جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مّسَلّمَةٌ إِلَىَ أَهْلِهِ إِلاّ أَن يَصّدّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مّسَلّمَةٌ إِلَىَ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةً فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنا إلاّ خَطأً﴾ : وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنا. يقول : ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَما كانَ لِمُؤمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنا إلاّ خَطأً﴾ يقول : ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه.
وأما قوله :﴿إلاّ خَطأً﴾ فإنه يقول : إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ، وليس له مما جعل له ربه فأباحه له. وهذا من الاستثناء الذي تسميه أهل العربية : الاستثناء المنقطع، كما قال جرير بن عطية :
| مِنَ البِيضِ لَمْ تَظْعَنْ بَعِيدا ولمْ تَطأْ | على الأرْضِ إلا رَيْطَ بُرْدٍ مُرَحّلِ |
ثم أخبر جلّ ثناؤه عباده بحكم من قتل من المؤمنين خطأ، فقال :﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يقول : فعليه تحرير رقبة مؤمنة من ماله ودية مسلمة يؤدّيها عاقلته إلى أهله :﴿إلاّ أَن يَصّدّقُوا﴾ يقول : إلا أن يصدّق أهل القتيل خطأ على من لزمته دية قتيلهم، فيعفوا عنه ويتجاوزوا عن ذنبه، فيسقط عنه. وموضع «أن » من قوله :﴿إلاّ أنْ يَصّدّقُوا﴾ نصب، لأن معناه : فعليه ذلك إلا أن يصدّقوا. وذكر أن هذه الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وكان قد قتل رجلاً مسلما بعد إسلامه وهو لا يعلم بإسلامه. ذكر الآثار بذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن جاهد في قول الله :﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنا إلاّ خَطَأً﴾ قال : عياش بن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمنا كان يعذّبه مع أبي جهل، وهو أخوه لأمه، فاتّبع النبيّ ﷺ وهو يحسب أن ذلك الرجل كان كما هو. وكان عياش هاجر إلى النبيّ ﷺ مؤمنا، فجاء أبو جهل وهو أخوه لأمه، فقال : إن أمك تناشدك رحمها وحقها أن ترجع إليها ! وهي أسماء ابنة مخرمة. فأقبل معه، فربطه أبو جهل حتى قدم مكة¹ فلما رآه الكفار زادهم ذلك كفرا وافتتانا، وقالوا : إن أبا جهل ليقدر من محمد على ما يشاء ويأخذ أصحابه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال في حديثه : فاتّبع النبيّ ﷺ ذلك الرجل وعياش يحسبه أنه كافر كما هو، وكان عياش هاجر إلى المدينة مؤمنا، فجاءه أبو جهل وهو أخوه لأمه، فقال : إن أمك، تنشدك برحمها وحقها إلا رجعت إليها ! وقال أيضا : ويأخذ أصحابه فيربطهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه. قال ابن جريج، عن عكرمة، قال : كان الحارث بن يزيد بن نبيشة من بني عامر بن لؤيّ يعذّب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل. ثم خرج الحارث بن يزيد مهاجرا إلى النبيّ ﷺ، فلقيه عياش بالحرّة فعلاه بالسيف حتى سكت، وهو يحسب أنه كافر. ثم جاء إلى النبيّ ﷺ فأخبره، ونزلت :﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنا إلا خَطَأً﴾. . . الاَية، فقرأها عليه، ثم قال له :«قُمْ فَحَرّرْ ».
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنا إلاّ خَطَأً﴾ قال : نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فكان أخا لأبي جهل بن هشام لأمه. وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله ﷺ، فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام ومعهما رجل من بني عامر بن لؤيّ، فأتوه بالمدينة، وكان عياش أحبّ إخوته إلى أمه، فكلموه وقالوا : إن أمك قد حلفت أن لا يظلها بيت حتى تراك وهي مضطجعة في الشمس، فأتها لتنظر إليك ثم ارجع ! وأعطوه موثقا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة. فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا، وقال : إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب. فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه، وجلده العامريّ، فحلف ليقتلنّ العامريّ. فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح، فاستقبله العامريّ وقد أسلم ولا يعلم عياش بإسلامه، فضربه فقتله، فأنزل الله :﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنا إلاّ خَطَأً﴾ يقول : وهو لا يعلم أنه مؤمن، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلاّ أنْ يَصّدّقُوا﴾ فيتركوا الدية.
