جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مّتَعَمّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ومن يقتل مؤمنا عامدا قتله، مريدا إتلاف نفسه، ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ﴾ يقول : فثوابه من قتله إياه جهنم، يعني : عذاب جهنم، ﴿خَالدا فيها﴾ يعني : باقيا فيها. والهاء والألف في قوله :«فيها » من ذكر جهنم. ﴿وَغَضبَ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ يقول : وغضب الله بقتله إياه متعمدا، ﴿وَلَعَنَهُ﴾ يقول : وأبعده من رحمته وأخزاه وأعدّ له عذابا عظيما، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره.
واختلف أهل التأويل في صفة القتل الذي يستحقّ صاحبه أن يسمّى متعمدا بعد إجماع جميعهم على أنه إذا ضرب رجل رجلاً بحدّ حديد يجرح بحدّه، أو يَبْضَع ويقطع، فلم يقلع عنه ضربا به، حتى أتلف نفسه، وهو في حال ضربه إياه به قاصد ضربه أنه عامد قتله. ثم اختلفوا فيما عدا ذلك، فقال بعضهم : لا عمد إلا ما كان كذلك على الصفة التي وصفنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : قال عطاء : العمد : السلاح أو قال : الحديد قال : وقال سعيد بن المسيب : هو السلاح.
حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : العمد ما كان بحديدة، وما كان بدون حديدة فهو شبه العمد، لا قود فيه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال : العمد ما كان بحديدة، وشبه العمد : ما كان بخشبة، وشبه العمد لا يكون إلا في النفس.
حدثني أحمد بن حماد الدولابي، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال : من قتل في عصبية في رمي يكون منهم بحجارة أو جلد بالسياط أو ضرب بالعصيّ فهو خطأ ديته دية الخطأ، ومن قتل عمدا فهو قود يديه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير ومغيرة، عن الحارث وأصحابه في الرجل يضرب الرجل فيكون مريضا حتى يموت، قال : أسأل الشهود أنه ضربه، فلم يزل مريضا من ضربته حتى مات، فإن كان بسلاح فهو قود، وإن كان بغير ذلك فهو شبه العمد.
وقال آخرون : كل ما عمد الضارب إتلاف نفس المضروب فهو عمد، إذا كان الذي ضرب به الأغلب منه أنه يقتل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة عن عبيد بن عمير، أنه قال : وأيّ عمد هو أعمد من أن يضرب رجلاً بعصا ثم لا يقلع عنه حتى يموت.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن إبراهيم، قال : إذا خنقه بحبل حتى يموت أو ضربه بخشبة حتى يموت فهو القود.
وعلة من قال كلّ ما عدا الحديد خطأ، ما :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير، قال : قال النبيّ ﷺ :«كُلّ شَيْءٍ خَطَأٌ إلاّ السّيْفَ، وَلِكُلّ خَطَأٍ أرْشٌ ».
وعلة من قال : حكم كلّ ما قتل المضروب به من شيء حكم السيف من أن من قتل به قتيل عمد، ما :
حدثنا به ابن بشار، قال : حدثنا أبو الوليد، قا : حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك : أن يهوديّا قتل جارية على أوضاح لها بين حجرين، فأتى به النبيّ ﷺ، فقتله بين حجرين.
قالوا : فأقاد النبيّ ﷺ من قاتل بحجر وذلك غير حديد. قالوا : وكذلك حكم كلّ من قتل رجلاً بشيء الأغلب منه أنه يقتل مثل المقتول به، نظير حكم اليهودي القاتل الجارية بين الحجرين.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : كل من ضرب إنسانا بشيء الأغلب منه أنه يتلفه، فلم يقلع عنه حتى أتلف نفسه به أنه قاتل عمد ما كان المضروب به من شيء¹ للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله ﷺ.
وأما قوله :﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ خالِدا فِيها﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه، فقال بعضهم : معناه : فجزاؤه جهنم إن جازاه. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله :﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ﴾ قال : هو جزاؤه، وإن شاء تجاوز عنه.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال : حدثنا شعبة، عن يسار، عن أبي صالح :﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ﴾ قال : جزاؤه جهنم إن جازاه.
وقال آخرون : عُني بذلك رجل بعينه كان أسلم، فارتدّ عن إسلامه وقتل رجلاً مؤمنا¹ قالوا : فمعنى الآية : ومن يقتل مؤمنا متعمدا مستحلاّ قتله، فجزاؤه جهنم خالدا فيها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة : أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس بن ضبابة، فأعطاه النبيّ ﷺ الدية قبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله. قال ابن جريج وقال غيره : ضرب النبيّ ﷺ ديته على بني النجار، ثم بعث مِقْيَسا وبعث معه رجلاً من بني فهر في حاجة للنبيّ ﷺ، فاحتمل مقيس الفهري وكان أيّدا، فضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين، ثم أُلفي يتغنى :
قَتَلْتُ بِهِ فِهْرا وَحَمّلْتُ عَقْلَهُسَرَاةَ بني النّجّار أرْبابِ فارعِ
فقال النبيّ ﷺ :«أظُنّهُ قَدْ أحْدَثَ حَدَثا، أمَا وَاللّهِ لَئِنْ كانَ فَعَلَ لا أُؤَمّنُهُ فِي حِلّ وَلا حَرَمٍ، وَلا سِلْمٍ وَلا حَرْبٍ » فقتل يوم الفتح¹ قال ابن جريج : وفيه نزلت هذه الاَية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا﴾. . . الاَية.
