره، تستخفون بدينكم كما استخفى هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله بدينه من قومه أن يظهره لهم حذرا على نفسه منهم.
وقد قيل : إن معنى قوله :﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ كنتم كفارا مثلهم. ﴿فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يقول : فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تباعه. وقد قيل : فمنّ الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلام. ﴿فَتَبَيّنُوا﴾ يقول : فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتله ممن التبس عليكم أمر إسلامه، فلعلّ ألله أن يكون قد منّ عليه من الإسلام بمثل الذي منّ به عليكم، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان. ﴿إنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ يقول : إن الله كان بقتلكم من تقتلون وكفكم عمن تكفون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم ﴿خَبِيرا﴾ يعني : ذا خبرة وعلم به، يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازي جميعكم به يوم القيامة جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في سبيل قتيل قتلته سرية لرسول الله ﷺ بعد ما قال : إني مسلم، أو بعد ما شهد شهادة الحقّ، أو بعد ما سلم عليهم، لغنيمة كانت معه أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه. ذكر الرواية والآثار بذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، أن ابن عمر، قال : بعث النبيّ ﷺ محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله. فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع : يا رسول الله سُنّ اليوم وغيّر غدا ! فقال عيينة : لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي ! فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ليستغفر له، فقال له النبيّ ﷺ :«لا غَفَرَ اللّهُ لَكَ »فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت به سابعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض. فجاءوا إلى النبيّ ﷺ، فذكروا ذلك له، فقال :«إنّ الأرْضَ تَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌ مِنْ صَاحِبِكُمْ، وَلَكِنّ اللّهَ جَلّ وَعَزّ أرَادَ أنْ يَعِظَكُمْ ». ثم طرحوه بين صَدَفَيْ جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللّهِ فَتَبَيّنُوا﴾. . . الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد، قال : بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعُود له معه مُتَيّع له ووَطْب من لبن. فلما مرّ بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيء كان وبينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتيّعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولُوا لَمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا﴾. . . الاَية.
حدثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال : حدثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه بنحوه.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : لحق ناس من المسلمين رجلاً في غُنَيْمة له، فقال : السلام عليكم ! فقتلوه وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت هذه الاَية :﴿وَلا تَقولُوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا تَبْتَغُونَ عَرَض الحَياةِ الدّنْيا﴾ تلك الغُنيْمة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، بنحوه.
حدثني سعيد بن الربيع، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو سمع عطاء، عن ابن عباس، قال : لحق المسلمون رجلاً، ثم ذكر مثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : مرّ رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ وهو في غنم له، فسلم عليهم، فقالوا : ما سلم عليكم إلا ليتعوّذ منكم ! فعمدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيّنُوا﴾. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال : كان الرجل يتكلم بالإسلام ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سرّية محمد ﷺ أخبر بها حيه يعني قومه ففرّوا، وأقام الرجل لا يخاف المؤمنين من أجل أنه على دينهم حتى يلقاهم، فيلقى إليهم السلام، فيقول المؤمنون : لست مؤمنا ! وقد ألقى السلام، فيقتلونه، فقال الله جلّ وعزّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللّهِ فَتَبَيّنُوا﴾. . . . إلى :﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدّنْيا﴾ يعني : تقتلونه إرادة أن يحلّ لكم ماله الذي وجدتم معه، وذلك عرض الحياة الدنيا، فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله. وهو رجل اسمه مرداس جلا قومه هاربين من خيل بعثها رسول الله ﷺ عليها رجل من بني ليث اسمه قليب، ولم يجامعهم إذا لقيهم مرداس، فسلم عليهم فقتلوه، فأمر رسول الله ﷺ لأهله بديته وردّ إليهم ماله ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا﴾. . . الاَية، قال : هذا الحديث في شأن مرداس رجل من غطفان¹ ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ بعث جيشا عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك، وبه ناس من غطفان وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس : إني مؤمن وإني غير متبعكم ! فصّبحته الخيل غدوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فتلقوه أصحاب رسول الله ﷺ فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جلّ وعزّ في شأنه :﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا﴾ لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يحيى بعضهم بعضا.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياةِ الدّنْيا﴾. . . الاَية. قال : بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أسامة ابن زيد إلى بني ضمرة، فلقوا رجلاً منهم يُدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتبعه أسامة، فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال : السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ! فشدّ عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته. وكان النبيّ ﷺ إذا بعث أسامة أحبّ أن يثني عليه خيرا، ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدّثون النبيّ ﷺ ويقولون : يا رسول الله لو رأيت أسامة ولقيه رجل فقال الرجل : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فشدّ عليه فقتله ! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال :«كَيْفَ أنْتَ وَلا إلَهَ إلاّ اللّهُ » ؟ قال : يا رسول الله إنما قالها متعوّذا، تعوّذ بها. فقال له رسول الله ﷺ :«هَلا شقَقَتْ عَنْ قَلْبِهِ فَنَظَرْتَ إلَيْهِ ؟ » قال : يا رسول الله إنما قلبه بَضْعَة من جسده. فأنزل الله عزّ وجلّ خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول :﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدّنيْا﴾ فلما بلغ :﴿فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يقول : فتاب الله عليكم، فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل وما لقي من رسول الله ﷺ فيه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ إلَيْكُمُ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا﴾ قال : بلغني أن رجلاً من المسلمين أغار على رجل من المشركين، فحمل عليه، فقال له المشرك : إني مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله ! فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فقال للذي قتله :«أَقَتَلْتَهُ وَقَدْ قَالَ لا إله إلا الله ؟ » فقال وهو يعتذر : يا نبيّ الله إنما قالها متعوّذا وليس كذلك. فقال النبيّ صلى الله عل