وقال آخرون : نزلت هذه الاَية في أبي الدرداء. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنا إلاّ خَطَأً﴾. . . الاَية. قال : نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء كانوا في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شِعْبٍ يريد حاجة له، فوجد رجلاً من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف، فقال : لا إله إلا الله، قال : فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم. ثم وجد في نفسه شيئا، فأتى النبيّ ﷺ، فذكر ذلك له، فقال له رسول الله ﷺ :«ألا شَقَقَتْ عَنْ قَلْبِهِ ؟ » فقال : ما عسيت أجدُ ! هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء ؟ قال :«فَقَدْ أَخَبَرَكَ بلسَانه فلم تُصَدّقه »، قال : كيف بي يا رسول الله ؟ قال :«فَكَيْفَ بِلا إلَهَ إلاّ اللّهُ ؟ »قال : فكيف بي يا رسول الله ؟ قال :«فَكَيْف بِلا إلَهَ إلاّ اللّهُ ». حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال : ونزل القرآن :﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنا إلاّ خَطَأً﴾. . . حتى بلغ :﴿إلاّ أنْ يَصّدّقُوا﴾ قال : إلا أن يضعوها.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عرّف عباده بهذه الاَية ما على من قتل مؤمنا خطأ من كفارة ودية. وجائز أن تكون الاَية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله، وفي أبي الدرداء وصاحبه. وأيّ ذلك كان فالذي عني الله تعالى بالآية تعريف عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عقل عنه من عباده تنزيله، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه.
وأما الرقبة المؤمنة فإن أهل العلم مختلفون في صفتها، فقال بعضهم : لا تكون الرقبة مؤمنة حتى تكون قد اختارت الإيمان بعد بلوغها وصلت وصامت، ولا يستحقّ الطفل هذه الصفة. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي حيان، قال : سألت الشعبي عن قوله :﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قال : قد صلّت وعرفت الإيمان.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني بالمؤمنة : من عقل الإيمان وصام وصلى.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال : ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزي إلا من صام وصلى، وما كان في القرآن من رقبة ليست مؤمنة، فالصبيّ يجزئ.
حُدثت عن يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن الحسن، قال : كل شيء في كتاب الله ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فمن صام وصلى وعقل، وإذا قال :«فتحرير رقبة » : فما شاء.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن الأعمش، عن إبراهيم قال : كلّ شيء في القرآن ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فالذي قد صلّى، وما لم تكن «مؤمنة »، فتحرير من لم يصلّ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ والرقبة المؤمنة عند قتادة : من قد صلى. وكان يكره أن يعتق في هذا الطفل الذي لم يصلّ ولم يبلغ ذلك.
حدثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال : حدثنا فضيل بن عياض، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله :﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قال : إذا عقل دينه.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال في :﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ : لا يجزيء فيها صبيّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿فَتَحْرِيرْ رَقَبةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني بالمؤمنة : من قد عقل الإيمان وصام وصلى، فإن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين، وعليه دية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدّقوا بها عليه.
وقال آخرون : إذا كان مولودا بين أبوين مسلمين فهو مؤمن وإن كان طفلاً. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطا، قال : كلّ رقبة ولدت في الإسلام فهي تجزي.
قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال : لا يجزيء في قتل الخطأ من الرقاب إلا من قد آمن وهو يعقل الإيمان من الرجال والنساء إذا كان ممن كان أبواه على ملة من الملل سوى الإسلام وولد يتيما وهو كذلك، ثم لم يسلما ولا واحد منهما حتى أعتق في كفارة الخطأ. وأما من ولد بين أبوين مسلمين فقد أجمع الجميع من أهل العلم أنه وإن لم يبلغ حدّ الاختيار والتمييز ولم يدرك الحلم فمحكوم له بحكم أهل الإيمان في الموارثة والصلاة عليه إن مات، وما يجب عليه إن جنى، ويجب له إن جُني عليه، وفي المناكحة. فإذا كان ذلك من جمعيهم إجماعا، فواجب أن يكون له من الحكم فيما يجزيء فيه من كفاره الخطأ إن أعتق فيها من حكم أهل الإيمان مثل الذي له من حكم الإيمان في سائر المعاني التي ذكرناها وغيرها. ومن أبي ذلك عكس عليه الأمر فيه، ثم سئل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس، فلن يقول في شيء من ذلك قولاً إلا ألزم في غيره مثله.
وأما الدية المسلّمة إلى أهل القتيل فهي المدفوعة إليهم على ما وجب لهم موفرة غير منتقصة حقوق أهلهم منها. وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول : هي الموفّرة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، قوله :﴿وَدِيَةٌ مُسَلّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ قال : موفّرة.
وأما قوله :﴿إلاّ أنْ يَصّدّقُوا﴾ فإنه يعني به : إلا أن يتصدّقوا بالدية على القاتل أو على القتال أو على عاقلته¹ فأدغمت التاء من قوله «يتصدّقوا » في الصاد فصارتا صادا. وقد ذكر أن ذلك في