وقال آخرون : معنى ذلك : إلا من تاب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، قال : ثني سعيد بن جبير، أو حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير، قال : سألت ابن عباس عن قوله :﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ﴾ قال : إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد، فقال : إلا من ندم.
وقال آخرون : ذلك إيجاب من الله الوعيد لقاتل المؤمن متعمدا كائنا من كان القاتل، على ما وصفه في كتابه، ولم يجعل له توبة من فعله. قالوا : فكلّ قاتل مؤمن عمدا فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار، ولا توبة له. وقالوا : نزلت هذه الاَية بعد التي في سورة الفرقان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن يحيى الجاري، عن سالم بن أبي الجعد، قال : كنا عند ابن عباس بعد ما كفّ بصره، فأتاه رجل فناداه : يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا ؟ فقال : جزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما. قال : أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال ابن عباس : ثكلته أمه، وأني له التوبة والهدي، فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ يقول :«ثَكِلَتْهُ أُمّهُ ! رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلاً مُتَعَمّدا، جاءَ يَوْمَ القِيامَة آخِذا بِيَمِينِه أوْ بِشِمالِهِ، تَشْخُبُ أوْدَاجُهُ دَما، فِي قُبُلِ عَرْشِ الرّحْمَنِ، يَلْزَمُ قاتِلَهُ بِيَدِهِ الأُخْرَى يقولُ : سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَتَنِي ». والذي نفسي عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الاَية فما نسختها من آية حتى قُبِض نبيكم ﷺ، وما نزل بعدهما من برهان.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن يحيى بن الحارث التيمي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ :﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ خالِدا فِيها وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وأعَدّ لَهُ عَذَابا عَظِيما﴾ فقيل له : وإن تاب وآمن وعمل صالحا ؟ فقال : وأنّى له التوبة !.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا موسى بن داود، قال : حدثنا همام عن يحيى، عن رجل، عن سالم، قال كنت جالسا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال : أرأيت رجلاً قتل مؤمنا متعمدا أين منزله ؟ قال : جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما. قال : أفرأيت إن هو تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال : وأنّي له الهدى ثكلته أمه ! والذي نفسي بيده لسمعته يقول يعني النبيّ ﷺ :«يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مُعَلّقا رأسُهُ بإحدى يَدَيْهِ، إمّا بِيَمِينِهِ أوْ بِشِمَالِهِ، آخِذا صَاحِبَهُ بِيَدِهِ الأُخْرَى تَشْخُبُ أوْدَاجُهُ حِيالَ عَرْضِ الرّحْمَنِ يَقُولُ : يا رَبّ سَلْ عَبْدَكَ هَذَا عَلامَ قَتَلَنِي ؟ » فما جاء نبيّ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا قبيصة، قال : حدثنا عمان بن زريق، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه قال في حديثه : فوالله لقد أنزلت على نبيكم ثم ما نسخها شيء، ولقد سمعته يقول :{ وَيْلٌ لِقاتِلِ المُؤْمِنِ، يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَة آخِذا رأسَهُ بِيَدِهِ ثم ذكر الحديث نحوه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أي عديّ، عن سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال : قال لي عبد الرحمن بن أبزي : سئل ابن عباس عن قوله :﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ﴾ فقال : لم ينسخها شيء. وقال في هذه الاَية :﴿وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلها آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إلاّ بالحَقّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثاما﴾ قال : نزلت في أهل الشرك.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال : أمرني عبد الرحمن بن أبزي أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين، فذكر نحوه.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، قال : حدثني سعيد بن جبير، أو حُدثت عن سعيد بن جبير، أن عبد الرحمن بن أبزي أمره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الاَيتين التي في النساء :﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ﴾. . . . إلى آخر الاَية، والتي في الفرقان :﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثاما﴾. . . إلى :﴿وَيخْلُدْ فِيهِ مُهانا﴾ قال ابن عباس : إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمنا متعمدا فلا توبة له. وأما التي في الفرقان، فإنها لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة : فقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله بغير الحقّ وأتينا الفواحش، فما ينفعنا الإسلام ؟ قال : فنزلت ﴿إلاّ مَنْ تابَ﴾. . . الاَية.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله

تفسير هذه الآية من كتب أخرى